الأزمة المالية العالمية والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية

الأزمة المالية العالمية

والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية

الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

لتحميل الكتاب أضغط على الرابط أدناه

تقديم

بقلم العميد الدكتور كميل حبيب [1]

شرّفني العميد الدكتور مصطفى العبد الله الكفري أن أقوم بتقديم مولوده الجديد هذا إلى القراء والعميد الكفري رجل أكاديمي بامتياز وحامل قضية تنظيم البيت العربي على الأقل اقتصاديا. وهو إلى ذلك، يدرس ويتفحّص ويتأمل في التحديات التي تواجه العالم العربي ويسلط الضوء على نقاط الضعف وعوامل القوة فيه ومن هذه التحديات القديمة – الجديدة الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها على اقتصادات الدول العربية و إذا كان لبعضهم أن يدعي أن تأثير الأزمة في بعض البلدان العربية لم يكن ذا أهمية بسبب حالة الانعزال التي تعيشها هذه البلدان، وعدم تداخلها في آليات التنظيم الاقتصادي الدولي، فهذا لا يعني إطلاقاً إن الأزمة التي هزّت النظام الرأسمالي برمّته لن تصل إلى خواتيمها قبل أن تنثر بذورها السلبية على أصقاع الأرض كلها .

وانطلاقا من هذه المسلمة يأتي هذا الكتاب ليوفر للباحث مادة علمية يستند إليها للتأمل في المسائل الاقتصادية الضاغطة على الأنظمة السياسية في العالم الثالث. وإذا ما علمنا أن 80% من ثروات العالم يملكها 20% فقط من السكان الذين يعيشون في الدول الصناعية الكبرى، فإنه ليس بإمكان الدول ذات الاقتصاديات الناشئة وضع رأسها في الرمال وفق قاعدة أن الأمر لا يعنينا .

إن مرحلة الاعتماد الاقتصادي المتبادل التي سبقت مرحلة العولمة قد دقت جرس الإنذار في الدول النامية خاصة فيما يعني التأثيرات المباشرة و السريعة للدول الصناعية في حركة الاقتصاد العالمي. أمّا في عصر العولمة فقد شهد العالم تحولات جذرية طالت الظواهر كلّها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتكنولوجية التي تمتد تفاعلاتها لتشمل معظم دول العالم و مناطقه . و بهذا المعنى فإن العولمة تعبر عن مرحلة تاريخية فيس تطور العالم جوهرها تحقيق المزيد من الترابط  و التداخل و التأثير المتبادل بين الدول و المناطق المختلفة .

هل يمكن للبلدان العربية مواجهة تحديات للعولمة ؟ استثمرت البلدان العربية بكثافة في تنمية اليد العاملة المحترفة و الجامعات و البحث و التطوير كوسائط لنقل الثقافة و اكتسابها. وهكذا فإن هناك الآن بنية فكرية كبيرة يمكن البناء عليها. و أكثر معالم هذه البنية الفكرية بروزاً كونها مجزأة ينقصها الترابط والمكانة الدولية. والأهم من ذلك إنها منعزلة عن الاقتصاد القومي العربي .

و يسود العالم العربي اليوم موقفان من العولمة :

  1. موقف الرفض المطلق وسلاحه الانغلاق الكلي وما يتبع ذلك من ردود فعل سلبية .
  2. موقف القبول التام لعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافي واستتباع حضاري، شعاره ” الانفتاح على العصر والمراهنة على الحداثة ” .

و لا مفرَّ من تصنيف هذين الموقفين ضمن المواقف اللاتاريخية التي تواجه المشكلات، لا يرى صاحبه مخرجاً من المشكلات إلا بالهروب منها، إمَّا إلى الوراء وإما إلى الأمام. فالانغلاق موقف سلبي غير فاعل، ذلك فعله الموجه ضد الاختراق الثقافي والاقتصادي … أي محاربته … لا ينال الاختراق ولا يمسه ولا يفعل أي فعل، بل فعله موجه كله إلى الذات قصد تحصينها. والتحصين إنما يكون مفيداً عندما يكون المتحاربان على نسبة معقولة من تكافؤ القوى والقدرات أمَّا عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية تدخل البيوت جميعها وتفعل فعلها بالإغراء والعدوى والحاجة، ويفرضها أصحابها فرضاً تخطيطاً واستراتيجياً، فإن الانغلاق على هذه الحالة ينقلب إلى موت بطيء قد تدخله بطولات مدهشة و لكن صاحبه محكوم علية بالإخفاق.

وتماما كالانغلاق هناك بالمقابل الاغتراب. إن ثقافة الإغتراب، أي إيديولوجية الارتماء في أحضان العولمة والاندماج فيها، ثقافة تنطلق من الفراغ، أي من اللاهوية، ومن ثمَّ فهي لا تستطيع أن تبني هوية و لا كياناً. ويقول أصحاب هذا الموقف إنه لا فائدة في المقاومة ولا في الالتجاء إلى التراث، بل يجب الانخراط في العولمة من دون تردد و من دون حدود، لأنها ظاهرة حضارية عالمية لا يمكن الوقوف ضدها ولا تحقيق التقدم خارجها. إن الأمر يتعلق بـ “قطار ” يجب أن تركبه، وهو ماضٍ في طريقه بنا أو من  دوننا .

إن الجواب العربي عن سؤاله مواجهه العولمة يجب أن ينطلق من العمل داخل الثقافة العربية نفسها. فمن المؤكد انه لولا الضعف الداخلي لما استطاع الفعل الخارجي أن يمارس تأثيره بالصورة التي تجعل منه خطرا على الكيان والهوية. إن حاجتنا إلى الدفاع عن هويتنا الثقافية لا تقل عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لا بدَّ منها للدخول في عصر العلم والثقافة، وفي مقدمتها العقلانية و الديمقراطية. و يقول محمد عابد الجابري في هذا الصدد:” إن نجاح أي بلد من البلدان، النامية منها أو التي هي في طريق النمو، نجاحها في الحفاظ على الهوية والدفاع عن الخصوصية، مشروط أكثر من أي وقت مضى بمدى عمق عملية التحديث الجارية في هذا البلد، عملية الانخراط الواعي والنامي والمتجذّر، في عصر العلم والثقافة . ” و الوسيلة في كل ذلك “، يضيف الجابري، ” واحدة: اعتماد الإمكانيات اللامحدودة التي توفرها العولمة نفسها، أعني الجوانب الإيجابية منها، وفي مقدمتها العلم والثقافة. [2] إن الحكومات العربية مدعوة إلى بناء الشراكة داخل العالم العربي قبل إقامتها مع أوروبا كل دولة على حدة.

من هنا تنبع أهمية هذا الكتاب الذي يعالج إحدى تجليات العولمة السلبية ( الأزمة الاقتصادية ) و تأثيرها في البلدان العربية. وهو إلى ذلك يدحض مقولة فوكوياما حول الانتصار النهائي لليبرالية، ليطرح السؤال التالي: هل بدأت نهاية الليبرالية الجديدة ؟ الأهم من كل ذلك إن العميد الكفري يقر أن نهاية الأزمة المالية التي هزّت الولايات المتحدة والعالم لم تنهِ عصر التحديات الاقتصادية في الدول العربية. وعليه، فإن المؤلف في بحثه الدؤوب عن الحلول يفند تسع تحديات تواجه العالم العربي، ومن الواجب معالجتها بشكل علمي ومدروس.

مما لا شك فيه، أنَّ هذا الكتاب يشكّل مصدر غنى للمكتبة العربية المحتاجة إلى دراسات علمية جريئة، عوّدنا عليها العميد الكفري في مؤلفاته السابقة. وكل تلك المساهمات الاقتصادية يجمعها هاجس واحد: كيفية زيادة حالة المنعة الاقتصادية عند البلدان العربية. وإنّني وإذ أشاركه هذا الهاجس، فإنني أكرر اعتزازي بصداقته، لا بل وأخوّته . وإنّني أكبر فيه اندفاعه دونما تساؤل لتفعيل علاقات التعاون العلمي بين كلية الاقتصاد في جامعه دمشق وكلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية . واسمح لي حضرة العميد أن اكرر مرة أخرى إن ما يفرقّنا هو “واو” كافرة ، و أمّا ما يجمعنا فهو إرادة إلهية … وما يجمعه الله لا يفرقه إنسان .

أنوجه إليكم بالتهنئة القلبية الخالصة على إنجازكم هذا الكتاب، وما يتضمنه من ثروة علمية يحتاج إليها طلاب العلوم الاقتصادية، وتزهو به مكتبتنا العربية .

                                     العميد الدكتور كميل حبيب

                                      18 كانون الثاني 2011


[1]  – الدكتور كميل حبيب، عميد كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال ، الجامعة اللبنانية.

[2] – العرب والعولمة، ص. 267.

التعليقات مغلقة.