لماذا تعيد تركيا إحياء سكة حديد الحجاز؟

 الجزبرة، أحمد درويش، Published On 5/5/20265/5/2026

لماذا تعيد تركيا إحياء سكة حديد الحجاز؟

معرض سكة حديد الحجاز.. شهادة بصرية على أعظم مشاريع النقل في عصرها

 أحمد درويش، Published On 5/5/20265/5/2026

الكاتب: ساهم المسلمون من مختلف أنحاء العالم في تمويل خط سكة الحجاز ما جعله مشروعا عابرا للحدود بالمعنى الروحي والسياسي (الجزيرة)

قراءة في مشروع يتجاوز التاريخ إلى الجغرافيا السياسية

لم تعد مشاريع البنية التحتية في الشرق الأوسط مجرد أدوات للتنمية، بل تحولت إلى مفاتيح لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ.

وفي هذا السياق، يعود مشروع سكة حديد الحجاز إلى الواجهة، لا كفكرة تاريخية تستعاد، بل كخيار إستراتيجي يعكس تحولات عميقة في حسابات الدول وطموحاتها.

فبين إرث عثماني ثقيل الحضور وواقع إقليمي متغير، تسعى تركيا إلى توظيف هذا المشروع لإعادة تموضعها في قلب شبكة التجارة الإقليمية، وربط الماضي بالحاضر ضمن رؤية تتجاوز الرمزية إلى حسابات الجغرافيا السياسية والمصالح الاقتصادية.

فما الذي تسعى تركيا إلى تحقيقه عبر إحياء مشروع سكة حديد الحجاز من جديد في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد تحولات كبرى؟

مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، طمرت سكة حديد الحجاز تحت رمال الصحراء، وبموجب اتفاقية سايكس بيكو، كانت فرنسا وبريطانيا قد اقتسمتا بالفعل الجزء الغربي من غرب آسيا فيما بينهما

من حلم عبد الحميد إلى مشروع على وشك التنفيذ

تعود جذور المشروع إلى مطلع القرن العشرين، حين أطلق السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، في عام 1900، مشروع سكة حديد الحجاز في محاولة لربط أطراف الدولة العثمانية الممتدة وتعزيز وحدتها.

ولم يكن الهدف مجرد تسهيل رحلة الحج فقط، رغم أهميتها، بل كان المشروع يحمل أبعادا سياسية وعسكرية واضحة. إذ سعى السلطان عبد الحميد إلى تقوية السيطرة المركزية بين ولايات الدولة العثمانية، وتسريع نقل القوات، إضافة إلى تعزيز فكرة “الجامعة الإسلامية”.

خلال ثماني سنوات فقط، وصل الخط إلى المدينة المنورة في عام 1908، قاطعا مسافة تزيد على 1300 كيلومتر، ومختصرا رحلة الحج من أسابيع طويلة إلى أيام معدودة. وقد ساهم المسلمون من مختلف أنحاء العالم في تمويله، ما جعله مشروعا عابرا للحدود بالمعنى الروحي والسياسي.

لكن هذا الحلم لم يدم طويلا، حيث تسارع انهيار الدولة العثمانية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ومع انطلاق الثورة العربية التي دعمتها بريطانيا بقوة.

وأصبحت سكة الحجاز هدفا رئيسا لعمليات التخريب التي حظيت بدعم حاسم من لندن. ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، طمرت سكة حديد الحجاز تحت رمال الصحراء، وبموجب اتفاقية سايكس بيكو، كانت فرنسا وبريطانيا قد اقتسمتا بالفعل الجزء الغربي من غرب آسيا فيما بينهما.

ويعد خط سكة حديد الحجاز من أبرز المشاريع التاريخية في المنطقة، إذ امتد بطول نحو 1322 كيلومترا بين الشام والمدينة المنورة، قبل أن يصل لاحقا مع الإضافات إلى نحو 1900 كيلومتر. وهو الخط الذي تسعى اليوم تركيا إلى إحيائه من جديد للربط السككي مع دول المنطقة مثل سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية.

أكد وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو أن تركيا تخطط لتمديد خطوط السكك الحديدية إلى مدينة حلب السورية، في إطار رؤية أوسع لإحياء خط الحجاز

تركيا تعقد اتفاقا ثلاثيا كبداية لإحياء المشروع

بعد أكثر من قرن، عاد المشروع إلى الواجهة، لكن هذه المرة في سياق إقليمي مختلف تماما. ففي 11 سبتمبر/أيلول 2025، عقدت تركيا وسوريا والأردن اجتماعا فنيا في العاصمة الأردنية عمان، تمهيدا لإطلاق تعاون مشترك لإحياء سكة الحجاز.

الاجتماع لم يكن بروتوكوليا، بل أسفر عن تفاهمات عملية، أبرزها العمل على إعادة تأهيل الأجزاء المتضررة من الخط داخل الأراضي السورية، واستكمال نحو 30 كيلومترا مفقودة بين دمشق والحدود الأردنية. كما تم الاتفاق على تطوير التعاون في مجالات النقل البري والسككي، وإعادة تشغيل خطوط الشحن التي توقفت لأكثر من 13 عاما.

هذه الخطوة تعكس إدراكا متزايدا لدى الدول الثلاث بأن إعادة الربط الجغرافي لم تعد ترفا، بل ضرورة اقتصادية، خاصة في ظل التغيرات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية.

تصريحات رسمية ترسم ملامح المشروع

التوجه نحو إحياء المشروع لم يقتصر على التفاهمات الفنية، بل عززته تصريحات رسمية تعكس جدية الطرح. فقد أعلن وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودي صالح الجاسر أن دراسة مشروع الربط السككي مع تركيا، مرورا بالأردن وسوريا، ستستكمل قبل نهاية العام.

وقال الجاسر، في تصريحات لقناة “العربية”، إن المشروع من شأنه أن يعزز التكامل الإقليمي، ويدعم حركة التجارة، ويطور منظومة النقل البري المستدام بين دول المنطقة. وأشار إلى أن الشبكة الحديدية في السعودية تصل بالفعل إلى الحدود الأردنية، ما يجعلها نقطة انطلاق طبيعية للتوسع نحو الشمال.

في المقابل، أكد وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو أن تركيا تخطط لتمديد خطوط السكك الحديدية إلى مدينة حلب السورية، في إطار رؤية أوسع لإحياء خط الحجاز.

ولم يتوقف الطموح عند هذا الحد، بل أشار إلى إمكانية توسيع المشروع مستقبلا ليصل إلى سلطنة عمان، ما يعني ربط شبه الجزيرة العربية بأوروبا عبر تركيا.

وفي تصريحات أخيرة له، قال وزير النقل التركي: “في الفترة القادمة سنصل عبر خط القطار السريع إلى ميناء البصرة في العراق، فقد أنشأ السلطان عبد الحميد خط سكة حديد الحجاز، ونحن بدورنا سنقوم بربط هذا الخط هناك لنصل في واقع الأمر إلى سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية”.

كما نظمت السفارة التركية في عمان رحلة ميدانية جمعت أتراكا وأردنيين على متن سكة حديد الحجاز في الأردن، في خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على الإرث التاريخي المشترك وتعزيز التبادل الثقافي بين شعوب المنطقة.

هذه التصريحات والمواقف المتتابعة تكشف أن المشروع لم يعد مجرد فكرة، بل هو جزء من رؤية إستراتيجية أوسع لإعادة تشكيل شبكة النقل الإقليمي، بتوافق عدد لا بأس به من دول المنطقة، خاصة تلك التي تربطها مصلحة مشتركة لإعادة إحياء خط سكة حديد الحجاز.

التحدي الأكبر يبقى سياسيا، حيث ينظر إلى المشروع من قبل بعض القوى الدولية والإقليمية على أنه قد يغير موازين النفوذ في المنطقة

لماذا تهتم تركيا بهذا المشروع؟

بالنسبة لتركيا، يحمل المشروع أبعادا تتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية. فأنقرة تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجيستي يربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

ومن خلال هذا الخط، يمكن لتركيا أن تعزز تجارتها مع الدول العربية، حيث بلغ حجم التبادل معها نحو 27.7 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إذا تحسنت البنية التحتية.

كما يمنح المشروع تركيا منفذا مباشرا نحو البحر الأحمر عبر العقبة، ما يفتح أسواقا جديدة في أفريقيا، ويقلل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية التي تعاني من اضطرابات متكررة.

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يسهم الخط في تقليل تكاليف النقل وتسريع حركة البضائع، خاصة أن تكاليف التجارة في المنطقة العربية تصل إلى نحو 148% من قيمة البضائع، وفق تقديرات دولية.

أما سياسيا، فيعزز المشروع نفوذ تركيا الإقليمي، ويمنحها دورا محوريا في إعادة إعمار سوريا، التي تقدر بنحو 400 مليار دولار. ما يفتح فرصا كبيرة أمام الرغبة التركية في المساهمة في هذه العملية، بما تمتلكه شركاتها من خبرات في أعمال البناء والمقاولات وتأهيل المطارات والموانئ وخطوط السكك الحديدية.

تحديات ضخمة أمام المشروع

رغم الطموح الكبير، فإن مشروع إحياء خط سكة حديد الحجاز يواجه عقبات معقدة. من بينها التمويل، حيث تتطلب إعادة تأهيل الخط واستكماله استثمارات ضخمة، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة في بعض الدول المعنية.

كما توجد تحديات تقنية، مثل اختلاف أنظمة السكك الحديدية ومعايير التشغيل، وهو ما يتطلب تنسيقا عالي المستوى. وتبرز أيضا المخاطر الأمنية، خاصة في المناطق التي لا تزال تعاني من عدم الاستقرار، مثل أجزاء من سوريا.

لكن التحدي الأكبر يبقى سياسيا، حيث ينظر إلى المشروع من قبل بعض القوى الدولية والإقليمية على أنه قد يغير موازين النفوذ في المنطقة.

وأقرب مثال على ذلك توقيع الإمارات العربية المتحدة والأردن اتفاقا لإنشاء مشروع سكك حديدية ضخم تحت اسم “سكة العقبة”، ويهدف إلى ربط مناطق التعدين في الأردن بميناء العقبة بطول يقارب 360 كيلومترا، وباستثمار يقدر بنحو 2.3 مليار دولار.

ويشمل التصور المستقبلي لهذا المشروع الإماراتي ربط شبكات النقل في الخليج بالأردن، وصولا إلى الموانئ على البحر المتوسط، إذا توفرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة.

وهنا تتجلى العقبات الحقيية أمام المشروع التركي لإحياء سكة الحجاز في المنطقة، فالمنافسة على ممرات التجارة أصبحت جزءا من صراع أوسع يعرف بـ”حرب البنية التحتية”، حيث تسعى كل قوة إلى فرض مساراتها الخاصة.

إحياء سكة حديد الحجاز ليس مجرد مشروع نقل، بل هو انعكاس لتحولات أعمق في المنطقة. فهو يجمع بين التاريخ والجغرافيا والسياسة في معادلة واحدة، ويكشف عن سعي تركيا إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي

سيناريوهات مشروع سكة الحجاز بين الحلم والواقع

أمام هذا المشروع عدة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: النجاح التدريجي، حيث يتم تنفيذ المشروع على مراحل، بدءا من إعادة تشغيل الخطوط الحالية، ثم التوسع تدريجيا نحو ربط شامل.

السيناريو الثاني: التعثر بسبب التحديات المالية والسياسية، ما قد يؤدي إلى تأجيل المشروع أو تقليص نطاقه.

السيناريو الثالث: التحول إلى مشروع إقليمي أوسع، إذا انضمت إليه دول أخرى، ما قد يجعله جزءا من شبكة نقل عالمية تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.

وتبقى الكلمة الفصل في هذا المشروع لتطورات الأيام المقبلة، في ظل تسارع التحولات الإقليمية التي ستحدد أيا من هذه السيناريوهات سيغادر حيز الاحتمال ليصبح واقعا قابلا للتطبيق.

إحياء سكة حديد الحجاز ليس مجرد مشروع نقل، بل هو انعكاس لتحولات أعمق في المنطقة. فهو يجمع بين التاريخ والجغرافيا والسياسة في معادلة واحدة، ويكشف عن سعي تركيا إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي من خلال أدوات اقتصادية وإستراتيجية، في لحظة تتداخل فيها حسابات التجارة مع رهانات النفوذ وإعادة رسم طرق الإمداد العالمية.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان المشروع سينجح أم لا، بل كيف سيعاد تشكيل المنطقة من خلاله، ومن سيحسن توظيفه ضمن سباق الممرات الاقتصادية الصاعد؟

فبين الماضي الذي يلهم، والحاضر الذي يفرض، والمستقبل الذي يعاد تشكيله على إيقاع المصالح، تبدو سكة الحجاز مرة أخرى على موعد مع التاريخ، لكنها هذه المرة لا تعود كذكرى، بل كأداة فاعلة في صناعة موازين قوى جديدة قد ترسم ملامح الشرق الأوسط لعقود قادمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

https://www.aljazeera.net/blogs/2026/5/5/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%B3%D9%83%D8%A9-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AF

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار