الأمن الغذائي وتطلعات السكان في الدول العربية

 الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الأمن الغذائي وتطلعات السكان في الدول العربية

ما وضع الأمن الغذائي في العالم العربي؟ وما أكثر الدول المهددة بالجوع؟ |  اقتصاد | الجزيرة نت

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

حتى الآن لم تتمكن الحكومات في الدول العربية من توفير الكفاية من الطعام الضروري لسلامة وصحة جميع شعوبها. ولا يمكن تبرير ذلك العجز بالجهل ولا بقسوة الطبيعة. إنما يلزم لتحقيق ذلك أن يتضاعف إنتاج الغذاء، خصوصاً في البلدان التي تملك الوسائل التي تضاعف الإنتاج. ويمكن بشيء من التفكير والإرادة الراسخة والإدارة العلمية، أن تستخدم كل حكومة هذه المعرفة من أجل توفير الغذاء لمواطنيها.

أصبح المواطن يتطلع إلى التقدم الاقتصادي، لنفسه ولأسرته ولعشيرته، ولأمته، بل ويتوقع أن يتحقق التقدم والتنمية الشاملة فعلاًـ لا أن يتطلع إليه فقط بل يعمل لأجل ذلك. فالبقال والموظف والفلاح، وعامل المصنع، وطالب الجامعة، ورجل الأعمال، كل هؤلاء يتطلعون إلى تحسين الحالة المعاشية لهم ولأسرهم في السنوات التالية مباشرة، أما تحديد هذه التطلعات بالدقة فيختلف من دولة إلى أخرى. لكن توقع التحسن الملموس في مستوى المعيشة ظاهرة عامة في الوطن العربي.

– مؤشرات نقص الغذاء في الدول العربية:

تتوضح أزمة الغذاء في الدول العربية من خلال المؤشرات التالية:

1ـ انخفاض ما يخص الفرد من سعرات حرارية دون المستوى العالمي. وتجدر الإشارة إلى تفاوت كمية السعرات التي يحصل عليها السكان.

2ـ اتساع الهوة بين الواردات والصادرات من السلع والمنتجات الغذائية وتزايد الاعتماد على الاستيراد لتأمين ما تحتاج إليه من الغذاء.

3ـ تدني نسبة الاكتفاء الذاتي ومستوياته، نتيجة لتزايد الواردات الغذائية.

إن وفرة السلع والمنتجات الغذائية، وإقبال الناس على شرائها أو عدم قدرتهم على الشراء، لا ينفي وجود الأزمة الغذائية. أن خطورة الأزمة الغذائية تكمن في الاعتماد المتزايد على الاستيراد لتأمين حاجة السكان من المواد الغذائية. حيث لا يستطيع المستورد التحكم في أسعار المواد المستوردة، (وقد يصعب توفيرها في جميع الأوقات، وربما تستخدم كوسيلة أو أداة للضغط على البلاد لحملها على اتخاذ موقف معين). [1]

– العلاقة بين تزايد عدد سكان وتزايد احتياجاتهم من الغذاء:

تبدو العلاقة بين تزايد عدد السكان وبين تزايد احتياجاتهم من المواد الغذائية، شديدة الوضوح. كما أن هناك علاقة بين تحسن مستوى دخل الفرد وتزايد احتياجاته من المواد الغذائية من حيث النوع والكمية. ويمكننا تحديد علاقة تزايد السكان بتزايد الحاجة للمواد الغذائية من خلال:

  • تزايد عدد السكان، وبالتالي زيادة عد الأفواه التي تحتاج إلى الغذاء.
  • زيادة استهلاك المواد الغذائية، الناجم عن تحسن مستوى الدخل لدى الأفراد.

يتأثر نمو الطلب الإجمالي على السلع الغذائية في الوطن العربي بعاملين رئيسين: (1) – تزايد السكان. (2) – دخل الفرد.

وهذا يعني أن معدل تزايد الطلب الإجمالي على السلع الغذائية يساوي معدل تزايد السكان مضافاً إليه معدل تزايد الدخل للفرد (أو ما يسمى بالمرونة الدخلية للفرد)، ويمكننا توضيح ذلك من خلال المعادلة التالية:

  • مع ط = مع س + (مع د. س)
  • حيث أن:
  • مع ط = معل نمو الطلب
  • مع د = معدل نمو الدخل للفرد
  • س = عدد السكان

تجدر الإشارة إلى انقسام المستهلكين إلى فئات المعيشة من حيث الدخل، ولا بد من التمييز بين الريف والمدينة، إضافة إلى التباين في دخل الفرد. وبشكل عام أن المرونة الدخلية بالنسبة للغذاء هي أقل.

وضع خبراء السكان في الأمم المتحدة فرضيات في تقدير عدد السكان ثم حددوا معادلة عالمية يتم استخدامها في تقدير زيادة عدد السكان في القرون الماضية لكل شعوب العالم. وتم من خلال هذه المعادلة تحديد المدة التي تضاعف خلالها إعداد سكان العالم بصورة عامة. واستناداً إلى هذه المعادلة فإن عدد سكان البلدان العربية في عام 8000 سنة قبل الميلاد لم يتجاوز المليون نسمة، وفي العام الأول للميلاد بلغ عددهم 8 مليون نسمة ثم وصل في عام 1650 إلى 17 مليون وتضاعف في عام 1850 فأصبح 32 مليون ثم تضاعف مرة ثانية في عام 1930 ووصل إلى 64 مليون، وكان إحصاء عام 1975 الفعلي يشير إلى أن عدد سكان الوطن العربي قد بلغ 138 مليون. وصل عدد سكان الدول العربية في عام 2000 إلى حوالي 290 مليون نسمة، واليوم يصل عدد سكان الدول العربية في عام 2023 إلى حوالي 420 مليون نسمة. تدل هذه الأرقام على أن الدول العربية تعيش في الوقت الحاضر مرحلة انفجار سكاني لم يسبق له مثيل. مما سيكون له أكبر الأثر على مشكلة الغذاء والعجز الغذائي المتزايد في الوطن العربي.

– الجميع يطالبون بغذاء أوفر وصحة أفضل:

الجميع يطالبون بأن يحصلوا في هذا العام، وليس في العام القادم. على غذاء أوفر وأفيد للصحة، وخدمات طبيه أفضل، ووسيلة نقل أجود، وهاتف محمول، إضافة إلى تأمين المدارس لأبنائهم، وبعض السلع الكمالية. لقد تعرفوا على هذه الطلبات، واعتقدوا بأنهم يستطيعون الحصول عليها، فادخلوها في حساباتهم كطلبات ملحه ومستمرة، وذلك خلال فترة لا تتجاوز نصف قرن من الزمن (1970-2020) وكان هذا كله يمثل (ثورة التطلعات) التي اكتسحت كل الوطن العربي.

لقد كانت ثورة التطلعات أكثر حده في المناطق الحضرية، وذلك بسبب قوة العوامل الدافعة لها. بينما كانت في المناطق الريفية أقل حده، وذلك بسبب ضعف العوامل الدافعة أو انعدامها في الريف. كذلك فإن ثورة التطلعات أقوى ما تكون بين الشباب، أضعف ما تكون بين الكهول. ولهذا نجد أن تطلعات فئات المستهلكين المختلفة في الوطن العربي ليست كلها في مستوى واحد. حيث نرى أن تطلعات الشباب في المناطق الحضرية في الوطن العربي تصل إلى أعلى درجات الحماسة في الحصول على ثمار التقدم المادي.

هذه المجموعة من السكان تتطلع إلى أن تجني لنفسها مكاسب مادية ملموسة في سنوات المستقبل القريب المباشر. لقد سمع الشباب بوسائل وأجهزة واختراعات شتى، يرون أن من حقهم أن يأخذوا نصيبهم مما يوفره الإنتاج العلمي الحديث، كما أنهم يعلمون أن الخدمات والسلع الجديدة متوافرة وسريعة الانتشار في مختلف أنحاء العالم، وأن لهم أن يتوقعوا توفر تلك الخدمات والسلع في بلدانهم والحصول عليها خلال حياتهم.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

[1] – محمد علي الفرا، واقع الأمن الغذائي العربي، مجلة عالم الفكر والعدد الثاني 1987، ص 16.

[2] – Muhammad Ali Al-Farra, The Reality of Arab Food Security, Alam Al-Fikr Magazine, Second Issue, 1987, p. 16.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − 11 =

آخر الأخبار