مصادر الضغوط التضخمية في البلدان النامية

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

مصادر الضغوط التضخمية في البلدان النامية

التضخم ينهش جيوب فقراء العالم

تُدرس نظرية التضخم في الفكر الاقتصادي الأكاديمي ضمن نظرية النقود والمصارف، وظل الاقتصاديون في الدول النامية يعالجون مشاكل التضخم ضمن المشاكل التي تعرضت لها الدول المتقدمة اقتصادياً خلال فترات عدم استقرارها الاقتصادي التي طالما تعرضت لها. وكان التحليل الاقتصادي للتضخم يتركز على تجنبه وآثاره السلبية التي تعرقل سير النشاط الاقتصادي وذلك برسم السياسات النقدية والاقتصادية لهذه الدول.

التضخم ظاهرة اقتصادية تتوضح بارتفاع الأسعار الناجم عن اختلال التوازن بين العرض المتاح من السلع والخدمات والطلب الفعال عليها. وهذا يعني وجود فجوة بين العرض المتاح والمحدود من السلع والخدمات والطلب الفعال أي المقترن بالقدرة على الشراء والذي يزيد عن العرض المتاح. والقوانين الاقتصادية توضح أن زيادة الطلب على السلع والخدمات عن العرض تؤدي إلى زيادة الأسعار، التي تعد المؤشر التقليدي على حدوث ظاهرة التضخم في أي اقتصاد.

ندرج فيما يلي أهم مصادر الضغوط التضخمية في البلدان النامية:

1 – المشكلة السكانية المتمثلة بارتفاع معدلات نمو السكان أكثر من الموارد الاقتصادية ومعدل النمو الاقتصادي، مما دفع بالأسعار إلى ارتفاعات مستمرة مع تزايد الطلب وتناقص المعروض من السلع وهذا بدوره يشجع على أن يكون مصدراً للتضخم يسهم في تخلفها الاقتصادي.

2 – ضآلة مرونة العرض للمنتجات في الأمد القصير خاصة من السلع الاستهلاكية مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها. وبالتالي فإن الزيادة في الإنفاق النقدي يساعد على إيجاد اتجاهات تضخمية.

3 – الطبيعة الهيكلية للتخصص في إنتاج المواد الأولية والخامات بحكم سياسات الدول الصناعية الرأسمالية وسيطرتها على 75% من التجارة الدولية بما يسهم في زيادة صادرات البلدان المتخلفة من هذه المواد التي طالما تتعرض أسعارها للانخفاض مما يؤدي إلى عدم الاستقرار النقدي فيها وحتى مع ارتفاع هذه الأسعار (كما حصل في ارتفاع أسعار النفط في مرحلة السبعينات من القرن العشرين) فإن ذلك يكون مصحوباً بموجات تضخمية يصعب إيقافها حتى مع تعرضها للانخفاض مرة أخرى بسبب عدم قدرة هذه الاقتصاديات على زيادة طاقاتها الإنتاجية من هذه المواد في الأجل القصير من جهة، ومطالبة نقابات العمال بزيادة الأجور وما يترتب عنها خلق زيادة في الطلب على المنتجات المحلية وبما يدفع إلى زيادة أسعارها بسبب قلة الإنتاج.

4 – ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك الذي يؤدي إلى قلة المدخرات الوطنية بسبب انخفاض الدخول لدى الأفراد أو سوء التصرف بهذه الدخول لدى بعض الطبقات من خلال اللجوء إلى الاستهلاك التفاخري مما ينعكس على مستويات أسعار السلع والخدمات التي لا يناسب عرضها الإنفاق النقدي على طلبها.

5 – جمود الجهاز المالي والمصرفي وتخلفه في هذه البلدان خاصة المتعلق منها بالنظم الضريبية التي لا يمكن أن تحقق حصيلة مناسبة مع ظروف تنميتها مما يدفع بحكوماتها إلى الاقتراض من البنك المركزي لديها المعالجة أزماتها المالية وهذا يؤدي إلى إحداث موجات تضخمية خاصة إذا لم تكن عملية الاقتراض تسهم في زيادة عرض السلع الاستهلاكية بل تتجه نحو إنتاج السلع الاستثمارية.

طبيعة التراكم الرأسمالي الذي تلجأ إليه هذه البلدان في مراحل تنميتها الأولى بحكم حاجتها الماسة إلى إقامة الهياكل الارتكازية والبنى الأساسية وهي مشاريع غير ذات إنتاج مباشر. الأمر الذي يكون ضغطاً تضخمياً. ولأن الاختلال يكون منصباً على التوازن بين قوى العرض والطلب مما ينعكس على ارتفاع الأسعار وتزداد حدة هذه الضغوط مع إطالة هذه المرحلة. [1]

ظل الجدال بين الاقتصاديين بشأن تمويل التنمية ينحصر بمصدرين رئيسين هما: المدخرات الوطنية، ورؤوس الأموال الأجنبية، وما أن ظهرت معوقات التنمية الاقتصادية في البلدان النامية وخاصة موضوع التمويل، أخذت نظرية التضخم شكلاً جديداً في التحليل الاقتصادي، فيرى بعض الاقتصاديين أن التضخم يمكن أن يعد وسيلة مهمة من وسائل التراكم الرأسمالي في البلدان النامية تعتمد عليه في تمويل التنمية الاقتصادية، وهكذا أخذ الاقتصاديون ينظرون إلى التضخم نظرة تفاؤلية ويدعون الحكومات إلى إيجاده لتمويل التنمية الاقتصادية. مع التنبيه إلى الجوانب السلبية التي ترافق كل منهما. [2]

إن تمويل التنمية الاقتصادية عن طريق السياسة التضخمية، أو ما يطلق عليها في بعض الأحيان سياسة النقود الرخيصة أو سياسة عجز الميزانية، وإن تعددت الآراء الاقتصادية بشأنها بين المؤيد والمعارض لأن لكل منهما مبرراته وحججه المدعمة إلا أنها أصبحت ظاهرة تصاحب كل الاقتصاديات المتقدمة والمتخلفة ولكل منهما طبيعته وأشكاله، الفائدة والمضار.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

 

[1]  – يمكن العودة إلى كتاب: Bronislaw Ogrzanowski, Problem of Inflation Under Socialism, Macmillan & Co. London 1962 P332.

[2] – سيف الدين محمد الحديثي، نماذج من التضخم في النظم الاقتصادية المقارنة، مجلة أم المعارك، السنة الثالثة العدد العاشر ربيع 1997 ص 145.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

14 − 14 =

آخر الأخبار