الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول العربية

الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول العربية
الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

 

 

 

 

إبراهيم نمر: النور ـ عن كلنا شركاء:
الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول العربية وفي سورية كان العنوان الختامي لندوات جمعية العلوم الاقتصادية السورية، إذ أكد الدكتور مصطفى الكفري عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، حاجة سورية إلى الاستثمار الأجنبي لحل جزء من مشكلاتها الاقتصادية، مشدداً على أن الأوَّلية بالنسبة إليه هي للاستثمار المحلي أولاً، ثم العربي، ثم الأجنبي.
وفي آثار الاستثمار الأجنبي المباشر على اقتصاد الدول المضيفة، أشار د. الكفري إلى أن النقاش ما يزال مستمراً بين الاقتصاديين حول أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر في اقتصاد الدول المضيفة، إذ يؤيد فريق استقدام الرأسمال الأجنبي نظراً لحاجة الدول إليه، وفريق آخر يحذر من تشجيعه، ويرى أنه ما هو إلا نوع من الاستعمار الجديد الذي يهدف إلى استغلال الفائض الاقتصادي للعالم النامي ونهبه.
الاستثمار الأجنبي بديل للقروض الخارجية:
يقول الدكتور الكفري إن هناك آثاراً إيجابية محتملة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وليس من الحكمة رفضها. ومن المزايا المحتملة لها:
أولاً أن تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر لا يشكل عبئاً على الاقتصاد المضيف، بل هو بديل ناجح للقروض الخارجية.
وثانياً إن الاستثمارات الأجنبية تسهم في سد أربع فجوات رئيسية في اقتصاد الدول المضيفة، وهي (فجوة المدخرات المحلية اللازمة لتمويل البرامج الاستثمارية الطموحة، وفجوة النقد الأجنبي اللازم لاستيراد الآلات والمعدات والخبرات الفنية التي تحتاجها عملية التنمية، والفجوة التكنولوجية لسد حاجة الدول النامية من الآلات، والفجوة بين الإيرادات العامة والنفقات العامة كالضرائب الجمركية وضرائب دخل على الأرباح).
وثالثاً استغلال موارد الدولة المضيفة.
ورابعاً تحسين ميزان المدفوعات، عن طريق توفير الرساميل والتكنولوجيا، وهما العنصران الضروريان للتنمية الاقتصادية.
وخامساً خلق مجموعة من الوفور الخارجية وطائفة من المنافع الاجتماعية لاقتصاد الدولة المضيفة، وأهمها زيادة الرأسمال الاجتماعي، وزيادة القيمة المضافة، وخفض تكاليف الإنتاج المحلي.
الآثار السلبية للاستثمارات الأجنبية:
أما الآثار السلبية المحتملة لهذا الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد قدمها د. الكفري من خلال ستة انتقادات، وهي:
أولاً صعوبة توافق استراتيجية المستثمر الأجنبي مع استراتيجية التنمية في الدول النامية من حيث أوليات الاستثمار، فقد تتجه الاستثمارات الأجنبية في الدول النامية نحو القطاعات الهامشية التي تدر ربحاً وفيراً وسريعاً ولا تخدم عملية التنمية ( مثل النشاطات السياحية، والتجارية، والمصرفية… ).
وثانياً قد يؤدي اختلال توازن علاقات القوى بين أي شركة دولة عملاقة ودولة نامية إلى مساومة غير متكافئة بينهما، إذ إن المستثمر الأجنبي يملك من القوى الاحتكارية والقدرات المالية والتكنولوجية ما يفوق قوة معظم الدول النامية، ما ينتج غبناً وإجحافاً بحقوق الطرف الآخر ومكاسبه.
وثالثاً قد تؤدي مركزية اتخاذ القرارات للشركة المتعددة الجنسيات في دولة المقر إلى الميل لاستيراد المواد والسلع والكفاءات البشرية وغيرها من عوامل الإنتاج من مشاريع الشركة الأجنبية في الخارج، رغم وجودها في السوق المحلية.
ورابعاً قد تؤثر الاستثمارات الأجنبية سلباً على موازين مدفوعات الدول النامية، نتيجة تحويل كل أرباحها أو معظمها إلى الخارج.
وخامساً يمكن أن تؤدي هذه الاستثمارات إلى منافسة حقيقية للصناعات المحلية، والتي تؤدي إلى انهيار الصناعات الوطنية الناشئة، أو الصغيرة الحج.
وسادساً يمكن أن تسهم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تفاقم تلوث البيئة، من خلال توطنها في بعض الأنشطة والصناعات الملوثة للبيئة.
وأكد الكفري أن للاستثمار الأجنبي المباشر أهمية كبيرة في اقتصادات الدول العربية، بسبب قلة مصادر تمويل المشاريع الاستثمارية في معظمها، وفي ظل تصاعد مؤشرات المديونية وتضخم تكاليف اقتراضها من العالم الخارجي وتجاوز أرقام خدمة الدين مبلغ الدين ذاته .
وفي حديثه عن الاستثمار الأجنبي المباشر في سورية أوضح د. الكفري أن حساب القيمة لوضع الاستثمار الأجنبي يتم استناداً إلى ستة عناصر رئيسية في الميزانية العمومية للشركة وهي ( حصة المستثمر الأجنبي من الرأسمال المساهم به، وحصته من الأرباح المحتجزة، والمطلوبات الطويلة الأجل والقصيرة الأجل، ومطالبات الموجودات الطويلة الأجل على المستثمر المباشر، والحسابات الدائنة )، موضحاً أن أهم تطورات الاستثمار الأجنبي المباشر في سورية هي أن معظم مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في سورية تركزت في محافظات دمشق وحلب وريف دمشق بنسبة 5,65% من إجمالي عدد المشاريع الأجنبية. أما توزع مشاريع الاستثمار الأجنبي في سورية حسب النشاط الاقتصادي فقد حاز نشاط الصناعات التحويلية على أعلى نسبة من عدد المشاريع 41%. وكانت أكبر مساهمة للاستثمار الأجنبي المباشر في سورية حسب جنسية المستثمر بعد السوريين هو الرأسمال القطري والكويتي ثم البريطاني والكندي.
مؤشرات مالية: وبناء على هذه النسب فإن حجم الناتج المحلي الإجمالي بلغ في سورية عام 2008 نحو 2291 مليار ليرة سورية. وبلغت نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 27,3%. بينما بلغت قيمة التكوين الرأسمالي في سورية عام 2008 نحو 408 مليارات ليرة، وبلغت نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر منها 36,18%. واستحوذ قطاع الاتصالات على أعلى نسبة إذ بلغت 10,4%، تلتها شركة الكابلات (الكبول) بنسبة 02,2%. وعليه فإن قيمة أسهم الاستثمار حسب النشاط الاقتصادي بلغت في قطاع الاتصالات أعلى نسبة 98,25% من رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر، يليها قطاع الوساطة المالية بنسبة 27,17%، ثم إمدادات الكهرباء بنسبة 28,11%، يليها قطاع الصناعات الاستخراجية بنسبة 98,6%، ثم الفنادق والمطاعم بنسبة 88,5%. كما بلغت أعلى نسبة استثمار أجنبي مباشر حسب التصنيف الصناعي في قطاع الاتصالات 28,29%، ثم قطاع المصارف بنسبة 42,19%، ثم قطاع التأمين بنسبة 97,10%.
أما من حيث قيمة الصادرات والواردات فقد بلغ عدد شركات الاستثمار الأجنبي المباشر في سورية التي وردت فيها بيانات عن الصادرات فقط 39 شركة، وبلغت أكبر قيمة صادرات نسبتها 77,24% من القيمة الإجمالية في نشاط الصناعات الغذائية. كما بلغت أعلى نسبة واردات شركات الاستثمار في سورية في شركات النفط بنسبة 67% من إجمالي الواردات.
وفي الختام أكد الكفري أن هناك آراء تقليدية وعديدة تؤكد أن المساهمات الأجنبية في رأسمال المشروعات المحلية (الاستثمار الأجنبي المباشر) غير مرغوب فيها بصفة عامة في الدول العربية ولا يجوز تشجيعها. إلا أن هناك آراء أخرى تدعو إلى جذب المزيد من هذا الاستثمار باعتباره الأداة التي يعول عليها في حل المشاكل التي تجابه اقتصاديات الدول العربية.
الاستثمار الأجنبي لا يؤسس لتنمية مستدامة: ويتابع الكفري على الرغم من اتفاقنا على أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر في اقتصادات الدول العربية، وبخاصة في الدول التي تعاني شح الموارد المالية المتاحة، فيجب أن لا نخدع أنفسنا، ونعدّ الاستثمار الأجنبي المباشر يحمل معه الحل الشامل، لكل المشاكل التي تعانيها اقتصاداتنا، لأن التنمية الشاملة والمستدامة في هذه الدول تقع في المقام الأول على عاتق الدول العربية وحدها. نجحت الاستثمارات الأجنبية في اختراق أسواقنا ومعظم أسواق الدول العربية، ومهما كان حجم هذه الاستثمارات تبقى الاستثمارات المحلية برأينا هي الأهم.