كتاب المدخل إلى علم الاقتصاد

الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

لتحميل الكتاب أضغط على الرابط أدناه

المقدمة

يواصل الاقتصاد – كعلم وموضوع – احتلال صدارة الأولويات التي تشغل بال العالم. فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحسناً كبيراً في مستوى المعيشة في معظم أرجاء العالم وبخاصة في الدول الأكثر ثراءً، كدول أمريكا الشمالية وغرب أوروبا وشرق آسيا، وانتشرت الأسواق المفتوحة، واتسعت الديمقراطية والحريات الشخصية لتشمل العديد من أنحاء العالم. أما في النصف الأول من القرن المنصرم فقد اندلعت نيران حربين عالميتين، وحدث كساد عظيم في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين.
يعد علم الاقتصاد في جوهره علماً تجريبياً، يتمثل هدفه الأول في شرح (وتفسير) النشاط الاقتصادي والظواهر الاقتصادية من حولنا، ثم مساعدتنا على وضع سياسات اقتصادية مرتكزة على مبادئ اقتصادية قويمة تؤدي إلى تحسين مستوى معيشة الأفراد.
طرأ خلال العقود الثلاثة الماضية تغيرات مثيرة في علم الاقتصاد ومجال النشاط الاقتصادي وبخاصة في كل من الرؤى والمؤسسات الاقتصادية، فلقد تراجعت التوجهات الاشتراكية والشمولية في العديد من دول العالم التي تحولت من نظام الاقتصاد المخطط إلى نظام اقتصاد السوق. كما شهد العديد من دول العالم نمواً اقتصادياً كبيراً كالصين وأيرلندا وأسبانيا وبتسوانا والفلبين. فلم تتمتع أي حقبة تاريخية معروفة قط بمثل تلك الفترة الممتدة من النمو الاقتصادي في بعض الدول، كما قد حدث في النصف الأخير من القرن العشرين.
قد يبدو أن الازدهار أو الرخاء الاقتصادي سيؤدي إلى تضاؤل الاهتمام بالشأن الاقتصادي، لكن التجربة والحقائق أظهرت أن العكس هو الصحيح. وبدا تفهم الحقائق الثابتة لعلم الاقتصاد أمراً أكثر أهمية من ذي قبل فيما يتعلق بشؤون الأفراد والدول. و شهدت بعض الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية نمواً بطيئاً في مستويات المعيشة، إضافة إلى معاناتها من عجز ضخم في ميزانيتها الحكومية، ومع حلول النصف الثاني من القرن العشرين تحول ذلك العجز إلى فائض، وارتفعت معدلات نمو الإنتاجية وازدادت الأجور الحقيقية.
كذلك تزايدت الروابط العالمية نتيجة تطور أجهزة الكمبيوتر والاتصالات في سوق عالمية تنافسية غير مسبوقة. وبدأ الاهتمام المتزايد بشأن المشكلات البيئية الدولية والحاجة إلى إبرام اتفاقيات تهدف إلى الحفاظ على ثرواتنا الطبيعية الثمينة. وتعد تلك التغيرات المذهلة كافة جزءاً لا يتجزأ من قضايا علم الاقتصاد.
توضيح الحقائق الجوهرية لعلم الاقتصاد:
ينتمي علم الاقتصاد إلى مجموعة العلوم الاجتماعية. ويحلل ويناقش جانب من النشاط الإنساني في أي مجتمع من المجتمعات هو الجانب الاقتصادي، أي علميات إنتاج وتبادل وتوزيع واستهلاك الخيرات والموارد في المجتمع، كما يناقش عدداً كبيراً من المتغيرات الاقتصادية كالاستهلاك والاستثمار والنقود والأسعار، وموضوع النظرية الاقتصادية، والأنظمة الاقتصادية المقارنة والأعمال المختلفة للمنظمة الاقتصادية. ويعالج أيضا مسألة النمو الاقتصادي ومختلف الظواهر الاقتصادية وبخاصة المصارف، وقوانين العمل ومسائل العمال، والأسواق والتجارة بنوعيها الداخلية والخارجية.

يبدو علم الاقتصاد وكأنه سلسلة متعاقبة لا تنتهي من التساؤلات المحيرة والمشكلات والمآزق والمواقف الغامضة المرهقة للأعصاب، والمرتبطة بالنشاط الاقتصادي الذي يقوم به الإنسان. ولا بد من التأكيد على أن ثمة مفاهيم أساسية تشكل قواعد النشاط الاقتصادي وأسسه كافة. وبمجرد استيعاب تلك المفاهيم، ستتم الدراسة بشكل أسرع وأكثر تشويقاً، لذلك آثرنا التركيز على الجوهر الرئيس لعلم الاقتصاد، وعلى الحقائق التي ستظل محتفظة بأهميتها على مر العصور، حيث ستبقى مفاهيم الاقتصاد الجزئي كالندرة والكفاءة والمكاسب الناجمة عن فكرة التخصص ومبدأ الميزة النسبية، والنشاط الاقتصادي على صعيد الوحدة الاقتصادية، مفاهيم رئيسة ومحورية. كما ينبغي دراسة الاقتصاد مفاهيم الكلي وبخاصة ما يتعلق بالعرض والطلب الإجماليين، فضلاً عن ضرورة تفهمهم لأهمية الدور الذي يلعبه النقد الوطني والنقد العالمي. ولا بد من دراسة نظرية النمو الاقتصادي والنظريات المثيرة للجدل بشأن الدورة الاقتصادية واستيعابها.
التجديد في الاقتصاد:
يتسم علم الاقتصاد باليقظة الفائقة والاستجابة السريعة للتطورات وعمليات التجديد المتلاحقة. وتبدو أهم السمات المذهلة للاقتصاد الحديث في السرعة الفائقة للابتكارات وعمليات الاختراع والتجديد التي تتسع لتشمل كافة القطاعات تقريباً. حيث تقوم شبكة الإنترنت بإحداث ثورة عظمى في مجالات الاتصال كما تغزو عالم التجارة. ولم يسجل التاريخ على مدار العقود الثلاثة الماضية مثل ذلك المعدل السريع من التطور، كما في الوقت الحاضر في ظل التقنيات الحديثة لأجهزة الكمبيوتر. ومن ثم يتعين أن يعكس تفهمنا للتوجهات الاقتصادية والسياسية ذلك التغير السريع الذي يشمل المجتمع بأسره.
ويوضح التاريخ أن الأفكار الاقتصادية يمكن أن تسفر عن موجات عارمة من الإصلاح إذا تم تطبيقها على المشكلات الواقعية في العالم. ومن أهم التحديات عملية تطبيق علم الاقتصاد على المشكلات البيئية، وذلك من خلال خطط “المحافظة على البيئة”، كما تتمثل أهم الابتكارات الاقتصادية في آليات التنظيم المطورة. ويتمثل أحد أهم الابتكارات الخاصة بمستقبل البشرية في تطور أسلوب التعامل مع السلع العامة العالمية كتغيرات الطقس والمناخ، والتوجهات الجديدة للتعامل مع المشكلات البيئية الدولية التي أقرها المؤتمر العالمي للبيئة وميثاق كيوتو Kyoto Protocol باليابان.
اتسعت آفاق علم الاقتصاد لتشمل البيئة والدراسات القانونية والأساليب الإحصائية، والتاريخية والفن والأدب والتفرقة العنصرية والتمييز العرقي بل وحتى الحياة العائلية. إلا أن علم الاقتصاد يمثل في جوهره علم الخيارات الحرة، الأمر الذي يشير إلى الحرية في اختيار القضايا الأكثر أهمية وتناولها بالدراسة، شأنها شأن الغذاء، كلما صغر حجم الدراسة بدأت أفضل وأكثر تركيزاً وأصبحت قابلة للاستيعاب والهضم بصورة أفضل.
لتوضيح النشاط الاقتصادي في المجتمع يمكن العودة إلى الرحلة اليومية التي يقطعها الفرد منذ الاستيقاظ في الصباح إلى أن يصل إلى مكان عمله. فلا بد للفرد من إعداد نفسه للخروج وهو يحتاج لذلك إلى العديد من السلع والمواد التي يستخدمها في الاغتسال وارتداء الملابس وتناول الطعام. كما يستعمل أدوات لتجهيز الطعام ويستعمل أدوات أخرى لتناوله. ومصدر هذه المواد إما زراعي أو صناعي تم تحويله. وفي الطريق إلى مكان عمله يستخدم الإنسان إحدى وسائط النقل. وعندما يصل إلى مكان عمله يجده قائماً ومجهزاً بما هو لازم لممارسة نشاطه اليومي. خلال هذه الرحلة القصيرة نسبياً نجد أن الفرد قد استعمل أو استهلك الكثير من السلع والأدوات لتأمين حاجته.
ابتداء من هذه الرحلة الصباحية اليومية يمكن أن تتتبع رحلات أفراد آخرين ومجموعات أخرى من الأفراد، قاموا بالعمل وبذلوا الجهد في إنتاج السلع والخدمات التي يحتاج إليها الإنسان في رحلته اليومية. والهدف من النشاط الاقتصادي هو إنتاج الخيرات لتلبية حاجة الإنسان من المأكل والملبس والمأوى. لأن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء والرداء والمسكن. ويوضح لنا هذا الأمر العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة كما يلي: ” لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلاً فلا يحصل عليه إلى بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري، وهب أنه يأكله حباً من غير علاج فهو أيضاً يحتاج في تحصيله حباً إلى أعمال أخرى أكثر من هذه الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير”.( ) لذلك نلاحظ أن قدرة الفرد الواحد على تأمين حاجاته من الغذاء والملبس والمأوى غير كافية، فلا بد من اجتماع الأفراد وتعاونهم فيحصلون بالتعاون على قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، لذلك تبدو هنا ضرورة التعاون بين البشر لتحقيق مصالح الأفراد والمجتمع وتقديم الخدمات بأيسر السبل وأفضل الشروط. ( )
ولا يتم النشاط الاقتصادي في المجتمع بمعزل عن النشاطات الاجتماعية الأخرى، بل هو مرتبط بالجوانب الحياتية الأخرى. فالفلاح الذي يمارس نشاطاً اقتصادياً (ينتج القمح)، هو الفرد ذاته الذي يمارس نشاطاً اجتماعياً داخل أسرته، أو من خلال علاقته بجيرانه والأسر والأخرى في المجتمع، وهو الفرد نفسه الذي ينتمي إلى حزب سياسي ويمارس نشاطاً سياسياً في المجتمع، وقد يكون هو الفرد نفسه الذي يمارس نشاطاً فنياً عندما ينتسب إلى إحدى الفرق كهاوٍ للتمثيل مثلاً. لذلك فالفرد في انتمائه إلى فئة أو طبقة اجتماعية، هو نفسه الذي يمارس عملياً النشاط الاقتصادي والنشاط الاجتماعي والنشاط السياسي في هذه الفئة أو الطبقة.
تنقسم الظواهر التي يواجهها الإنسان في حياته إلى مجموعتين :
الأولى – ظواهر طبيعية: لا تأثير للإنسان على هذه الظواهر الطبيعية لأنه لا يشارك بصنعها لا من قريب و لا من بعيد، كل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو دراسة الظواهر الطبيعية، تحليلها ، محاولة فهمها ، و تحسين تعامله معها و تجنب آثارها السلبية ، حتى و لو كان هناك بعض التأثير السلبي على الظواهر الطبيعية لكن الإنسان لا يستطيع إعادة صياغة أو تكوين الظاهرة الطبيعية .
فالماء ظاهرة طبيعية لا يكون إلا باتحاد ذرتين من الهيدروجين مع ذرة من الأكسجين (H2O) لا يمكن للإنسان أن يعيد صياغة أو تكوين الماء لكنه يستطيع تحويله من حالته السائلة إلى حالة غازية أو صلبة لكن التكوين يبقى ثابتا .
الثانية – ظواهر اجتماعية: تتمثل الظاهرة الاجتماعية بمجموع السلوك الاجتماعي للفرد والمجتمع التابع من منظومة المثل والقيم التي يعيشها الفرد والمجتمع . لهذا فان بحث الظاهرة الاجتماعية مرهون بفهم أسس هذا السلوك الاجتماعي المكون لهذه الظاهرة. لذلك يختلف السلوك الاجتماعي و منه السلوك الاقتصادي من منظومة اجتماعية إلى أخرى تبعا لاختلاف المخزون الثقافي والحضاري لكل منهما .

وهذا يعني أن علم الاقتصاد يحاول أن يجيب على طيف واسع من الأسئلة ترتبط بالنشاط الإنساني الاقتصادي الذي يشمل الإنتاج التبادل، التوزيع الاستهلاك، المالية العامة، عرض النقود، حجم الإيداع، التجارة الداخلية والدولية، والمنشآت الزراعية والصناعية والخدمية. ويهتم علم الاقتصاد بالعلاقات بين البائعين والمشترين والسوق. كما أن لعلم الاقتصاد علاقات واسعة مع مختلف العلوم وبخاصة العلوم الاجتماعية كعلم السياسة والقانون وعلم السكان (الديمغرافيا)، والجغرافيا والتاريخ وغيرها.
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري‏

التعليقات مغلقة.