أزمة النظام المالي الدولي الراهن في ظل العولمة

هناك سمات جديدة لطبيعة الأزمة المالية التي يشهدها العالم منذ صيف عام 1997، قد تكون المظاهر والأعراض واحدة، ولكن المسببات والمخاطر مختلفة. إذ إن الأزمة الراهنة هي من أهم نتاج عمليات العولمه المالية والتحرير المبكر للأسواق المالية في البلدان النامية، وتحرك الأموال الساخنة أو الجوالة على نطاق وحجم كبير جداً لم يشهد تاريخ النظام المالي الدولي مثيلا له.

قبل كل شيء لابد من الاعتراف بأن النظام المالي الدولي الراهن، وفي ظل العولمة المتزايدة لأسواق المال والعملات، يفتقد للقواعد الناظمة التي تحكم سلوك المضاربين الماليين وشركات السمسرة الدولية، بما يحقق مزيداً من الشفافية وضبط حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل وسريعة التداول، ويحقق حماية لمسيرة التنمية والتقدم في مختلف بلدان العالم.[1]

هناك ضرورة لمزيد من الضوابط والضمانات لحركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل سريعة التحرك، بما في ذلك حجم اقتراض القطاع الخاص قصير الأجل بالعمليات الصعبة . إذ انه مع اتساع دائرة العولمه والتحرير والخصخصة في الدول النامية، يصعب التحكم في قرارات توسع شركات القطاع الخاص في اللجوء إلى القروض قصيرة الأجل من الخارج بالنقد الإجمالي، للاستفادة من فروق سعر الفائدة بين السوق المحلي والسوق الدولي . وبخاصة إذا كان هذا القرار لا يخضع لرقابة البنك المركزي، أو أية جهة رقابية أخرى. [2]

كما أن هناك قصور واضح وعميق في أسلوب أداء أسواق المال والعملات على الصعيد العالمي، وبخاصة في ظل اتساع نطاق حركة النقود الإلكترونية، وتزايد حجم الأموال الساخنة أو الجوالة، وتكوين مراكز في أسواق المال بواسطة المضاربين وشركات السمسرة الدولية الذين يراهنون على نقاط الضعف في اقتصادات وأسواق المال الناشئة وبخاصة في الدول النامية.

إن عدم ضبط تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل يؤدي إلى تزايد حدة الصدمات المالية الخارجية والذعر المالي، الذي يؤثرعلى مستوى أداء الأسرع المختلفة، ويعصف ببعض مكونات الاقتصاد الوطني في الدول النامية . لذلك لابد من البحث عن حلول جادة لهذه المشكلة التي تمثل أحد مخاطر العولمة والتحرير والتدويل المالي المبكر.

يمكننا تشبيه حالة البلدان النامية التي تقوم بتحرير وتدويل أسواقها المالية وبورصاتها ” بالقارب” المبحر في عرض البحار عالية الموج، وهذا القارب مهما كان تصميمه سليماً هندسياً ويتمتع بطاقم قياده على درجة عالية من المهارة والكفاءة والأمانة، فهو معرض لخطر الفرق نتيجة ارتفاع الأمواج العالية والعاتية في بحار المال العالمية. واستخدام تعبير القارب هنا وليس السفينة إنما هو إشارة واضحة إلى الحجم الصغير لاقتصادات البلدان النامية البازغة، وأسواقها المالية بالمقارنة مع مجمل المعاملات المالية الدولية. [3]

وقد شهدت السنوات العشرين الأخيرة من القرن العشرين اتساع دائرة التعامل مع الأصول المالية وبخاصة الأسهم والسندات ومشتقاتها من عقود آجلة وعقود خيارات على نحو واسع جداً لم تشهد له مثيل من قبل .

وفي ظل هذه ” السكرة المالية ” اندفعت أعداد وفئات عديدة من المدخرين ومن المضاربين المحترفين إلى دخول لعبة ” الحظ والمصادفة ” في أسواق المال العالمية، وعندما انهارت الأسواق المالية في أسيا خلال صيف 1997، جاءت التحليلات من البلدان الرأسمالية المتقدمة لتلقي بالمسئولية على قلة الخبرة للمؤسسات المالية في تلك البلدان. وضعف القطاع المالي، وانعدام رقابة البنوك المركزية والفساد، وغير ذلك من المسببات. وصدق البعض هذه التحيلات لفترة، وكأن الأزمة ليست “أزمة النظام المالي الجديد” في مجمله الذي يعجز عن التأمين ضد مخاطر السوق المالية المتزايدة، وعدم كفاية رأس المال للشركات المالية وصناديق المخاطرة لتغطية مخاطر السوق غير المتوقعة.

بعد أن كانت ( ثقافة الهوس المالي ) ( والربح السريع ) من خلال معاملات البورصات والأسواق المالية في الماضي مرتبطة حصراً بالمتعاملين من أبناء الطبقات العليا، ظهر اليوم دخول العديد من عناصر الطبقات الوسطى والدنيا عالم المضاربات والبورصات، وهي تعتمد بشكل متزايد على الدخل الريعي (التريع) المنفصل عن الإنتاج والجهد. وقد يكون هذا الأمر مقبولاً في الدول الرأسمالية المتقدمة التي تجاوزت مرحلة بناء القواعد الإنتاجية وتطورت فيها قوى الأموال بشكل كبير جداً. أما في البلدان النامية، والتي ما تزال فيه القاعدة الإنتاجية والقوى المنتجة غير متطورة، فإن عملية (التريع) ستؤدي إلى إعاقة التنمية فيها.

لم تعد أزمة الأسواق المالية ” ذات طابع آسيوي ” كما اعتقد البعض عام 1997م إنما هي ” أزمة عامة ” للنظام المالي المعولم . ولن يستطيع “صندوق النقد الدولي” القيام بعمليات إنقاذ مالي لكل اقتصاد يدخل دائرة أزمة ” الذوبان المالي” نظراً لان موارده المالية محدودة، ولن تسمح بالمزيد من برامج الإنقاذ الكبيرة، ناهيك عن الاعتبارات السياسية والأولويات الاستراتيجية في هذا المجال وإذا استمرت تلك الأعاصير المالية، فإن عمليات العولمة المالية سوف تجر من “المفارم أكثر مما تجلبه من الغنائم” لاقتصاديات البلدان النامية وأسواقها المالية الناشئة.

إذ تشير البيانات المتوافرة عن حركة الأموال التي يجري تحركها في الأسواق العالمية إلى أن حجم التعامل اليومي كان نحو 80 بليون دولار في أوائل الثمانينات ثم ارتفع إلى نحو 880 بليون دولار أمريكي عام 1992 ثم قفز إلى 1260 بليون دولار أمريكي عام 1995 م أي نحو 1.25 تريليون دولار يومياً ولاشك أن الرقم ألان يقرب من 2 تريليون دولار أمريكي عند نهاية التسعينات). [4]

وفي الدراسة التي قدمها الأستاذ ” جيفرى ساكس Jeffery Sachs الاقتصادي الرئيسي للمنتدى ومدير معهد هارفارد للعلاقات الدولية ـ أشار إلى المسئولية التي يتحملها صندوق النقد الدولي في تعميق الذعر المالي على الصعيد العالمي، مما ساعد على تعميق الأزمة المالية في كل من آسيا وروسيا والبرازيل، الأمر الذي يستدعي إعادة تصميم برامج الإنقاذ المالي والملاحظ أن الكل الآن يحاول أن يلقى بمسئولية الأزمة على الآخرين فتارة على صندوق النقد الدولي وتارة على صناديق الاستثمار والتحوط وتارة على الحكومات وصانعي السياسات في بلدان الأزمة وتارة على الفساد المستشري وحقيقة الأمر أن كل هذه الأطراف قد شاركت في صناعة الأزمة وتتحمل جزءا مهما من مسئولياتها ولذا فإن الحلول الجذرية تحتاج إلى تصحيح لكل مسارات وسلوكيات هؤلاء اللاعبين الأساسيين على المسرح الاقتصادي العالمي.

الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

جامعة دمشق – كلية الاقتصاد

[1]  –  أنظر، الدكتور محمود عبد الفضيل، مصر ورياح العولمه، دار الهلال القاهرة 2000، ص 116.

[2]  – ( لاري سامرز) وكيل الخزانة الأمريكية، الدكتور محمود عبد الفضيل، المصدر السابق.

[3]  – تشبيه لكبير اقتصادي البنك الدولي جوزيف ستيجلتز، الدكتور محمود عبد الفضيل، مصر ورياح العولمه، دار الهلال القاهرة 2000، ص 20.

[4]  – أنظر، الدكتور محمود عبد الفضيل، مصر ورياح العولمه، دار الهلال القاهرة 2000، ص 141.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.