تحديات الصناعة السورية في ظل الحرب الكونية الظالمة على سورية

مجلة العالم الاقتصادي العدد 99 – 100 أكتوبر 20, 2018  دراساتمقالات أساسية 0

بقلم: الدكتور مصطفى الكفري *

في العقد الأول من الألفية التالثة دخلت سورية ميدان صناعات جديدة لاسيما صناعة السيارات والإسمنت والسكر وغيرها، وتم تحقيق قيم مضافة جديدة كما تمت مضاعفة إيرادات الخزينة العامة وزيادة الودائع المصرفية، وزيادة عدد المدن الصناعية، وإعادة افتتاح سوق دمشق للأوراق المالية والترخيص لإقامة المصارف الخصة وشركات التأمين الخاصة، وإحداث الجامعات الخاصة وشركات التطوير العقاري والتمويل، وانخفض عجز الموازنة إلى درجة كبيرة وتراجع حجم المديونية الخارجية إلى الصفر، وهذا يشكّل نقاط قوة كانت تحسب للاقتصاد السوري، ولا يخفى وجود نقاط ضعف في الاقتصاد السوري، تمثلت بانخفاض معدلات النمو لبعض القطاعات وانخفاض متوسط دخل الفرد، وزيادة معدلات النمو السكاني وغيرها من مؤشرات قد تعيق عملية التنمية الشاملة والمستدامة.

منذ سنة 2011  تشهد سورية حرباً كونية ظالمة ومدمرة تستهدف الحجر والشجر والبشر، أسفرت عن دمار إنساني واجتماعي واقتصادي كبير شمل الصناعة والزراعة والتجارة والمال، وما زالت الحرب المدمرة تعيق النشاط الاقتصادي وتعطل بشكل كبير الإنتاج الصناعي، ويتواصل الضرر المادي الهائل في المجتمع السوري.

تحدث المركز السوري لبحوث السياسات عن خسائر في الاقتصاد السوري تصل لحوالي 254 مليار دولار، أما الأوسكوا فقد تحدثت عن خسارة 35 سنة تنمية في جميع المجالات ومنها قطاع الصناعة، إننا نفهم أن هناك خسائر كبيرة مُني بها قطاع الصناعة والاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب أهمها:

  • أكثر من 40 % من أصول رأس المال نتيجة الدمار وتهريب المصانع السورية إلى تركيا.
  • انكمش الاقتصاد السوري بحدود 30- 45 % .
  • خسرت سورية حوالي مليون فرصة عمل بسبب الدمار في قطاع الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات.
  • ارتفع معدل التضخم إلى مستوى ما بين 70 – 80 % .
  • جميعها حقائق لا يمكن تجاهلها. ولكن يبقى السؤال في مصلحة من…؟
  • بكل تأكيد كل ذلك يصب في مصلحة أعداء سورية والسوريين.

1 – أهم الصناعات السورية الواعدة:

الصناعات الغذائية:

تملك سورية مزايا نسبية ومقارنة في تصنيع الخضار والفواكه، وفي منتجات الألبان وزيت الزيتون سواء من حيث توافر الإنتاج الزراعي المناسب أو من حيث توافر أسواق التصدير. إلا أن استغلال هذه المزايا لا يزال محدودا. فالفائض قائم والتصدير ضئيل. وعلينا بصدد الخضار، وخاصة الطماطم، والفواكه والعصائر والمربيات، أن نحسن توطين وحدات التصنيع لتكون قريبة من مراكز الإنتاج، وإدخال تكنولوجيات جديدة لتكون المنتجات بمواصفات عالمية وبسعر مناسب، ولا بد من  تعزيز وتنمية صناعة الألبان ومنتجاتها، لتغطية الطلب المحلي وتخفيض الاستيراد، أما زيت الزيتون فسيبلغ الفائض منه حوالي 80 ألف طن، وهذا وضع يستوجب جهداً خاصاً، لاستغلال هذه الثروة، باستخدام التكنولوجيا الحديثة في العصر والتكرير، وتخفيض تكاليف الإنتاج للوصول إلى السعر المنافس، وتطوير أساليب التسويق بغية بناء سمعة تجارية دولية.

صناعة الغزل والنسيج والألبسة:

رغم عراقة صناعة الغزل والنسيج في سورية، وتوافر القطن، على وجه الخصوص، كمادة أولية، فإن سورية لم تستفد من الموجه العارمة لانتقال هذه الصناعة من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، ولا ريب أن الأولوية الاستراتيجية تعطى لذلك الجزء من الصناعة القائم على القطن، حيث تتكامل السلسلة التكنولوجية حتى آخرها بمعنى تصنيع كل القطن المتوافر لتصديره ألبسة، وهذا يستوجب تصنيع القطن المحلوج الذي يصدر الآن غزولاً والسماح للقطاع الخاص بذلك أولاً وتحفيز القطاع الخاص على تحويل كل هذه الغزول إلى أقمشة قطنية ثانياً، وتطوير صناعة الألبسة إلى أعلى حد ممكن ثالثاً، والأرقام في هذا المجال صارخة.

قبل عام 2011 كانت سورية تصدر حوالي 140 ألف طن من القطن المحلوج، تشكل إذا ما تم تصنيعها 125 ألف طن غزول قطنية، وإذا أضفنا لها كمية الغزول التي كنا نصدرها والبالغة 70 ألف طن، لقارب المجموع 200 ألف طن غزول يجب أن تتحول إلى 180 ألف طن أقمشة ثم إلى ألبسة، وتشير المعطيات المتوافرة أن تحويل طن واحد من الأقمشة إلى ألبسة يتطلب فرصة عمل واحدة، أي أن المجال مفتوح لخلق 180 ألف فرصة عمل جديدة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار فرص العمل المباشرة التي يخلقها تحويل الـ 140 ألف طن قطن محلوج إلى غزول أولاً ثم تحويل هذه مع الـ 70 ألف طن غزول المصدرة إلى أقمشة جاهزة لتصنيع الألبسة ، وفرص العمل غير المباشرة التي تستوجبها هذه الكمية في مرحلتي الغزل والنسيج ، لوصل حجم العمالة المطلوبة إلى حوالي 200 ألف فرصة عمل أخرى. وبذا يصبح مجموع العمالة اللازمة لإنتاج الغزول والأقمشة والملابس حوالي 380 ألف. وهذا يعني مضاعفة حجم العمالة في القطاع الخاص الذي يشكل الآن الرقم ذاته وفقاً للإحصائيات المتاحة، أضف إلى ذلك أثر هذا التوجه على الاقتصاد الوطني من حيث تعظيم القيمة المضافة (إذ ترتفع قيمة القطن الخام من 100 كمؤشر أساس إلى أقل من 200 بعد غزله، والى 600 بعد تصنيعه أقمشة جاهزة، وإلى 900 عندما يصبح ألبسة وإلى 1300 في حالة الألبسة الأرقى والأكثر تعقيداً، بما يعوض الدخل الناجم عن تصدير النفط، بل ويزيد عنه.

صناعة الزجاج:

صناعة الزجاج صناعة واعدة بحكم عراقتها في سورية وتوافر المادة الأولية لهذه الصناعة، الرمل بمواصفات رفيعة الجودة وموقع بلدنا الجغرافي، وبالتالي آفاق نموها كبيرة جداً. غير أننا في إطار المنتجات الوسيطة الثقيلة، بحاجة ماسة إلى التكنولوجيا الحديثة، ورأس المال لإنتاج الزجاج المصبوب، أي المسحوب أفقياً، وهذا يتطلب استثمارات ضخمة تستدعي إقامة مشروع مشترك مع إحدى الشركات العالمية.

صناعة الأسمدة:

ظلت سورية مستوردة للأسمدة الجاهزة على الرغم من توافر الفوسفات والغاز، في الوقت الذي يمكن تصنيع أكثر الأسمدة محليا، وخصوصاً الأسمدة المركبة (الفوسفاتية الآزوتية) التي نستوردها الآن من الاتحاد الأوروبي، إلا أن تكنولوجيا هذه الأسمدة معقدة وتحتاج إلى استثمارات كبيرة مما يستدعي التعاون مع إحدى الشركات الدولية في هذا السبيل كما فعلت الأردن وتفعل مصرالآن.

صناعة التعبئة والتغليف:

تعد صناعة التعبئة والتغليف صناعة هامة، تضم طائفة من المواد كالزجاج والورق والبلاستيك والمعادن، ومن شأنها تعميق التشابك داخل قطاع الصناعة، إلى جانب الدور الذي تلعبه في ترويج المنتجات السورية، وآفاق نموها واسعة جداً لتغطية احتياجات السوق المحلية وأسواق المنطقة.

صناعة الإسمنت:

لا بد من ردم الفجوة الحالية بين الطلب والإنتاج الحالي ومواجهة نمو الطلب المحلي خلال السنوات العشرة القادمة وخصوصاً في مرحلة إعادة إعمار سورية.

2 – التحديات التي تواجه الصناعة السورية:

واجهت الصناعة السورية نوعين من التحديات تحديات خارجية وتحديات داخلية:

التحديات الداخلية التي تواجه الصناعة السورية

تواجه الصناعة السورية أربعة تحديات داخلية هي:

التحدي الأول– تراجع دور النفط منذ عام 2012، كمصدر لتوفير القطع الأجنبي الناجم عن تصديره.

التحدي الثاني– ارتفاع معدلات النمو السكاني (2.7 % سنوياً)، وهي نسبة مرتفعة على المستوى العالمي، والأعباء المترتبة على ذلك إذ يبلغ حجم العمالة الداخلة إلى سوق العمل سنوياً حوالي 200 ألف طالب عمل جديد.

التحدي الثالث– الانفتاح التجاري الذي اعتمدته سورية من خلال اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية والاتفاقيات الثنائية المماثلة مع عدد من الدول العربية، أومن خلال منطقة التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي الذي أصبح اليوم مؤلفاً من 25 دولة، وما سيترتب على هذا الانفتاح من تهديد جدي لصناعة النسيج السورية الذي لم تتم بعد إعادة تأهيله بالشكل المطلوب، من حيث مقوماته الذاتية، من جهة، ولم تتوافر له بعد عناصر التكافؤ في مناخ العمل مع الدول الأخرى من جهة ثانية، كي يصمد أمام المنافسة.

التحدي الرابع فهو الاختيار غير الصائب لتدخلات الدولة لتصحيح انحرافات السوق وحسن تنفيذها، لأن آليات السوق لا تعطي لوحدها المؤشرات الهادية للفاعلين الاقتصاديين.

التحديات الخارجية التي تواجه الصناعة السورية:

أبرز التحديات الخارجية التي تواجه الصناعة السورية هي العولمة وما تعنيه من فرض الاندماج بالاقتصاد العالمي، وضرورة أن يكون هذا الاندماج فاعلاً عبر التصدير الصناعي،لا منفعلاً من خلال تحرير الاستيراد فحسب، وثانيها ضرورة التلاؤم مع التطور الذي طرأ على استبدال مفهوم المزايا النسبية المقارنة (التي كانت تعرف بالموقع الجغرافي المناسب والموارد الطبيعية ورخص العمالة) بمفهوم جديد هو المزايا التنافسية، انطلاقاً من مفهوم التنافسية الدولية الذي أبرزته العولمة، والتي تعني توافر المهارات التقنية والتنظيمية بمستوياتها المختلفة، والهياكل الأساسية وتكنولوجيا الاتصالات والخدمات الداعمة الكفوءة وسهولة الحصول على مستلزمات الإنتاج. ويتجسد ثالث هذه التحديات بالضغوط التنافسية التي تواجهها سورية، سواء من الدول العربية المجاورة التي سبقتنا كتونس وتركيا أو من الدول الآسيوية ودول أوربا الشرقية والوسطى أو من الدول رخيصة العمالة كالهند والصين مع إنتاج أجود.

3 – أسباب قصور الصناعة التحويلية السورية:

يمكننا تحديد أسباب قصور الصناعة التحويلية السورية كالآتي::

  • غياب استراتيجية محددة ومعلنة للتنمية الاقتصادية عامة والتنمية الصناعية خاصة، تصاغ من خلال رؤية شمولية تشكل الدستور الاقتصادي للدولة. وغيابها يؤدي إلى طرد الاستثمارات، لأن المستثمر لا يستطيع في غياب هذه الاستراتيجية أن يتبين طريقه للمستقبل.
  • إتباع سياسة التوجه للسوق الداخلية المتمثلة بسياسة “الإحلال محل الواردات”. إذ خابت معها كل التوقعات الإيجابية التي كان مأمولاً أن تتحقق، فالاستيراد لم يتقلص بل تضاعف بمعدلات عالية، والتشابك الصناعي لم يدعم بل ازداد الوضع سوءاً.
  • تطبيق الحماية الكاملة على المنتجات الاستهلاكية دون تمييز، وليس على المنتجات الوسيطة والرأسمالية بدلاً من العكس، ولم تقترن هذه الحماية بسياسة ديناميكية لتشجيع التصدير، كما فعلت الدول الآسيوية التي اعتمدت توليفة ذكية بين حماية متدرجة ومتنوعة في السوق الداخلية وبين تشجيع التصدير بكافة السبل إلى الأسواق الخارجية.
  • اتخاذ قرارات استثمارية دون استكمالها بالسياسات والإجراءات التي تتطلبها هذه القرارات. وهذا ما حدث في مشاريع الغزول القطنية – وهي بحد ذاتها ضئيلة القيمة المضافة -.إذ لم يؤخذ بأية سياسة لتشجيع قيام مشاريع خاصة، تستهلك هذه الغزول في النسيج والألبسة، بل تم العكس، إذ اقتصر الاستهلاك المحلي للغزول القطنية على 40 ألف طن أي حوالي الثلث، واقترنت زيادة إنتاج هذه الغزول بتصاعد كبير في انحياز القطاع الخاص لاستخدام الغزول التركيبية.
  • عدم إيلاء بناء القاعدة التكنولوجية الوطنية الاهتمام الذي تستحق، وانعكس ذلك تقصيراً في تطوير الموارد البشرية، وفق احتياجات الصناعة، وفي تدعيم البحث والتطوير والابتكار وفي تنمية بيوت الخبرة الاستشارية الوطنية.
  • عدم توافر التمويل الصناعي بالحجم الكافي، إذ لم يتجاوز نصيب الصناعة من إجمالي التسليف المصرفي 2.4 % حتى نهاية عام 2002 وحوالي 4  % عام 2003، وظل الصناعي السوري بالتالي معتمداً على موارده ووسائله الخاصة في التمويل، وهذا وضع فريد من نوعه.
  • عدم الاهتمام بمرحلة ما قبل الاستثمار، من حيث القيام بدراسات الجدوى الاقتصادية وما تعنيه من دراسات فنية ودراسة السوق، بما يفسر إلى حد كبير انخفاض معدلات التشغيل وارتفاع التكاليف.
  • عدم إيلاء الصيانة الاهتمام المطلوب. وهذا داء ينهش العالم الثالث إجمالاً.
  • غياب سياسة متكاملة لتنشيط الصادرات الصناعية، بما في ذلك إهمال إقامة المؤسسات التجارية المتخصصة بالتصدير لتشكل صلة الوصل الفعالة بين المنتج المحلي والمستورد الخارجي كما هو الحال في الدول الآسيوية احتذاء باليابان.
  • أما القطاع العام الصناعي، فصحيح أن أداءه الاقتصادي كان متواضعاً. ولكن صحيح أيضاً أن التعامل معه لم يكن على الوجه المطلوب، فزاد الطين بلة، كما يقال، سواء تعلق الأمر باختيار قياداته أوبتكبيله بكثير من القيود البيروقراطية أوبتفريغ خزائنه من أية سيولة، بسبب تحويل فائض ميزانياته باستمرار إلى خزانة الدولة.

4 – تزايد مشكلات الصناعة والاقتصاد الكلي في سورية تعقيداً مع استمرار الحرب وشدتها:

تزايدت مشكلات الصناعة السورية تعقيداً يوماً بعد يوم جراء استمرار الحرب وشدتها، وتشير التقديرات إلى مواصلة تراجع إجمالي الناتج المحلي الحقيقي خلال الفترة 2011 – 2016 ففي عام 2016 وحده تراجع بنسبة  4 % بسبب الدمار الذي لحق مراكز أساسية للنشاط الاقتصادي في سورية في حلب والجزيرة السورية وإدلب، وفي ظل استمرار تراجع إنتاج النفط والغاز والنشاط غير النفطي نتيجة الحرب، من المرجح أن يظل التضخم شديد الارتفاع، بسبب استمرار تذبذب أسعار صرف الليرة السورية وعرقلة حركة التجارة، يُتوقع أيضاً أن يظل عجز الحساب الجاري والعجز في الموازنة العامة كبيرين.

في العام 2010 كان الناتج المحلي السوري يقدر بحوالي 60 مليار دولار بحسب البيانات الرسمية، مقابل 80 مليار دولار خسائر في نهاية العام 2012 فقط حسب خبراء الاقتصاد، إلا أن المركز السوري لبحوث السياسات، التابع للجمعية السورية للثقافة والمعرفة، كان أقل تشاؤماً، وقدر حجم الخسائر في السنتين 2011 و2012 بنحو 50 مليار دولار فقط، وتوزعت هذه الخسائر بين 50 % من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 43 % خسائر في مخزون رأس المال و7 % خسائر أخرى.

لعل الأذى الأكبر الذي تعرضت له سورية بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها خلال سنوات الحرب الظالمة مقاطعة المصارف للعمليات التجارية مع سورية، الذي كان يعد حتى عام 2011 من البلدان المكتفية ذاتياً في معظم ما يحتاجه السكان. بالرغم من أن مقومات وركائز هذا الاقتصاد لم تكن قائمة على حوامل خارجية، باستثناء بعض عمليات التصدير،  بعد خمس سنوات من الحرب تحولت سورية من بلد مصدّر إلى بلد مستورد.

في هذا السياق شكلت المدن الصناعية، في كل من حلب وحمص وريف دمشق، أهدافاً إستراتيجية لعمليات التخريب المباشرة أو غير المباشرة من قبل الإرهابيين وتعرضت إمّا للسرقة والنهب والحرق بشكل كامل كما حصل في حلب، أو أنها عانت من الحصار وانقطاع الطرقات ومخاطر العمل فتوقفت، أو أنها كانت متاخمة لمواقع اشتباك مع المسلحين ما اضطرها أيضاً للتوقف، فاتجهت الصناعة بعدها إلى إستراتيجية المشاغل والورشات الصغيرة، لكن هذه المشاغل بطاقتها الإنتاجية الصغيرة لا تستطيع خفض التكاليف بتوزيع أجور عمالها على حجم العمل ما يؤدي لارتفاع الأسعار تلقائياً، كما أنها لا تغطي حاجة السوق من المنتجات كافة التي تحتاج إلى مصانع حقيقية كبيرة لتوفيرها.

كما تأثرت الصناعة بشكل مباشر بتقطع الأوصال بين المحافظات والمدن، ما يعني أيضاً خسارة المواد الأولية التي يؤمنها قطاع الزراعة لتلك الصناعات. وكانت سورية تمتلك مخزوناً استراتيجياً من القمح والدقيق (نوعية جيدة جداً) يكفيها لسنتين حتى لو توقف الإنتاج الزراعي بالكامل. إلا أن حرق المحاصيل والسيطرة على صوامع الحبوب التابعة للدولة في ادلب ودير الزور، من قبل الميليشيات المسلحة، حوّل سورية إلى مستورد للقمح من روسيا ورومانيا ومصر (نوعية متوسطة). لم يكن محصول القطن السوري أفضل حظاً، بالرغم من الاكتفاء المحلي من المحصول، إلّا أن خسارة معامل حلب وصعوبة نقل القطن من المناطق المنتجة إلى معامل التصنيع، كلّف الدولة والفلاحين خسارة مضاعفة، حيث ارتفعت تكلفة النقل حوالي 200 في المئة حتى على الطرقات الآمنة نسبياً. و تسبب الخراب في القطاع الصناعي بخنق الحركة التجارية، وشل الاقتصاد نتيجة العقوبات على التحويلات المالية ونقل الحسابات المصرفية لتسديد ثمن البضائع، لتنحصر العملية التجارية بعدة دول متعاونة ، كالعراق وإيران والصين وروسيا.

5 – حجم خسائر القطاع الصناعي السوري خلال السنوات 2011 – 2017:

يحتل القطاع الصناعي المرتبة الثانية من حيث الدمار الذي أفرزته الحرب بعد خسائر القطاع السكني والعمراني، الحقيقة الصعبة هي أن 67 % من قدرة سورية الصناعية قد تم تدميرها بشكل كامل سواء من خلال استهداف المسلحين للمعامل أو من خلال حالات السرقة للمعامل ومستلزمات الإنتاج إضافة إلى الخسارة التي عانى منها قطاع الصناعة السوري فيما لو استمر بالإنتاج ولم يتوقف خلال هذه الحرب.  وتتمثل خسائر القطاع الصناعي في سورية:

  • ما تم تدميره وسرقته من معامل ومستلزمات إنتاج ويقدر بحوالي 60 مليار دولار.
  • فوات المنفعة فيما لو كان العمل قائماً ويقدر بحوالي 40 مليار دولار.
  • ما تحتاجه سورية لإعادة عجلة الإنتاج الصناعي إلى ما كانت عليه قبل الحرب، حيث يبلغ على أقل تقدير 110 مليار دولار مما يرفع الفاتورة إلى 210 مليارات دولار.

وفق إحصائية وزارة الصناعة السورية فإن قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالصناعة السورية، بشقّيها العامّ والخاصّ، منذ بداية الحرب ولغاية تشرين الأول 2016؛ بلغت 336 مليار ليرة حسب البيانات المتوافرة.

مع ترك هامش للخسائر متعلق بارتفاع أسعار المنتجات الحالية نتيجة الظروف الأمنية وما يدفعه المستهلك السوري من تكاليف إضافية على المنتجات الصناعية السورية، والفقد الهائل في اليد العاملة السورية الصناعية والتي تعتبر الخسارة الحقيقية التي لا تقدر بثمن سواء نتيجة الهجرة أو عدم وجود وسائل الإنتاج التي تمكنهم من العمل.

6 – مقومات التنافسية الصناعية السورية:

تقضي مقومات التنافسية الصناعية بوجود نسيج متماسك من الصناعات المتشابكة فيما بينها، ذات محتوى تكنولوجي ومعرفي مرتفع وقيمة مضافة عالية، وقادرة على تصدير منتجاتها. ومن هذا المنطلق تتحدد الصناعات التي يجب التركيز عليها في سورية:

يشكل بناء القاعدة التكنولوجية الوطنية عنصراً حاسماً في توفير القدرة التنافسية وهي تنطوي على ثلاثة عناصر:

  1. الموارد البشرية الكفوءة والتي أضحت الآن العنصر الأكثر أهمية في الصناعة الحديثة ويستدعي تطويرها زيادة نسبة الاعتمادات المخصصة للتربية والتعليم من الناتج المحلي الإجمالي، إذ لا تزيد الآن عن 2 %، وهي أقل من نصف النسبة المخصصة في الدول المتقدمة. كما يستدعي زيادة عدد الطلاب الجامعيين في الفروع الهندسية والعلمية، لتعود إلى موقعها الطليعي الذي كانت عليه في منتصف الثمانينات، مع الاستجابة لمتطلبات التقانات الجديدة كثيفة المعرفة، بما يعنيه ذلك من إجراء إصلاح شامل في نظامنا التربوي يقوم على إعمال العقل والمحاكمة الذهنية ومقاربة المشاكل بمنهجية علمية بدلاًمن حفظ واستظهار المعلومات.
  2. البنية التحتية التكنولوجية التي تتشكل من مؤسسات المواصفات والمقاييس والاختبارات ومؤسسات البحث والتطوير والجامعات والمعاهد الفنية العليا. ولا بد من تطوير هذه البنية بتعزيز نشاط البحث والتطوير واعتبار ذلك حجر الأساس في سياستنا التكنولوجية.
  3. السياسات والإجراءات واجبة الإتباع، وعلى الأخص إعادة النظر في سياسة تخصيص الموارد والقيام بحملة توعية توضح خطورة هذه القضية وتستهدف خلق وفاق وطني حولها، وتحفيز الشركات الصناعية على القيام بالجهود التكنولوجية، سواء من خلال الإعفاء الضريبي أو توفير التمويل اللازم بشروط ميسرة، وإيجاد علاقة عضوية بين الصناعة والمؤسسات التعليمية بربط برامج التدريس وطرقه باحتياجات الصناعة وإشراك المهندسين والفنيين السوريين بتنفيذ المشاريع، وتدعيم وتشجيع المكاتب الاستشارية السورية، وإحاطة المخترعين والمبتكرين السورية بالرعاية وتوفير التسهيلات اللازمة لوضع ابتكاراتهم موضع التنفيذ.

7 – الصناعة ومناخ الأعمال والاستثمار:

لن يكون بالإمكان تحقيق الأهداف المبتغاة في التنمية الصناعية ما لم يتوافر مناخ الأعمال والاستثمار المناسب، الذي يتجاوز كثيراً بمحتواه مجرد صدور قانون للاستثمار ينطوي على امتيازات ضريبية ومالية، لاتعدو أن تكون واحداًمن مقومات المناخ المطلوب، التي تتجسد باستقرار السياسات الاقتصادية ووضوحها، وتوافر البنى التحتية كالمناطق الصناعية والتجمعات العنقودية وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بأسعار معتدلة، وتوافر الموارد البشرية الكفوءة المؤهلة، وانخفاض تكاليف الأعمال وسرعة إنجازها ووجود جهاز مصرفي فعال وبنية تنظيمية وإدارية فعالة وجهاز قضائي رفيع المستوى وسريع الإنجاز، وتطبيق أسلوب النافذة الواحدة.

أما الاستثمارات الأجنبية فهي هامة، لكنها ليست بديلاً للاستثمار الوطني وإنما متممة له، بل ويتصاعد النجاح في اجتذابها مع تصاعد معدلات الاستثمار المحلي، ومع تنامي القدرات الوطنية الفنية والتنظيمية والمؤسساتية، كما يتطلب مهارة عالية لتسويق صورة البلد وإقناع المستثمرين مغتربين سواء أكانوا عرباً أم أجانب. وعلى هذا فقد أضحى ضرورياً تفعيل هيئة الاستثمار السورية مزودة بأفضل الكفاءات، تقوم بهذا النشاط الترويجي من جهة وتوافر جميع المعلومات للمستثمرين بما في ذلك إعداد دراسات جدوى أولية لبعض المشاريع ذات الأولوية وتمارس فعالية النافذة الواحدة.

ولا بد من الإشارة إلى التحسّنٍ الذي طال قطّاع الصناعة التحويلية مؤخراً، حيث استأنفت مصانع عديدةٌ عملها في المدينة الصناعية في عدرا بريف دمشق، إذ بلغ عدد المعامل المشتغلة فيها نحو 906 معمل، وتمّت إعادة افتتاح 110 مؤسّساتٍ في القلمون، كما عاد النشاط إلى مدينة حسياء الصناعية في حمص، وعاود حوالي 120 مشروعاً صناعياً أعمالهم في المدينة الصناعية في الشيخ نجار في حلب.

الحرب ظرف غير عادي يتطلب إجراءات غير عادية وقرارات شجاعة وحكيمة وقدرة على ابتكار الحلول والآليات التنفيذية لإعادة بناء الصناعة السورية والبحث عن أسواق جديدة لدى الدول الصديقة وتشجيع المبادلات التجارية لها وخصوصاً مع الأصدقاء ودول البريكس وغيرها، وبالتالي فإننا نجد الحصار الاقتصادي يشكل حافزاً على الإبداع وتنمية الموارد الخاصة وتطوير الإنتاج الصناعي.

ويبقى السؤال: هل بالإمكان إنقاذ  الصناعة السورية..؟ نعم ممكن وهذا ليس مستحيلاً بل مهمة صعبة تستدعي وضع خريطة طريق تتضافر فيها جهود جميع السوريين والأصدقاء واتخاذ خطوات جادة نحو نصرة سورية ودعمها في كل الميادين.

وتتوقف آفاق الصناعة السورية في الأمد المتوسط على احتواء نتائج الحرب وإيجاد حد للحرب الظالمة على سورية، وإعادة بناء البنية التحتية وقطاع الصناعة وتكوين رأس المال الاجتماعي في قطاع الصناعة.

* عميد كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة قاسيون- سورية

https://ecoworld-sy.com/archives/1784