تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي بين الماضي والحاضر

الثورة – ميساء العلي – بتول عبدو:

تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي بين الماضي والحاضر

# صحيفة الثورة في 27 تشرين ثاني , 2023 بتوقيت دمشـــق

الثورة – ميساء العلي – بتول عبدو:

غالباً ما نختصر الحديث عن دور الدولة في سورية بالجانب الاقتصادي، فيما عملياً هذا الدور امتد ليشمل على مدار العقود الماضية مختلف نواحي الحياة اليومية، وذلك في إطار ما عرف بمصطلح “الدولة الأبوية”، حيث أسهم الدور المذكور لسنوات عدة في توفير الخدمات شبه المجانية للمواطنين، وتوفير الحد الأدنى من احتياجات الطبقات الفقيرة وصاحبة الدخل المحدود، فضلاً عن دعم الأنشطة الاجتماعية والثقافية، والتي وفرت مناخاً ساعد بشكل ما شريحة اجتماعية واسعة على العمل لتحقيق مصالحها.

الدور السياسي الأهم

في محاضرة بكلية الاقتصاد بدأ الأستاذ في كلية الاقتصاد الدكتور غسان إبراهيم مخالفاً وجهة نظر زميله أستاذ التحليل الاقتصادي الدكتور عابد فضلية حول دور الدولة بمقولة ابن خلدون في القرن الرابع عشر “الدولة صورة العمران والمجتمع مادة العمران”، أما ماركس في القرن التاسع عشر فقال “الدولة لجنة تنفيذية عند البرجوازية”، لكنه لم يدخل بمن هو الأصح.
اعتمد إبراهيم منطق البحث العلمي في عرض ورقته البحثية باعتباره في حرم كلية الاقتصاد بالجامعة، موضحاً أن طبيعة الدولة، أو شكل الحكم السياسي، أو الهوية السياسية للدولة، هي متحول مستقل وكل أدوراها الاقتصادية وغير الاقتصادية هي متغيرة.

هذا وقد انطلق إبراهيم بورقته من تحديد شكل الحكم أو النظام السياسي للدولة، فدور الدولة يتغير بتغير طبيعتها السياسية وهي ليست حيادية، بل محكومة بميزان قوى اجتماعي اقتصادي ثقافي سياسي، وبالتالي فهي موضع رهان ومحل صراع قوى طبقية يفوز فيها الأقوى وربما الأغنى، ليقول “إن الدور الاقتصادي للدولة على أهميته- كما ذكر الدكتور فضلية- إلا أنني شخصياً لا أعتبره معياراً أو مثالاً يحتذى لأهم أدوار الدولة، فلعل دور الدولة السياسي هو الأهم بالنسبة للفرد والمجتمع.”

وعلى اعتبار أن محاضرته حاكت طريقة عرض البحث العلمي فقد حدد أهدافها من خلال عدد من النقاط، أولها النظر لدور الدولة في الشأن السياسي كمسار حرج من حيث الأهمية والفاعلية وثانياً: ضرورة تحديد الوضع الحقيقي والنافع لهوية الدولة، حيث بناء على هذه الهوية نقيم الدور الاقتصادي، والأهم هو إبراز دور الدولة بوصفها دولة في كل الحقول غير الاقتصادية، بالرغم من أن المعجزات الاقتصادية في حكم المستحيل اليوم بدون الدولة، وحدد بالهدف الرابع أهمية إعادة التكامل والتجانس بين المصالح العامة والخاصة، والعام والخاص فإنتاج الثروة الوطنية وتحقيق الرخاء المادي والتطور الروحي والأخلاقي من واجبات الطرفين.

الباحث رأى أن الأرقام والإحصائيات الاقتصادية على أهميتها لا تعني شيئاً، وإنما بآثارها وتداعياتها ومضاعفاتها في المجال غير الاقتصادي، فإذا قلنا زادت الثروة الوطنية يجب أن ينعكس ذلك على الإنفاق مثلاً على البحث العلمي والصحة والتعليم.

المعيار الاقتصادي

تماشى إبراهيم مع ما طرحه فضلية حول دور الدولة في الشأن الاقتصادي في الماضي والحاضر، معتبراً أن سورية كانت أول نمر آسيوي في الخمسينيات واليوم أصبحت “نمراً جريحاً” وأن تدخل الدولة منذ الخمسينيات وحتى اليوم لم ينعكس على الجوانب غير الاقتصادية كما ينبغي أن يكون.
ليدخل فيما بعد بمضمون ورقته البحثية التي قدم فيها مجموعة من التساؤلات في مقدمة البحث منها على سبيل المثال لا الحصر، لماذا تمحور دور الدولة تاريخياً حول الاقتصاد؟ وما هو معيار دور الدولة الاقتصادي؟ هل هو الملكية أين دور الأفراد والمجتمع والسوق في هذا التدخل؟ هل يوفق هذا التدخل بين المصالح العامة والخاصة أي الصراع الخفي والعلني بين العام والخاص.

أعادنا في القسم الأول إلى تاريخ دور الدولة والذي كان أبوياً، ودور الكنيسة في ذلك، ليطرح فيما بعد تساؤلاً حول معيار دور الدولة في الشأن الاقتصادي، والذي اعتبره معياراً مركباً ومعقداً، له بعد فني كمي مالي اقتصادي وبعد كيفي نوعي.

لكنه رأى أن معياره في الجانب الكيفي والنوعي أكثر من الاقتصادي، بمعنى نريد الانتقال من سد الحاجات الفيزيولوجية الطبيعية كالطعام والشراب والسكن إلى حاجات البحث العلمي والتفكير والتأمل والشعر والأدب والسياحة، وهذا يقيم أثر الدور الاقتصادي على الحقول الأخرى.

تطرق إبراهيم إلى أهمية دور الطبقة الوسطى التي تقود أي اقتصاد في العالم باعتبار عدد أفرادها أكبر من أفراد الطبقة العليا من أثرياء وطبقة الفقراء، مشيراً إلى أن هذه الطبقة في طريقها للانحدار والاختفاء في سورية بعد الحرب.

وحسب الباحث فإن الدور الاقتصادي يتم تقييمه بانعكاساته ومضاعفاته وليس بكبره أو صغره، وأن مهمة الدولة ليس فقط للقطاع العام بل لابد أن تتدخل لجعل الإبداع والابتكار حالة عامة.

كما ركز على إبراز دور الأفراد أي قطاع خاص، لكنه بنفس الوقت قال: إن اقتصاد السوق الحر “خرافة اقتصادية” فليس هناك من اقتصاد حر على الإطلاق، مع العلم أن السوق الطبيعية العادية كانت سوقاً تسد احتياجات الناس، وكان الاحتكار والغش والتدليس مداناً أخلاقياً، في حين أن السوق الحرة أول ما استبعدت الأخلاق وعقلنة مصالحها، أي الربح وإطلاق الحكم الرشيد على الشركات، وكل ذلك مصطلحات لشرعنة أرباحها ومصالحها من قبل المواطنين.

الباحث انتهى بمجموعة من النتائج منها “لا معجزات اقتصادية على الإطلاق من دون دور الدولة”، والوظيفة النبيلة للدولة في العصر الحديث يجب أن تكون أبعد من حصرها بالإنتاج والرخاء المادي لأفرادها وإنما أبعد من ذلك “إنتاج شعب حر ومستقل ومبدع”.

والتوصية الأهم- بحسب إبراهيم “ضرورة النظر إلى دور الدولة في الحاضر والمستقبل في كل المجالات الاقتصادية وغير الاقتصادية، وأن دور الدولة ما زال خصباً ومثمراً.

من جانبه أستاذ التحليل الاقتصادي الدكتور عابد فضلية قال: إن دور الدولة السورية دائماً إيجابي في المجال الاقتصادي، كحال الكثير من الدول التي تتدخل بنسب معينة باقتصادها كمساعدة اقتصادية واجتماعية، وأن حجم تدخل الدولة بالاقتصاد يعود لفكر الإدارة السياسية الحاكمة من جهة، ولهوية الاقتصاد من جهة أخرى، أي هل هي هوية زراعية أو صناعية أو تجارية؟ وفي سورية هوية الدولة جزء من الكيان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وأضاف: إذا ما عدنا إلى تدخل الدولة بالاقتصاد عبر التاريخ ومنذ عام ١٩٦٣ حتى اليوم، فإن الهوية السياسية لسورية هي دولة متدخلة بالمعنى الإيجابي، حيث هناك عدة أصناف للدول من حيث الاقتصاد السياسي، فالدول الحرة لا تتدخل بالاقتصاد، وإنما فقط بالأمن والدفاع والقضاء، وليس لها دور في الحياة الاقتصادية، وهناك دول منتجة كالاتحاد السوفييتي، حيث تتدخل الدولة بالإنتاج والجميع يعمل لدى الدولة، أما في سورية فنحن في الوسط دولة لها فكر سياسي منفتح وتدخلات بالمعنى الإيجابي من خلال إدارة الاقتصاد ومن خلال القطاع العام.

الدعم الاجتماعي

وقال فضلية: إن هوية الاقتصاد السوري زراعية أولاً وثانياً وثالثاً، وفيما بعد يمكن التحول إلى صناعة تحويلية، ليختم كلامه بالقول: إن دور الدولة كان دائماً إيجابياً، إلا أنه لم يكن إيجابياً، كما يجب أن يكون، نتيجة الظروف وسوء الإدارة والتخطيط والفساد، فعندما نتكلم عن دور الدولة يجب أن نتحدث عن اقتصاد السوق الاجتماعي الذي طرح في العام 2005، ووافق عليه المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي كنهج، لكن بشروط، إلا أن الحكومة آنذاك نفذت شروط السوق بشدة وبتطرف، ولكنها لم تنفذ الجانب الاجتماعي لهذا الاقتصاد، واليوم يجب أن يكون تدخل الدولة بالدعم الاجتماعي.. والسؤال هل الدعم الاجتماعي الذي يقدم من خلال الموازنة العامة للدولة يذهب لمستحقيه؟ الجواب عند الحكومة.

https://thawra.sy/?p=512985

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 2 =

آخر الأخبار