الطاقات المتجددة رهان مستقبل التنمية المستدامة

سيارة كهربائية

فؤاد الصباغ  كاتب تونسي و باحث اقتصادي دولي

دخلت شعوب العالم في عشرية جديدة بعد وداعها لسنة 2019 لتنطلق بذلك بثبات نحو مستقبل تلوح في أفقه العديد من المتغيرات التي ممكن أن تطبع العشرية المقبلة مع بداية سنة 2020 و تشكل بالنتيجة تغيير جوهري في نمط الحياة ايومية و الإقتصاد العالمي. فالعالم يشهد اليوم تجديداً متواصلاً و متزايداً في شتي المجالات و القطاعات، خاصة في مجال الإقتصاد الرقمي الذي أصبح يراهن بشكل مباشر علي تكنولوجيات الإتصال و المعلومات. ويعد الإقتصاد الأخضر العمود الفقري للتنمية المستدامة و يصنف ضمن سمات الحداثة الإقتصادية للعشرية الماضية بحيث ممكن أن تتضاعف البحوث و التطوير و التجديد في صلبه و ذلك من أجل تحقيق توازن حقيقي يضمن الإنتاجية و الثروة الوطنية المطلوبة و الحفاظ علي بيئة سليمة خالية من سموم الغازات.

تسببت الطاقات التقليدية التي إستغلتها البشرية في المراحل الأولى من الثورة الصناعية من أجل تشغيل الآلات والمحركات مثل السيارات، الطائرات والقطارات خاصة منها طاقة النفط الخام و مشتقاته و الغاز و الطاقة النووية تسببت اليوم بكارثة بيئية حقيقية، مما أدى بالنتيجة إلى إنخرام طبقة الأزون و تلويث أديم الأرض و إنتشار الكوارث الطبيعية من فيضانات و زلازل و إحتباس حراري و تغيير مناخي شامل. أما الطاقات المتجددة فهي صديقة البيئة وتعد اليوم البديل الرئيس لتلك الطاقات التقليدية الملوثة. كما أن لها نفس النتائج التشغيلية بأقل الكوارث و التكاليف و من أهم تلك الطاقات نذكر بالأساس توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية و من الرياح و إنتاج الوقود الحيوي من زيوت نبتات مثل الذرة وعباد الشمس والجاتروفا أو الإعتماد علي التكنولوجيا النظيفة والتي تعد بدورها حدث الساعة بحيث ممكن أن ترسم سمات الصناعة التكنولوجية المستقبلية.

توليد الكهرباء من الطبيعة:

تعد الطبيعة مصدر رئيس لإنتاج الطاقة بكميات كبيرة و قوة ناجعة و فعالة وبأقل التكاليف الممكنة بحيث أصبحت أغلب دول العالم تراهن عليها كبديل جدي عن إنتاج الكهرباء من إستعمال المحروقات و الخزانات الكبرى. فالطبيعة لها إيجابيات كبرى و تسهم في الحفاظ علي بيئة نظيفة خالية من إنبعاثات الغازات السامة، نذكر منها طاقة الرياح التي تتوفر بشكل مستمر على مدى فترة طويلة تتجاوز ستة أشهر من السنة والقادرة بدورها على تخزين كميات كبرى من تلك الطاقة. منها أيضا الطاقة الشمسية خاصة في القارة الإفريقية و أمريكا اللاتينية و بعض البلدان الآسيوية بحيث تشكل بدورها قاعدة إنتاج كبرى بأقل التكاليف المادية و ذلك عبر نشر تلك اللوحات المولدة للطاقة ثم تخزينها و تحويلها للإستهلاك الكهربائي. في هذا الصدد إنتشرت مؤخرا بشكل كبير و غريب العديد من الشركات الأوروبية خاصة في دول جنوب المتوسط مثل مصر و تونس و بدأت بالفعل في نشر و تشغيل تلك اللوحات الشمسية و إنتاج كهرباء طبيعية ثم توجيهها نحو دول شمال المتوسط لتصبح بذلك دول الإتحاد الأوروبي من أبرز المستهلكين للكهرباء الطبيعية. أما التوربينات الهوائية لإنتاج الكهرباء من الرياح فقد أصبحت منتشرة بشكل ملحوظ على أغلب تلال الجبال في شتى دول العالم. إجمالاً تعتبر تلك الطاقة الكهربائية الأفضل حالياً من أجل تخفيف عبء النفقات العمومية المخصصة لشراء المحروقات خاصة في الدول غير نفطية من أجل إنتاج طاقة الكهرباء.

الوقود الحيوي – البيوديزال:

يعد الوقود الحيوي المستخرج من الزيوت النباتية يعد اليوم من أبرز الطاقات المتجددة الصاعدة خاصة بالدول الناشئة بحيث أصبح له تأثير مباشر علي المستهلك وعلو الإستهلاك العام نظراً لقلة تكاليف الإنتاج و أسعار التزود به. فتلك الطاقة المعروفة بالبيوديزال أصبحت قادرة بدورها علي تشغيل جميع المحركات و الآلات الصناعية بشكل ثابت و مستمر و لها نفس القدرات التشغيلية تقريبا مقارنة مع بقية إستغلال طاقات المحروقات. إذ من أبرز الزيوت التي يتم إستخراج منها تلك الطاقة نذكر بالأساس الذرة، عباد الشمس و الأهم من كل ذلك هي نبتة الجاتروفا و المشابهة كثيرا لزيوت شجرة الزيتون من جانب الإنتاجية. فتلك الزيوت يقع تكريرها و معالجتها في المخابر لتنتج بالنتيجة كميات كبرى من الوقود الحيوي المعروف بالبيوديزال أو الوقود الأخضر. كما أن أغلب محطات تزويد السيارات بالبنزين أصبحت توزع ذلك النوع من الوقود بشكل ملحوظ خاصة في الدول المتقدمة.

التكنولوجيا النظيفة:

أصبحت التكنولوجيا واقعاً ملموساً في حياتنا اليومية و تعتبر هذه العشرية المقبلة عشرية تكنولوجيا بإمتياز نظرا لتزايد إنتشار التقنيات و الإبتكارات المخصصة في الصناعة و ذلك بالتحديد في قطاع صنع السيارات و التجهيزات المنزلية و التي أصبحت في مجملها تعتمد بشكل كبير علي الإلكترونيات و الإنترنت في أبسط الجزئيات. فالتكنولوجيا النظيفة تعد رهان المستقبل بقصد تقليص نسبة إنبعاثات الغازات السامة من المحروقات التقليدية كالنفط و الغاز و التي تتسبب مباشرة في كوارث كبرى على البيئة و خاصة منها تلويث الهواء بالمدن . كما أنها أضحت اليوم المساهم الرئيس في تحفيز التنمية المستدامة نظراً لدورها الهام من أجل تحقيق التوازن بين الصناعة و البيئة. فعلى سبيل المثال نذكر سيارات التسلا و التي إنتشرت بشكل سريع خلال الآونة الأخيرة لتبرز بذلك في محطات التزويد بطاريات الشحن لتلك النوعية من السيارات و التي تشابه كثيراً في تصميمها جهاز الهاتف الجوال. كذلك تعد تلك التكنولوجيا سهلة من جانب الإستعمال و ذات تأثير فعال و تحقق أهدافها بجودة عالية و دقة فعالة.

تعد الطاقات المتجددة الرهان المستقبلي من أجل تحقيق تنمية مستدامة تراعي بين الإنتاجية بكميات مطلوبة و ثابتة و تسهم بتطوير الصناعة و التكنولوجيا و تحافظ على بيئة سليمة خالية من السموم. كذلك تعتبر الكهرباء الطبيعية المستخرجة من طاقة الرياح و من الطاقة الشمسية ذات تأثير إيجابي مباشر على الإقتصادات الوطنية لأغلب دول العالم بحيث تسهم في تقليص العجز في الميزانية و تحد من تراكم المديونية و ترفع من نسب النمو الإقتصادي و بالنتيجة تحافظ علي البيئة و قادرة بدورها علي تحقيق التنمية المستدامة المنشودة. كما أن الوقود الحيوي يعد مؤخراً الحدث البارز عالمياً في صلب الإقتصاد الأخضر و المعروف بالبيوديزال المستخرج من زيوت النباتات خاصة منها نبتة الجاتروفا أو من الفاضلات المنزلية خاصة منها بقايا الخضروات و المواد البلاستيكية.

فؤاد الصباغ – كاتب تونسي و باحث اقتصادي دولي

التعليقات مغلقة.