التنمية الزراعية والموارد المائية في الدول العربية

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

التنمية الزراعية والموارد المائية في الدول العربية

ندرة المياه – أحد أكبر التحديات في عصرنا | الغذاء المستدام والزراعة | منظمة  الأغذية والزراعة للأمم المتحدة

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الوطن العربي إقليم اقتصادي واحد لا يمكن تطوير أي دولة فيه بدون خطة عربية متكاملة قومية شاملة وفي الوقت الذي تعاني فيه بعض الدول العربية من عجز غذائي كبير، يتصاعد سنة بعد أخرى، والذي ينشأ معظمه من عجز في الإنتاج الزراعي بصفة عامة فإن هذه الدول في مجملها لا تفتقر على الإطلاق إلى الموارد الطبيعية الكافية لإحداث دفعات قوية في الإنتاج، وهذا يشمل طبعاً كافة الموارد الطبيعية من حيث الأراضي الصالحة للزراعة، أو الموارد المائية المتاحة، أو الثروة الحيوانية أو مساحة الجرف القاري للوطن العربي. كما تمتلك الدول العربية ثروات بشرية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، لا بل قادرة على تحقيق فائض في المنتجات الغذائية، كما تتوفر موارد مالية عربية كبيرة تمكنها من تنفيذ البرامج الإنمائية الطموحة في مجال الإنتاج الزراعي.

1 – التنمية الزراعية والعمل العربي المشترك:

المؤكد لن تتحقق التنمية الزراعية العربية الشاملة في ظل السياسات الزراعية الانعزالية التي تتبعها حالياً معظم الدول العربية، بل يتطلب عملاً مشتركاً ينفذ على مستوى الوطن العربي. ويعد العمل العربي المشترك في مجال التنمية الزراعية سواء بالنسبة لزيادة الإنتاج أو توفير مستلزماته، ضرورة حتمية لا بد منها لضمان زيادة وتوفير المنتجات الزراعية وتبادلها، وتحقيق مخزون استراتيجي عربي، وهذا لن يتم إلا بوضع سياسة عربية واضحة للتنمية الزراعية متناسقة ومترابطة مع السياسات الزراعية لكل دولة منفردة. [1]

العلاقة بين التكامل الزراعي وبين التكامل الاقتصادي العربي واضحة، فالجهود العربية المشتركة التي تتم في إطار جامعة الدول العربية قد أفرزت في المجال التنظيمي العديد من الاتفاقيات. أما في مجال المنظمات والمشروعات الزراعية العربية المشتركة فقد أفرزت هذه الجهود ثلاثاً من المؤسسات تهتم بالتنمية الزراعية هي:

  • المنظمة العربية للتنمية الزراعية (1972).
  • الشركة العربية للتنمية الثروة الحيوانية (1977).
  • الهيئة العربية للإنماء والاستثمار الزراعي (1978).

2 – التنسيق والتكامل الزراعي العربي:

نال موضوع التنسيق والتكامل الزراعي العربي اهتماماً بارزاً للأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع الذي يتوقف عليه تحقيق الأمن الغذائي العربي، بالإضافة إلى كونه النشاط الأكثر توظيفا لليد العاملة في غالبية البلاد العربية، وتركز الاهتمام في سبيل تنسيق وتكامل الجهود الزراعية العربية في مجالات متعددة كانت تراعي الظروف المتغيرة وتركز على الاحتياجات الأساسية والمستجدة أو الطارئة، كما تستبق التوقعات للتحذير من المخاطر والعمل على درئها. وتتبع أوضاع الاستثمار الزراعي العربي، والجهود الدراسية والبحثية وتحقيق اللقاءات والندوات والمؤتمرات الفنية، وتم التركيز كذلك على تحقيق التواصل بين الشركات الزراعية العربية والتكنولوجيات الزراعية الحديثة. وما يختص بتحديث القطاع والقضايا التي تستحق المعالجة والاهتمام والمتعلقة بخصائص وطبيعة الزراعة في البلاد العربية.

3 – تنمية الموارد المائية وتحسين ظروف التحكم المائي في الدول العربية:

تعتمد زيادة الإنتاج الزراعي المتوقعة في الدول العربية على زيادة موارد المياه الشحيحة ـ سواء من الأنهار والينابيع أو الأمطارـ واستخدامها بشكل فعال أكثر وتأمين مستلزمات الإنتاج الأخرى كالأسمدة إضافة إلى التكثيف المحصولي. لذا فإن زيادة كفاءة استخدام المياه في الأراضي الزراعية في الدول العربية تمثل نقطة التركيز الأساسية للبحوث والدراسات العلمية.

يؤدي تحسين ظروف التحكم المائي إلى رفع كفاءة استخدام الموارد المائية في الدول العربية، كما يؤدي إلى تحسين الإنتاج والإنتاجية في قطاع الزراعة. لكن هذا ليس كافياً لتحقيق تنمية زراعية، أو تحديث المشاريع الزراعية القديمة، حيث أن كليهما يتطلب تدفقات استثمارية جديدة لتأمين المستلزمات من آلات ومعدات وإقامة المنشآت وخدمات الري. وما لم يتوفر المناخ الاستثماري المناسب لتشجيع الاستثمار في مشاريع الري، فأن التنمية الزراعية وتنمية الموارد المائية سيظلان أمراً بعيد المنال. [2]

4 – مواجهة تحديات الندرة المائية في الدول العربية:

تتطلب عملية مواجهة التحديات التي تفرضها الندرة المائية في الدول العربية، نظرة شمولية ومتكاملة ترتكز على الأمور الأساسية التالية: [3]

  1. إصلاح السياسات المائية والمتعلقة بالري لكي تلبي احتياجات الأمن المائي والتنمية الزراعية المستدامة بما ينسجم مع متطلبات التنمية الشاملة.
  2. تنمية بيئة اقتصادية قادرة على إدارة وتنمية الموارد المائية من خلال المؤسسات المناسبة والمؤهلة لإدارة المياه إدارة متكاملة بما يتيح اللامركزية الإدارية وإشراك الجهات المعنية بوضع وتنفيذ السياسات المائية.
  3. وضع الضوابط المناسبة لتقنين استخدام الموارد المائية من خلال وضع تعريفات رشيدة تهدف إلى استعادة التكاليف وتوظيفها في صيانة المياه وتمويل مشاريع جديدة.
  4. توظيف الموارد المالية اللازمة لمشاريع المياه ولاستغلال وخلق مصادر جديدة للمياه.
  5. ضرورة التنسيق والتعاون بين الهيئات الرسمية والخاصة ومراكز ومؤسسات الأبحاث والجامعات من اجل توزيع أعباء التكاليف وتنوع مصادرها خصوصا في مجال تنفيذ المسوحات والبحوث والدراسات.
  6. تأسيس مركز علمي عربي للأبحاث الخاصة بتنمية الموارد المائية من اجل خلق فرص جديدة لتطوير مصادر المياه وتخفيض كلفتها.
  7. والعمل على دراسة الظواهر المناخية بغية تحقيق اكتشافات جديدة توظف في توفير المناخ المناسب للمنطقة العربية لاسيما لتحويل المناطق الصحراوية إلى مناطق زراعية.
  8. إجراء الاختبارات المتخصصة في مجال تحسين تقنيات تنقية مياه الصرف لإعادة استخدامها.
  9. إدخال نظم الري الحديثة وتحسين إدارة مشاريع الري والتركيز على زيادة الإنتاج في وحدة المياه المستخدمة باعتماد البذور المحسنة والمقاومة وترشيد التسميد ومكافحة الآفات.
  10. تشجيع القطاع الخاص على الانخراط في مشاريع المياه وتحفيز التخصيصية ووضع القوانين والتشريعات الواضحة والمساعدة على ذلك والخاصة بحقوق المياه وبتوزيع المسؤوليات وتوفير البنى التحتية لتوفير البيئة الاستثمارية المناسبة.
  11. توجيه الاستثمارات الحكومية والخاصة إلى قطاع تنمية المياه مع التركيز في مجال تلبية الاحتياجات على إصلاح المنشآت القائمة قبل الشرع في بناء منشآت جديدة.
  12. تخفيض تكاليف مشاريع الري بالاعتماد على الخبرات الهندسية المحلية والشركات الوطنية المؤهلة في تصميم وتنفيذ المشاريع وبتشجيع الابتكارات والتصنيع المحلي لمعدات وآلات الري المقننة لاستخدام المياه وبالتعاون مع الشركات العربية المختصة.
  13. إحداث شبكة عربية للمعلوماتية الاستشعارية لتتبع ورصد وتقويم أوضاع الموارد المائية.
  14. التنسيق بين المؤسسات العربية المعنية بالمياه وتعميق التعاون العربي المشترك في القطاع المائي في كافة المجالات وفي طليعتها المحافظة على الحقوق العربية في الأنهار الدولية. [4]

5 – آفاق التنمية الزراعية في الوطن العربي:

آفاق التنمية الزراعية في الدول العربية واسعة ومتوفرة كما هي متاحة. ففي مجال الموارد المائية تؤكد الدراسات إمكانية مضاعفة كمية الموارد المائية السطحية والجوفية، وذلك عن طريق التحكم في فواقد الأنهار وتنفيذ مشاريع تخزين بمستوى معين ومستمر. وهذا يؤدي بدوره إلى مضاعفة مساحة الأراضي المروية في الوطن العربي خلال فترة زمنية محددة. ومن الممكن زيادة الإنتاج الزراعي عن طريق رفع معدلات التكثيف الزراعي في مناطق الري. تعد عملية رفع كفاءة الري من أكبر المهام وأوفرها وأسرعها عائداً، ويمكن لذلك أن يتحقق عن طريق أساليب الري الحديثة وتحسين توزيع المياه ونقلها وإحكام تصرفات قنوات الري والمحافظة عليها. [5]

وتشير دراسات الموارد الطبيعية التي أجرتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في الوطن العربي قد تصل إلى نحو 198 مليون هكتار، في حين تصل مساحة الرقعة الزراعية المستقلة منها حالياً إلى نحو 51 مليون هكتار وهذا يعادل حوالي 25% من المساحة المتاحة. وهذا يبين لنا إمكانية التوسع المرتقب في التنمية الزراعية واستغلال الأراضي الزراعية. [6]

6 – التوصيات:

بعد هذا العرض يمكننا تقديم العديد من التوصيات في موضوع العمل العربي المشترك والتنمية الزراعية وتنمية الموارد المائية أهمها:

  • العمل على إنجاز الدراسات الخاصة بحصر الموارد المائية السطحية منها والجوفية أو أية مصادر أخرى كما ونوعا.
  • وضع سياسة مائية رشيدة توازن بين الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي والاحتياجات المختلفة.
  • دعم البحث العلمي في مجال استثمار وتطوير الموارد المائية في كافة البلدان العربية.
  • توحيد الجهات المسؤولة عن الموارد المائية في بلد عربي وتنسيق السياسات المائية وبخاصة سياسات الري.
  • ضرورة إقامة المؤسسة العربية للري واستصلاح الأراضي على مستوى الوطن العربي والتي سبق وأن نوقشت ضمن أعمال مجلس الوحدة الاقتصادية العربية والمنظمة العربية للتنمية الزراعية.
  • إجراء أبحاث متكاملة لطرق الري المختلفة المستخدمة في البلدان العربية، بهدف اختيار أنسبها وبما يتلاءم مع الظروف السائدة في كل دولة.
  • إجراء دراسات وبحوث حول إمكانية الاستفادة من مياه المجاري والصرف والمياه المالحة لأغراض الري.
  • إحداث صندوق عربي لتحويل مشاريع الري واستصلاح الأراضي على مستوى الوطن العربي
  • إحداث شركة عربية لدراسة وتنفيذ مشاريع الري الكبرى في الدول العربية.
  • إحداث مركز بحوث في الموارد المائية على مستوى الوطن العربي أو بين دولتين عربيتين وأكثر من الدول التي تتشابه فيها الظروف المناخية والبيئية.

ولابد من اعتماد استراتيجية عربية للزراعة والتنمية المستمرة(المستدامة)، والاهتمام بتحسين البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية وبخاصة المائية منها والتوازن الطبيعي فيها، وانتهاج نظم زراعية ومائية تتيح تحقيق أهداف التنمية الزراعية دون إلحاق أضرار يصعب تداركها.

تعد عملية التكامل الاقتصادي العربي، من وجهة نظر التنمية الشاملة العربية، عملية حضارية (سياسية واقتصادية واجتماعية)، مستمرة، تهدف للقضاء على عوامل اختلال الهيكلية الإنتاجية وتقليص وإنهاء التبعية التي تعاني منها كافة الدول العربية، بدرجات متفاوتة، وكذلك إلغاء الاستغلال وسوء التوزيع السائد في الوطن العربي.

[1]  – انظر، مجلة الاقتصاد، دمشق، العدد 298، تشرين الثاني 1988 ص 110.

[2]  – أنظر، الحلقة الدراسية للزراعة المروية في الوطن العربي، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، الخرطوم 1982، ص 4.

[3]  – مي دمشقية، المياه في البلاد العربية بين حواجز الندرة وتحديات التنمية الزراعية، ورقة مقدمة إلى الندوة العلمية لاتحاد غرف الزراعة السورية، حول المياه في الوطن العربي، دمشق 1998، ص 18.

[4]  – مي دمشقية، المصدر السابق، ص 19.

[5]  – أنظر، د. حسن فهمي جمعه، الحلقة الدراسية للزراعة المروية في الطن العربي، ص2.

[6]  – المصدر السابق.

 

التنمية الزراعية والموارد المائية في الوطن العربي

Contents

1 – التنمية الزراعية والعمل العربي المشترك: 2

2 – التنسيق والتكامل الزراعي العربي: 3

3 – تنمية الموارد المائية وتحسين ظروف التحكم المائي في الدول العربية: 3

4 – مواجهة تحديات الندرة المائية في الدول العربية: 4

5 – آفاق التنمية الزراعية في الوطن العربي: 5

6 – التوصيات: 6

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × ثلاثة =

آخر الأخبار