سوريا تختتم عام 2025 باقتصاد هش وسوق مفتوحة

دمشق - رهام عل الأربعاء 2025/12/31

سوريا تختتم عام 2025 باقتصاد هش وسوق مفتوحة

Image-1765446890

دمشق – رهام عل الأربعاء 2025/12/31

مسار جديد للاقتصاد السوري عام 2026 (علي علوش)

بعد ما يقارب خمسة عشر عاماً من الانكماش والعزلة، وجد الاقتصاد السوري نفسه خلال عام 2025 أمام مسار جديد قوامه الانفتاح التدريجي وتخفيف القيود التي كبّلت حركة التجارة والاستثمار لسنوات طويلة. تحرير السوق لم يعد مجرد خيار نظري، بل تحوّل إلى مسألة بنيوية تمسّ شكل الاقتصاد ووظيفته، وتطرح أسئلة جوهرية حول قدرة السوق السورية على التكيّف مع قواعد المنافسة والانفتاح بعد سنوات من اقتصاد مغلق ومشوه.

التحرير الاقتصادي في جوهره لا يعني فقط إزالة القيود، بل إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، وبين القطاع العام والخاص، وبين الإنتاج المحلي ورأس المال الخارجي. في الحالة السورية، تأتي هذه العملية في سياق هش، حيث ما زالت البنية الإنتاجية ضعيفة، والطلب الداخلي محدوداً، والمؤسسات الاقتصادية في طور إعادة التشكل.

 

انفتاح السوق: فرصة نظرية أم اختبار قاسٍ؟

يفتح تحرير السوق من حيث المبدأ، الباب أمام تدفقات مالية وتجارية كانت متوقفة، ويعيد تفعيل أدوات أساسية مثل التحويلات، والتمويل، والتبادل التجاري. أما نظرياً، فيسمح ذلك بإعادة تحريك قطاعات رئيسية كالنقل والطاقة والتجارة والخدمات، ويخلق مناخاً أكثر جاذبية للاستثمار، خصوصاً في بلد يعاني فجوة كبيرة بين حاجاته التنموية وقدرته الذاتية على التمويل.

لكن هذا الانفتاح يصطدم بواقع اقتصادي لا يزال يعاني من ضعف السيولة، وتآكل القاعدة الإنتاجية، وارتفاع كلفة التشغيل، إذ تدخل السوق السورية مرحلة التحرير وهي غير متكافئة: قطاع خاص محدود الإمكانات، صناعة وزراعة متضررتان، وقوة شرائية منخفضة تجعل الطلب الداخلي عاجزاً عن امتصاص أي توسع سريع في العرض.

 

النمو المحدود وحدود التعافي

بالتوازي، تعكس المؤشرات الاقتصادية المتداولة خلال 2025 تعافياً بطيئاً، أقرب إلى الاستقرار النسبي منه إلى النمو الحقيقي، حيث لا يُخفي الحديث عن نسب نمو متواضعة حقيقة أن الاقتصاد لا يزال يعمل دون طاقته، وأن أي تحسن يبقى هشاً وقابلاً للارتداد في حال غياب استثمارات إنتاجية فعلية.

في هذا السياق، فإن تحرير السوق لا ينتج تلقائياً نمواً، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا سبقته عملية فتح واسعة دون حماية مرحلية للقطاعات المحلية، فالمنافسة مع السلع المستوردة، في ظل ضعف الإنتاج المحلي، قد تؤدي إلى خروج مزيد من المنشآت الصغيرة من السوق بدل تحفيزها على التوسع.

 

فرص التحرير: إعادة دمج مشروطة

ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل الفرص التي يتيحها تحرير الاقتصاد، فإعادة دمج سوريا في محيطها الاقتصادي الإقليمي والدولي تمنحها إمكانية استعادة أدوار فقدتها، سواء في الزراعة والصناعات المرتبطة بها، أو في الخدمات اللوجستية، أو حتى في بعض الصناعات الخفيفة التي يمكن أن تستفيد من انخفاض كلفة اليد العاملة.

لكن هذه الفرص تبقى مشروطة بوجود بيئة قانونية واضحة، ونظام ضريبي عادل، ومؤسسات قادرة على تنظيم السوق ومنع الاحتكار، في حين أن التحرير من دون حوكمة قد يعيد إنتاج اقتصاد ريعي جديد، يستفيد منه عدد محدود من الفاعلين، من دون أن ينعكس على التشغيل أو العدالة الاجتماعية.

 

المخاطر الاجتماعية للتحرير غير المنضبط

يتمثل أحد أبرز تحديات تحرير السوق في سوريا في أثره الاجتماعي، إذ إنّ أيّ تخفيف للدعم أو تحرير للأسعار، في ظل دخول منخفضة وغياب شبكات أمان اجتماعي فعالة، قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في مستوى المعيشة، وقد أظهرت التجربة السورية السابقة أن الصدمات الاقتصادية غير المحسوبة تُترجم سريعاً إلى أزمات معيشية.

من هنا، يصبح تحرير السوق عملية سياسية ـ اجتماعية بقدر ما هي اقتصادية، تتطلب تدرجاً واضحاً، وسياسات تعويضية تحمي الفئات الأكثر هشاشة، وتربط الانفتاح بتحسين فرص العمل لا بتوسيع الفجوة الاجتماعية.

 

تحرير بلا بيئة حاضنة 

ويعتبر الباحث في شركة “كرم شعار” للاستشارات ملهم جزماتي أن ما جرى في السوق السورية خلال العام الأول من تحرير الاقتصاد يعكس بالدرجة الأولى تغييراً في اتجاه السياسات، أكثر مما يعكس تحسناً فعلياً في النتائج. فالحكومة، بحسب جزماتي، اتجهت إلى تقليص الدعم وتخفيف القيود الإدارية وفتح المجال أمام فاعلين اقتصاديين جدد، في محاولة للخروج من نموذج الاقتصاد المركزي المغلق نحو اقتصاد أكثر تحرراً، إلا أن هذه الخطوات بقيت حتى الآن ضمن الإطار النظري، ولم تُترجم إلى تحسن ملموس في النشاط الاقتصادي.

ويشير في حديثه مع “المدن” إلى أن تحسن سعر الصرف الذي سُجّل في هذه الفترة لم يكن نتيجة تعافٍ اقتصادي حقيقي، بل جاء بفعل شح السيولة وتراجع القدرة الشرائية، ما خفّض الطلب على العملات الأجنبية من دون أن يخلق حركة إنتاج أو استثمار فعلية، ومع استمرار القيود على السحب المصرفي، وضعف التمويل، وتراجع التغذية الكهربائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، بقي أثر التحرير محدوداً على حياة المواطنين وعلى قرارات المستثمرين في آن معاً.

وفي هذا السياق، يحذّر جزماتي من مخاطر تسريع الانفتاح الاقتصادي في اقتصاد هش، إذ قد يتحول إلى انفتاح غير متوازن تستفيد منه شرائح ضيقة قادرة على استغلال الفرص المحدودة، بينما يتحمل معظم المجتمع كلفة التضخم وارتفاع الأسعار، خصوصاً في ظل تقليص الدعم من دون بدائل اجتماعية فعالة.

كذلك يرى أن ضعف القطاع المصرفي والبنية التحتية، إلى جانب محدودية قدرات الشركات المحلية، قد يفتح الباب أمام هيمنة رؤوس أموال خارجية على قطاعات أساسية من دون خلق قيمة مضافة محلية أو فرص عمل واسعة.

ويؤكد جزماتي أن انعكاس تحرير السوق على سوق العمل ليس أمراً تلقائياً، بل يبقى مشروطاً بتوافر بيئة إنتاجية قادرة على تحويل الانفتاح إلى وظائف فعلية، تبدأ بكهرباء مستقرة وتمويل مصرفي حقيقي وإطار تشريعي واضح، مروراً ببناء مؤسسات رقابية تضمن المنافسة العادلة وتحدّ من الاحتكار، وصولاً إلى الاستثمار في مهارات القوى العاملة عبر برامج تدريب تستهدف قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا والزراعة الحديثة والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية، محذراً من أن غياب هذه الشروط قد يجعل تحرير السوق يقتصر على زيادة أرباح بعض المستثمرين من دون أي تحسن حقيقي في أوضاع العمالة أو فرص التشغيل المستدامة.

 

فرص السوق وتحفظات المستثمرين

من جانبه، يقول رجل الأعمال محمود الذرعاوي لـ”المدن” إن “إجراءات تحرير السوق أعطت إشارة أولية إيجابية بأن سوريا تتجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وجذباً للاستثمار، إلا أن أثرها الفعلي على قرارات المستثمرين ما يزال محدوداً، لأن التحرير بقي حتى الآن أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى منظومة متكاملة قابلة للتطبيق”. فصحيح أن هناك تحسناً في مرونة الاستيراد والتسعير، لكن ذلك لم يترافق مع حوكمة واضحة تحفظ حقوق المستثمرين، ولا مع استقرار تشريعي يتيح التخطيط طويل الأجل، ولا مع خدمات حكومية سريعة وفعالة، إضافة إلى غياب دراسة جدية لأثر التحرير الجمركي على الصناعات المحلية.

ويشير الذرعاوي إلى أن الانفتاح الجمركي غير المدروس، ولا سيما في ظل غياب أي حماية مؤقتة للإنتاج الوطني، أدى إلى دخول بضائع بأسعار تنافسية تفوق قدرة المنتج المحلي، ما أحدث خلخلة في بعض القطاعات الإنتاجية ودفع عدداً من المصانع إلى تقليص نشاطها أو التوقف، لعدم منحها الوقت الكافي للتأقلم مع المنافسة. ونتيجة لذلك، بقي المستثمر متردداً، إذ يرى أن التحرير خطوة ضرورية لكنها تحتاج إلى منظومة تنفيذية متوازنة تحمي الإنتاج الوطني وتشجع رأس المال بدلاً من تعريضه للمخاطر.

وعلى صعيد العقبات، يلفت الذرعاوي إلى أن غياب وضوح الأدوار بين الجهات الاقتصادية، وتداخل الصلاحيات بين وزارة الاقتصاد وهيئة الاستثمار والصندوق السيادي، يربك المستثمر ويضعف الثقة، إلى جانب فجوة واضحة في الخبرات التنفيذية، إذ ينعكس ضعف التجربة الإدارية لدى بعض المسؤولين على جودة القرار وسرعة الإنجاز.

كذلك يلفت رجل الأعمال إلى تهميش القطاع الخاص وغياب الحوار الحقيقي مع رجال الأعمال، إضافة إلى بيئة قانونية غير مستقرة تتغير تشريعاتها بسرعة من دون منح فترات كافية للتكيف، فضلاً عن استمرار الانفتاح الاستيرادي في وقت لم تتهيأ فيه المنشآت الصناعية للمنافسة، ما أدى إلى تراجع الطاقة الإنتاجية المحلية وترك انطباعاً بأن الدولة لا تحمي صناعاتها.

ورغم التحسن الأمني النسبي، يؤكد الذرعاوي أن المستثمر الخارجي ما يزال بانتظار قصة نجاح واضحة قبل الدخول بقوة. وفي المقابل، يرى أن فرص القطاعات الإنتاجية خلال السنوات الثلاث المقبلة تبقى كبيرة إذا تم ضبط العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص، متوقعاً أن تتقدم الزراعة والصناعات الغذائية بفعل الطلب المحلي والأسواق التصديرية الجاهزة، إلى جانب الطاقة البديلة والصناعات الكهربائية كحلول سريعة لأزمة الكهرباء، والصناعات التحويلية كالأدوية والبلاستيك والبطاريات والتغليف، إضافة إلى مواد البناء وإعادة الإعمار، والخدمات اللوجستية والنقل، مستفيداً من موقع سوريا بعد تحرير السوق.

 

تحرير السوق: وسيلة… لا غاية

خلاصة القول، لا يمكن التعامل مع تحرير الاقتصاد كغاية بحد ذاته، بل كأداة لإعادة بناء اقتصاد منتج وقابل للحياة، وفي هذا المسار فإن نجاح التجربة السورية مرهون بقدرة الدولة على تنظيم السوق لا الانسحاب منه، وبقدرة القطاع الخاص على الانتقال من عقلية الريع والاحتكار إلى منطق الإنتاج والمنافسة.

أما عن التحرير الاقتصادي فقد يكون بوابة التعافي، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عامل ضغط إضافي إذا لم يُدار ضمن رؤية واضحة، تراعي الواقع المحلي، وتوازن بين متطلبات السوق وحاجات المجتمع. وبين هذين المسارين، يقف الاقتصاد السوري اليوم عند مفترق حاسم، ستكون نتائجه محددة لسنوات مقبلة.

https://www.almodon.com/economy/2025/12/31/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D8%AA%D9%85-%D8%B9%D8%A7%D9%85-2025-%D8%A8%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%87%D8%B4-%D9%88%D8%B3%D9%88%D9%82-%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%A9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار