“شروط النهضة”، قراءة في كتاب شروط النهضة لمالك بن نبي

عرض وتقديم الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

“شروط النهضة”

قراءة في كتاب شروط النهضة لمالك بن نبي

عرض وتقديم الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

يعالج مالك بن نبي في مؤلفاته المبكرة مثل كتاب شروط النهضة مشكلة الاستعمار مهمومة بقضية بناء الدولة وفقا للنموذج الإسلامي. تمثل الأفكار في العالم الإسلامي لدى مالك بن نبي البدايات لحل مشكلة الدولة. حيث يرى أن هناك ثلاثة عناصر للحضارة وهي الإنسان، والمادة (التراب)، والزمن (الوقت). فهو مشغول نظرياً بإرساء معالم الحضارة كأساس قاعدي للدولة في مجتمعاتنا. وهذا يعني أن بناء أي دولة مشروط بهذه العناصر الثلاثة.[1]

مشكلة الفكر العربي المعاصر:

تتمثل مشكلة الفكر العربي المعاصر في عدم بلورته، وتطويره لمفهوم، أو لمفاهيم الدولة خارج الأطر الموروثة عن الغرب، أو الموروثة عن العصر الذهبي للإسلام البعيد، والذي لم يجد في وقتنا من يتطابق معه معرفياً، وأخلاقياً وروحياً داخل المجتمعات العربية. مفاهيم الدولة المختلف حولها لا توجد إلا في النماذج الناجزة مسبقا. والتشبث بهذا النوع من الفكر الماضوي يفصح عن سمة خاصة بالثقافة السائدة عندنا، وهي أن الذي يفكر فينا هو الماضي ونماذجه، وليس الحاضر في بحثه عن صيغ جديدة للمجتمع والدولة.

يرى مالك بن نبي: إن (كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية: ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت). وبناء على هذا التحليل لتركيب الحضارة يستنتج ابن نبي أن مشكلة النهضة الحضارية ترتبط بثلاث مشكلات متشابكة هي: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب (المادة)، ومشكلة الزمان (الوقت). [2]

1 – المشكلة الأولى يرى أن أية حضارة تبدأ من الإنسان؛ أما المادة فمهما كان مقدارها وقيمتها تبقى مجرد كم مكدس لا يمكن أن يثمر حضارة إلا بالاستعمال الصحيح لها من قبل الإنسان الحي. وهنا تبدو ضرورة التغيير النفسي ليصبح الإنسان غنيا بأفكاره لا بأشيائه.

2 – أما التراب أو (المادة) فالمشكلة هنا لا تتحدد بندرة المادة أو وفرتها، بل بكيفية التعاطي معها. حيث يشير ابن نبي إلى أنه في القرن التاسع عشر كانت مكانة الدول والشعوب تقاس بمقدار مصانعها وأساطيلها ومدافعها ورصيدها من الذهب والفضة؛ غير أن القرن العشرين شهد تحولاً نوعياً في قياس القوة، ولم يعد المعيار شيئياً بل فكرياً.

3 – أما المشكلة الثالثة الزمان (الوقت) فهي تتمثل في الزمان بوصفه ذاك النهر القديم الذي يعبر العالم بصمت، حتى انه لا يُنتبه إليه، بل تتناساه الحضارات في لحظة غفلتها. حتى إذا وقعت الواقعة وأصبح الوقت شرطاً ضرورياً للمحافظة على البقاء، أو تحصيل الثراء، أو النعم الفانية تناهى إلى سمع الناس صوت الساعات الهاربة.

(الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل … فهو يمر خلال المدن، يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباءً، وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، يفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصير ” ثروة “، وفي مجال آخر يتحول عدماً. فهو يمرق خلال الحياة، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحها لما أنجز فيه من أعمال). [3]

كما يولي ابن مالك أهمية كبيرة لفكرة التوجيه، فيقول: (وحاصل البحث أن قضية الفرد منوطة بتوجيهه في نواح ثلاث أولاً: توجيه الثقافة، ثانياً: توجيه العمل، ثالثاً: توجيه رأس المال). وبالتالي فإن فكرة التوجيه تعني له (قوة في الأساس وتوافقاً في السير ووحدة في الهدف، وتجنب الإسراف في الجهد وفى الوقت). [4]

القاعدة الأساسية لأية نهضة حقيقية:

تحتل الثقافة عند مالك بن نبي مركزاً أساسياً في البناء الحضاري، ومواجهة التخلف لقهره وتجاوزه. فهو يدعو إلى تحديد تعريف الثقافة على ضوء حالتنا الراهنة، وحسب مصيرنا. ويحدد لنا العناصر الجوهرية اللازمة للثقافة وهي: [5]

1- الدستور الخلقي.

2- الذوق الجمالي.

3- المنطق العملي.

4- الصناعة بتعبير ابن خلدون، أي التقانة.

وتشكل هذه العناصر القاعدة الأساسية لأية نهضة حقيقية. وللذوق الجمالي مكانة خاصة لأنه لا ينفصل عن الأخلاق، والممارسة العملية في مجال الإنتاج المادي والفكري والفني، فالأخلاق مرتبطة بالمجتمع. فالأخلاق تعتبر رديفا لعمليات تكوين الروابط بين الأفراد في أي مجتمع. يستحق عنصر التوجيه الجمالي الذي يتمسك به مالك بن نبي كبعد أساسي للثقافة وللدولة أكثر من وقفة تحليلية. فالجماليات تكتسي أهمية اجتماعية، (إن للجمال أهمية اجتماعية هامة، إذ ما اعتبرناه المنبع الذي تنبع منه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع. والواقع أن أزهد الأعمال – في نظرنا – له صلة كبرى بالجمال). كما أن قوة التماسك (مرتبطة في أصلها بغريزة الحياة في جماعة عند الفرد، والتي تتيح له تكوين القبيلة والعشيرة والمدنية والأمة). [6]

(الإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة، فينبغي أن نلاحظه في نفوسنا، وأن نتمثل في شوارعنا وبيوتنا ومقاهينا مسحة الجمال نفسها، التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي). [7]

وتقاس درجة رقي الدولة المعاصرة وتقدمها وأخلاقها بمستوى ونوعية الجماليات في هذه الدولة. كما أن انحطاط الأخلاق يتزامن بانحطاط الذوق الجمالي في كافة المجتمعات. كما أن المعمار وتشكيل الفضاء، واختيار الموقع عناصر تلعب أدوارا حاسمة في تشكيل نفسيات الأفراد داخل أي مجتمع.

ثقافتنا لا تعرف مثلها العليا:

ويتذمر مالك بن نبي ويشكو من خلل في هذا المنطق في مجتمعاتنا. ويحدد هذا الخلل في مصطلح هو اللافاعلية حيث يؤكد: (إننا نرى في حياتنا اليومية جانباً كبيراً من اللافاعلية في أعمالنا، إذ يذهب جزء كبير منها في العبث والمحاولات الهازلة وإذا ما أردنا حصراً لهذه القضية فإننا نرى سببها الأصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها: فسياساتنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وإن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفى كل خطوة نخطوها). [8]

يمثل افتقاد مجتمعاتنا للمنطق العملي، وللفاعلية مشكلة كبرى لم تعالج حتى الآن علاجا جديا. لذلك فإن أزمة الدولة والمجتمع لدينا تنبع من كونها تفتقد إلى الفاعلية، وإلى الدستور الخلقي، والذوق الجمالي، والمنطق العملي، والمنهجية العلمية في التعاطي مع قضايا التنمية وبخاصة تنمية الإنسان. وبذلك لا يناقش مالك بن نبي صراحة مشكلة الدولة، بل هو معنى بالشروط الحضارية للمجتمعات الإسلامية ككل. ورغم ذلك، فإنه يمكن لنا أن نستعمل توصيفه لمعالم وشروط الحضارة كأسس للدولة المعاصرة والمجتمع الحديث.

يقدم مالك بن نبي أفكاره ومعتقداته في سبيل النهضة على صفحات هذا الكتاب (شروط النهضة)، من خلال دراسة تجذم سير النهضة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، اللذين يجب أن تتوافق صحوة ضميرهما مع ضابط النغم في الضمير العالي، الذي يبحث بصورة مؤثرة عن وسائل طمأنينته في طريق السلام والديموقراطية.

ويؤكد مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة لأنه “لكيلا نكون مستعمرين يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار”. هذه الجملة البسيطة هي الإشعاع النوراني الأول الذي استرسل لينير الفكر، ولقد أضاءها من قبل نور تلك الآية المذكورة هنا كأساس لنظرية مالك بن نبي في شروط النهضة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)،

يرى مؤلف كتاب شروط النهضة مالك بن نبي: من المفيد أن يقدم التسويغ التاريخي والنقدي والعقلي لهذا الأساس الرباني، وهو يعد هذا التسويغ الذي يكشف في بعض الصفحات عن أصول فلسفته، اطّراد الحضارات، وهنا ينبثق حل المشكلة نتيجة حتمية لهذا الدرس التاريخي والنظرية تتكون جزءاً فجزءاً، بطريقة منطقية-طبقاً للتكوين الأساسي لكل حضارة حيث تتكون من الإنسان والتراب والوقت.

الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

 

شروط النهضة الحضارية عند مالك بن نبي - السبيل

مالك بن نبي:

  • مؤلف كتاب شروط النهضة وأكثر من 110 كتب أخرى.
    يعد من أعلام الفكر الإسلامي العربي في القرن العشرين.
    ولد مالك بن نبي في 5 ذي القعدة 1323 هـ الموافق للأول من كانون الثاني سنة 1905 م بمدينة قسنطينة شرق الجزائر، وترعرع في أسرة إسلامية محافظة.
  • كان والده موظفا بالقضاء الإسلامي في ولاية تبسة.
  • درس المرحلة الابتدائية بالمدرسة الفرنسية في ولاية تبسة.
  • سافر مع أحد أصدقائه إلى فرنسا حيث كانت له تجربة فاشلة ثم عاد إلى مسقط رأسه.
  • بدأ مالك بن نبي محاولات في الاهتداء إلى عمل، كان أهمها، عمله في محكمة أفلو حيث وصلها في مارس/آذار 1927م، احتك أثناء هذه الفترة بالفئات البسيطة من الشعب فبدأ عقله يتفتح على حالة بلاده.
  • استقال من منصبه القضائي عام 1928 إثر نزاع مع كاتب فرنسي لدى المحكمة المدنية.
  • أعاد الكرة بالسفر لفرنسا عام 1930م هذه كانت رحلة علمية.
  • حاول الالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية، إلا أنه لم يكن يسمح في ذلك الوقت للجزائريين أمثاله بمتابعة مثل هذه الدراسات. فتركت هذه الممارسات تأثيرا كبيرا في نفسه.

 

 

 

 

كتاب شروط النهضة

 

مؤلف: مالك بن نبي

اللغة: العربية

الناشر: دار الفكر المعاصر (first published 1949)

الترقيم الدولي:  9789933100247

تاريخ الإصدار: 01  يناير/ كانون الثاني 2019

عدد الصفحات: 160

 

 

 

[1] – مالك بن نبي، شروط النهضة، المصدر السابق، ص 77.

[2]  – الدكتور الطيب بوعزة، عن صحيفة الخليج، 16 فبراير 2008 موقع مالك بن نبي.

[3]  – مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، طرابلس لبنان 1979، ص139.

[4] – مالك بن نبي، شروط النهضة، المصدر السابق، ص 78.

[5]  – مالك بن نبي، شروط النهضة، المصدر السابق، ص 81. أنظر أيضاً، أزراج عمر، عقبات أمام المشروع العربي أربعة شروط لبناء الدولة العصرية، العرب اون لاين،27/08/2008.

[6]  – المصدر السابق. نرى هنا إن مالك بن نبي يذكر بفكرة ابن خلدون القائلة بأن الإنسان مدني بطبعه.

[7]  – المصدر السابق. ص 94.

[8]  – المصدر السابق. ص 96.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة عشر + سبعة =

آخر الأخبار