تحديث القطاع المصرفي السوري: اتجاهات التحديث وقواعده

الدكتور مكرم صادر أمين عام جمعية مصارف لبنان

تحديث القطاع المصرفي السوري: اتجاهات التحديث وقواعده

الدكتور مكرم صادر أمين عام جمعية مصارف لبنان

رابط محاضرة الدكتور مكرم صادر في جمعية العلوم الاقتصادية السورية

الثلاثاء في 27 آذار 2001

رابط المحاضرة كاملة بصيغة بي دي اف:

تحديث القطاع المصرفي السوري اتجاهات التحديث وقواعده الدكتور مكرم صادر

يهمني بدايةً أن أؤكد أنني أشارك في هذه الندوة لأنها ندوة حوارية ومطرح للنقاش المفيد في مسألة حيوية لمستقبل الاقتصاد السوري في فترة تتبلور فيها مع القيادة الجديدة للبلاد إرادة واضحة بضرورة تسريع عملية التحديث، وأشارك في الحوار بشأن المسألة المطروحة من موقعي في جمعية مصارف لبنان حيث شاركتُ عن كثبٍ بكل تواضع خلال السنوات العشر الماضية في ورشة تحديث وتطوير القطاع المصرفي اللبناني. وهاتان الورشة والمشاركة مستمرتان طبعاً.

 

أولاً – المصـــارف والنمـــوّ الاقتصــادي.

 

لا يشكّل تطوير وتحديث الجهاز المصرفي والمالي هدفاً لذاته بل بغرض إزالة إحدى العوائق الأساسية للنمو الاقتصادي والتي تتمثّل في تخلّف بنية الوساطة المالية ولجعلها عاملاً مساعداً على النمو. ومعلومٌ ان الناتج الحقيقي للفرد قد تراجع خلال الربع قرن الأخير في المنطقة العربية ومنها سوريا بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي. أي ان النموّ الحقيقي لا يكفي في منطقتنا العربية لموازنة النموّ السكاني خلافاً لمعظم المناطق الجغرافية الأخرى في العالم. وفي أسباب تردّي النموّ ضعف الإدخارات المُتاحة للاستثمار والتنمية. وليس خافياً ما للبنية المالية الملائمة والسليمة من دورٍ إيجابي تؤديه في تعبئة الموارد المالية. ولا تُقتصَر أهمية البنى المصرفية والنقدية السليمة والمؤاتية للنمو على تعبئة الموارد بشكل مدخرات بل تتعداها، وهذا أساسي، إلى تخصيص الموارد على الأنشطة والقطاعات الاقتصادية.  ان تحييد النقد وتقليصه وتغييب الجهاز النقدي والمصرفي يزيد التشويهات الحاصلة في تخصيص الموارد. فتتحكم عندها مصفوفة الأسعار المقررة إدارياً كأسعار القطع والفائدة المتعددة في عملية تخصيص الموارد وتالياً في توزيع المداخيل. وهكذا يُفسّر ضعف بنى الوساطة المالية جزئياً استشراء التوظيفات غير المنتجة والمداخيل غير المرتبطة بأية إنتاجية أو فعالية اجتماعية.

 

طبعاً ان مسألة تباطؤ أو تراجع أو توقف أو انطلاق النموّ هي على قدرٍ كبير من التعقيد. ولا يعني توفّر بنية مصرفية مالية متطورة شرطاً كافياً للنموّ المستدام. فتضخّم البنية المصرفية المالية قد يُصبح عائقاً أمام النمو. إذ يُحدث بدوره تشوّهاً في تخصيص الموارد ويُعبئها باتجاه التوظيفات القصيرة الأجل والسائلة. ويقتطع من الاقتصاد الحقيقي حصة متزايدة تزيد من كلفته وتخفِّض من قدرته التنافسية.

 

وهكذا لا يعني ضمور القطاع المصرفي والمالي في سوريا وتضخمه في لبنان إمكانية التكامل الآلية. فالتشوّهات التي تقف وراء ضمور الأول وتضخم الثاني لا تسمح باعتقادنا بالتكامل. فالتكامل يبنى على الميزات النسبية الطبيعية والمكتسبة وليس على الاختلالات البنيوية المطلوب تصحيحها في البلدين كمدخل لعلاقات نافعة ومفيدة في الاتجاهين.

 

ثانياً – في ضرورة الإصلاح النقدي والمالي والاقتصادي.

 

تتعلق المجموعة الثانية من الأفكار بمفهوم النقد وبعلاقته بالمصارف، من جهة، وبعلاقة النقد والمصارف بالاقتصاد من جهةٍ اخرى. ومن البديهي القول ان لا نقد في المفهوم الأولي للكلمة دون مصارف أي دون ائتمان. فالنقد والائتمان توأمان لا ينفصلان ويعود ذلك الى كون الائتمان أي التسليف أو الإقراض هو الوجه الآخر للنقد أي للمدخرات والودائع. أي ان النقد أو كتلة النقد تحدد بالعناصر المقابلة كما هو معروف.

 

فوجود النقد يرتبط، من جهةٍ أولى، بوجود المصارف وسلامة النقد لا تكون بغير سلامة الجهاز المصرفي. فالجهاز المصرفي بما هو مصرف مركزي ومؤسسات مصرفية يخلق النقد ويديره. وهكذا فإن تطوير القطاع المصرفي يمر حكماً بوجود مصرف مركزي يتمتع بالمصداقية والاستقلالية الكافية لإدارة النقد والسهر على سلامة المصارف.

أما القول إن قوة النقد أو المصارف هي من قوة الاقتصاد فقولٌ أيضاً صحيح. ذلك ان الإقراض (الائتمان) الذي هو الوجه الآخر للنقد يجب إن يستند إلى تدفقات اقتصادية حقيقية (Real cash flow) يعبّر عنها بالعناصر الثلاثة المقابلة للنقد في ميزانية الجهاز المصرفي وتحديداً: الإقراض للخارج وللقطاع العام وللقطاع الخاص. أما الإقراض للخارج فيتطلب فائضاً في الميزان الجاري للبلد بينما يتم اللجوء إلى الاقتراض من الخارج لتجير هــوة الحساب الجـاري (Current account). فالتوازن في المبادلات الجارية بين البلد وسائر العالم يشكل مع الوقت إحدى دعائم استقرار النقد وسلامة الجهاز المصرفي. ويطل على نظام الصرف واستقراره كذلك. وأما الإقراض للقطاع العام فيستدعي ان يكون للدولة مدا خيل حقيقية أي متأتية عن نظام ضرائبي مستقرّ في مردوده وعادل في تكليف المؤسسات والفئات الاجتماعية. وان يكون للمؤسسات العامة أيضاً تدفقات حقيقية موثّقة بأنظمة محاسبية عادلة في تبيان نتائج المؤسسات. وأما الإقراض للقطاع الخاص فيتطلب بدوره تدفقات حقيقية بشكل أجور وأرباح للأفراد والأُسـر وأن تكون المؤسسات منتجة وقادرة على توليد قيمة مضافة كافية لسداد الديون وفوائدها بعيداً عن الإفادة من التحويلات والريوع غير المرتبطة بعملها كمؤسسات أو أفراد بل من موقعها المستفيد من تشوّهات في هياكل أسعار الصرف والفائدة وما إليها. بالإضافة إلى كل ذلك يفتقر قطاع المؤسسات الى محاسبة على أساس القيم وليس الكميات. وان تتجسد القيم بحقوق مالية على البضائع والخدمات والأصول فلا تضطر المصارف إلى التعامل “بالثقة” لغياب الحقوق المالية القابلة للتداول.

 

إننا نورد كل ذلك لنقول إن تطوير المصارف يمرّ حكماً بإصلاح نقدي يخلق سلطة مركزية ورقابية ذات مصداقية واستقلالية ويمر بإصلاح مالي يفضي إلى توفير مدا خيل مستقرة وكافية للدولة من خلال نظام ضريبي فعّال وعادل. وتمرّ أخيراً بإصلاح آليات عمل الاقتصاد بحيث يتكافأ التعامل مع الخارج وبحيث ينشأ قطاع مؤسسات خاصة منتجة وقابلة للمنافسة. الإصلاح المصرفي يمر حكماً بالإصلاح الاقتصادي والإصلاح النقدي والإصلاح المالي. وليست عملية محض تقنية. وهذا لا يعني أن الجوانب التقنية من عملية تحديث المصارف ليست هامة، بل هي هامة جداً وصعبة ومعقدة وتتطلب جهوداً مستمرة ومنتظمة. ويترتب عليها كلفة كبيرة في الوقت والمال.

 

وعليه تجدني مسروراً بتهنئة جمعية العلوم الاقتصادية أي الجهة المنظمة لندوة الثلاثاء إذ أدرجت في برنامجها بتسلسل منطقي مسائل الإصلاح المالي والإصلاح النقدي واليوم موضوع الإصلاح المصرفي. وأردت التأكيد على ذلك وضعاً لمداخلتي حول الجوانب التقنية لعملية تحديث المصارف في إطارها الصحيح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 5 =

آخر الأخبار