إصلاح القطاع المالي في سوريا – عامل التحديث والنمو الاقتصادي
محاضرة للدكتور ناصر السعيدي، ندوة الثلاثاء الاقتصادية الخامسة عشر، جمعية العلوم الاقتصادية السورية، المركز الثقافي العربي / المزة، 12 آذار 2002
إصلاح القطاع المالي في سوريا – الدكتور ناصر السعيدي
![]()
ندوة الثلاثاء الاقتصادية الخامسة عشر
جمعية العلوم الاقتصادية السورية
“متى يبدأ الاصلاح المصرفي في سورية”
المركز الثقافي العربي / المزة، 12 آذار 2002
إصلاح القطاع المالي في سوريا(*) عامل التحديث والنمو الاقتصادي
الدكتور ناصر السعيدي(**)
رابط تحميل المحاضرة بصيغة بي دي اف: إصلاح القطاع المالي في سوريا – الدكتور ناصر السعيدي
1 ـ مقدمة
انطلقت سوريا في التسعينيات وفي مطلع الألفية الثانية في سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الهامة الرامية إلى تحديث الاقتصاد السوري، وذلك بالانفتاح على باقي العالم وبزيادة الاعتماد على قوى السوق وتوسيع دور القطاع الخاص. وغاية هذه التدابير السياسية الاقتصادية الجديدة إصلاح جوانب التصلب القائمة في أنظمة الإدارة والإنتاج والمصحوبة بمجموعة متشابكة من النظم الرقابية.
لقد اعتمدت الحكومة السورية تدابير عديدة لتعزيز دور القطاع الخاص، لا سيما في قطاعي الصناعة والتجارة الخارجية. فقد تم تخفيف إجراءات الرقابة والقيود على الأسعار والتجارة والنقد الأجنبي، كما ازداد التركيز على الصادرات غير النفطية. وبلغت هذه التدابير أوجها بصدور القانون رقم 10 سنة 1991 المتعلق بتشجيع الاستثمارات في سوريا، وهو قانون سهل الاستثمار الأجنبي وأدى إلى رفع بعض القيود، كما قدم للمستثمرين المحليين والأجانب من القطاع الخاص حوافز ضريبية وأخرى غير ضريبية.
وفي الفترة الأخيرة، منذ أن أصبح الدكتور بشار الأسد رئيسا للجمهورية، جرى تطبيق مجموعة جديدة من التدابير والإصلاحات التي تستهدف على وجه الخصوص تدعيم القطاع المصرفي والمالي. وهذه التدابير، التي طبقت بعد شهر آذار 2000، تتألف من حوافز ضريبية (مثلا، إعفاءات ضريبية حتى مدة 13 سنة) تتعلق ببعض النشاطات الاقتصادية، وهي تسمح لغير السوريين بتملك الأراضي والأبنية، كما تسمح للمصدرين بالاحتفاظ بحصيلة الصادرات الحرة.
إن هذه الإصلاحات تشكل خطوة جريئة، وهي تتطلب ثباتا في التنفيذ من جانب صانعي السياسات الاقتصادية كما من جانب السلطات التنفيذية والقضائية والإدارية. ومن المهم، بهذا الصدد، اعتماد النظم اللازمة لمواكبة هذه الإصلاحات. وتواجه سوريا، في سعيها إلى تحديث الاقتصاد واستئناف النمو الاقتصادي وضمان التنمية المستدامة، تحديات رئيسية عديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهي:
زيادة مساهمة القطاع الخاص في جميع جوانب النشاط الاقتصادي، بما في ذلك البنية التحتية.
مواجهة التحديات الناشئة عن “ثورة المعلومات” وعن “الفجوة الرقمية”.
إجراء تنويع استراتيجي على الصعيد الاقتصادي لتخفيف الاعتماد على النفط والغاز.
التكيف مع تحديات العولمة وتعزيز الانفتاح في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. وبنوع خاص، تحتاج سوريا إلى تنفيذ إصلاحات عميقة نظرا للخيارات الاستراتيجية التي قامت بها بشأن تنفيذ مناطق التجارة الحرة مع عدد من البلدان العربية لا سيما مع لبنان، وتنفيذ منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، والدخول في اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
التحديات الجيوـاستراتجية الناتجة عن الصراع العربي الاسرائيلي وآثاره السلبية على النمو الاقتصادي في المنطقة.
ونتساءل هنا: ما هو دور إصلاح القطاع المصرفي والمالي وما هي الحاجة إلى إصلاح كهذا؟ ما هو تأثير العمل المصرفي في الإنتاجية وفي النمو الاقتصادي على المدى الطويل؟ إن النقطة الأساسية في التصور الذي أطرحه اليوم هي أن للقطاع المصرفي والمالي دورا أساسيا وحاسما في تأمين النجاح لتدابير الإصلاح الاقتصادي المتخذة في سوريا. فتحسين أداء المصارف يؤدي إلى تحسين تخصيص وتوزيع الموارد، وهذا أمر له آثار إيجابية في النمو الاقتصادي على المدى الطويل. إن تجارب الكثير من البلدان التي تم تحليل اقتصادها خلال السنوات الثلاثين الأخيرة في إطار التغيرات العالمية، تدل على أن إصلاح وتحرير القطاع المصرفي والمالي هو، دون أي شك، عنصر أساسي في عملية النمو الاقتصادي، وذلك من خلال أثره في نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج وفي التغير التكنولوجي، بالإضافة إلى علاقته الوثيقة والعضوية بتطور القطاع الخاص. والواقع أن إصلاح القطاع المالي يخفف من قابلية تأثر الاقتصاد بالعوامل السلبية والمخاطر وبالصدمات الاقتصادية وغير الاقتصادية.
إن القطاع المالي يحرك النمو الاقتصادي، ولذلك فإن لإصلاحه أهمية أساسية في تمكين سوريا من التكيف مع اقتصاد عالمي تؤدي فيه التطورات في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى وجود تمويل بلا حدود.
2 ـ التطورات الرئيسية على صعيد الاقتصاد الكلي خلال الفترة 1990 ـ 2001:
كان أداء الاقتصاد السوري خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1991 و1995 جيدا نسبيا، إذ بلغ معدل النمو الوسطي الحقيقي 7.2%. غير أن الاقتصاد السوري شهد تباطؤا منذ سنة 1996، إذ هبط معدل النمو حتى 2.5% في سنة 2000، كما أن التقديرات التمهيدية تشير إلى استمرار التباطؤ في سنة 2001. ومما أسهم في هذه النتيجة عوامل داخلية وخارجية متعددة.
ومن الممكن بإيجاز وصف بنية الاقتصاد السوري وجوانبه الحساسة من خلال الوقائع التالية:
ما زالت الزراعة تشكل قطاعا اقتصاديا رئيسيا. ففي الفترة الممتدة بين سنتي 1995 و2000، بلغت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي 29% كمعدل وسطي، كما بلغت العمالة الزراعية حوالى 28.5% من مجموع العمالة. ولكن، بما أن نسبة الأراضي الزراعية المروية لا تتجاوز 25%، فلا يزال الإنتاج الزراعي مرتبطا بالأحوال الجوية وهطول الأمطار. والواقع أن الأحوال الجوية السيئة في سنة 1997 وسنة 1999 قد أثرت سلبا في المحاصيل الزراعية وفي مجموع الناتج المحلي الإجمالي الزراعي، مما أسهم في ازدياد تباطؤ النشاط الاقتصادي ككل.
(*) إن التحاليل والآراء المعبر عنها هي تحاليل وآراء المؤلف وأنها لا تمثل آراءا أو مواقف رسمية.
(**) سابقا وزير الاقتصاد والتجارة ووزير الصناعة، وحاليا نائب الحاكم الأول في مصرف لبنان.