الاقتصاد والحدود ودين العولمة

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الاقتصاد والحدود ودين العولمة

هل تتحرك"العولمة الاقتصادية" نحو النهاية ؟

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

يعلمنا الاقتصاد السياسي أن منطق التطور الرأسمالي يقضي بالتوسع المستمر خارج الحدود هكذا بدأ تطور الرأسمالية قبل قرون حين انتقلت من حدود الدولة القومية والاقتصاد القومي إلى عالم (ما وراء البحار) في عملية من الزحف الاستعماري واسعة، شملت معظم مناطق جنوب الأرض بحثاً عن المواد الخام ومصادر الطاقة واليد العاملة الرخيصة والأسواق، وحدث هذا مجدداً قبل قرن حين خرج النظام الرأسمالي العالمي من طور المنافسة الحرة إلى طور لاحتكار (الطور الإمبريالي). واليوم، في سياق الثورة التقانية الكبرى وثورة المعلوماتية، يبلغ التوسع الرأسمالي ذراه، فيطيح بحدود جديدة: الحدود القومية داخل المعسكر الرأسمالي الميتروبولي نفسه، بعد أن أطاح منذ زمن بعيد بحدود المجتمعات التابعة المنتمية إلى مجموعة دول الجنوب. إن هذا النمط الجديد من التوسع هو ما يطلق عليه اسم العولمة (دين العولمة)، وسمته الأساسية هي توحيد العالم وإخضاعه لقوانين مشتركة تضع حداً فيه لكل أنواع السيادة الوطنية. ولقد بدأت علائم هذا المسار منذ ميلاد ظاهرة الشركات المتعددة الجنسية، قبل عقود، لتصل اليوم إلى نظام التجارة الحرة الذي أقر دولياً، بعد توقيع اتفاقيات (الغات)، وتم التعبير عنه مؤسسيا بقيام منظمة التجارة العالمية، وبقوانين وتدابير يلغي مفعولها مفعول القوانين المرعية في الدول الوطنية. [1]

في الوقت الذي يبلغ التوسع الرأسمالي ذراه ويطيح بالحدود القومية، نلاحظ تحيز الكاتب الفرنسي ريجيس دوبريه لفكرة الحدود ويقدم قراءة عميقة لها استناداً إلى رصيد من المعارف والوقائع والأديان والأساطير والفلسفات لكي يصل إلى رفض ” دين العولمة ” ويدافع عما يعتبره فضائل للتنوع والاختلاف الثقافي والإنساني. ويسجل دوبريه أنه ” من لا حدود له لا مستقبل له ” رافضاً دعاوى العولمة التي تسوق نفسها تحت بريق شعار أن الإنسانية ستكون أفضل من دون الحدود في حين أن العولمة “نفسها تستدعي إقامة الجدران المكهربة والمراقبة عن طريق الفيديو ضد تهديدات” منها التدفق البشري من الجنوب إلى الشمال، حيث تفرض عليه قيوداً صارمة ولكنها تمنح للسلع التي تنتجها حرية مطلقة في المرور إلى الجنوب.[2]

تعد ظاهرة العولمة التي نعيشها الآن طليعة نقل دائرة الإنتاج الرأسمالي ـ لهذا الحد أو ذاك. إلى الأطراف بعد حصرها كلياً ولمدة طويلة جداً في مجتمعات المركز ودوله. في الواقع لأن عالمية دائرة التداول والتبادل بلغت حد الإشباع بوصولها إلى أقصى حدود التوسع الأفقي الممكنة وشمولها مجتمعات الكرة الأرضية كلها ـ باستثناء جيوب هنا وهناك ـ كان لابد لحركية نمط الإنتاج الرأسمالي وديناميكيته من أن تفتح أفقاً جديداً لنفسها، وان تتجاوز حدوداً بدت ثابتة سابقاً عن طريق نقلة نوعية جديدة بدورها تأخذ الآن الشكل المزدوج لعولمة دائرة الإنتاج ذاتها ونثرها في كل مكان مناسب تقريباً على سطح الكرة الأرضية، من ناحية وإعادة صياغة مجتمعات الأطراف مجدداً، في عمقها الإنتاجي هذه المرة، وليس على سطحها التبادلي التجاري الظاهر فقط، من ناحية ثانية، أي إعادة صياغتها وتشكيلها على الصورة الملائمة لعمليات التراكم المستحدثة في المركز ذاته. [3]

ويقول دوبريه إن الحدود ” تصمد بتحولاتها وتبقى بتغيراتها فالثبات بداية الدمار”، والعالم إذا أصبحت له لغة واحدة وأخلاق واحدة ونكهة واحدة ستصاب الإنسانية بالملل والكآبة. فإذا تشابهت الأماكن فما الفائدة في الانتقال من مكان إلى آخر مختلف من شأنه أن يؤدي لانحسار ” الضجر القاتل ” بسبب هذا الاختلاف. ويضيف أن العولمة ” يزعجها كل استثناء ثقافي. للحدود سمعة سيئة. يكره القناص الأسوار أما الطريدة فتحبها “، حيث اللاحدودية محببة إلى المستفيدين منها وهم ثلاثة أصناف، الاقتصاديون والتقنيون والمستبدون.[4]

” قامت الولايات المتحدة الأمريكية بدور رئيسي في دعمها للرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي، وفي نجاح وتفوق الرأسمالية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ففضلاً عن كونها طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أكبر سوق وأكبر دولة مصدرة في العالم، جعلت الولايات المتحدة الأمريكية من بناء اقتصاد رأسمالي عالمي حجر أساس في توجهها دولياً على الصعيدين السياسي والاقتصادي والعسكري. ولما كانت أكبر دولة مصدرة فان لها مصلحة في الإنماء الاقتصادي على الصعيد العالمي لكونه يغذي نموها الاقتصادي. وكي تحافظ على أنظمتها ومؤسساتها الرأسمالية في وجه التهديدات التي تكونها أنظمة اجتماعية اقتصادية أخرى وأهمها الشيوعية السوفيتية، أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية الكثير على انتشار اقتصاديات رأسمالية في بلدان أخرى وعلى الأخص لدى عدويها السابقين ألمانيا واليابان وفي بلدان أخرى في أوروبا الغربية وفي شرق وجنوب شرق آسيا بالإضافة إلى مشروع مارشال في أوروبا الغربية وإلى المساعدات الضخمة التي قدمتها إلى شرق آسيا استعملت الولايات المتحدة مساعداتها الخارجية لمناطق أخرى في العالم النامي لتعزز المؤسسات والاقتصادات الرأسمالية حيثما أمكنها ذلك”. [5]

أهم البصمات بروزاً في الاقتصاد العالمي خلال العقود الثلاثة الأخيرة هي التدويل المطرد الذي أصبح يتسم به الاقتصاد العالمي، ويظهر التدويل في نظرة أولية كبروز متعاظم لدور العلاقات الاقتصادية الدولية، بالمقارنة مع النشاط الاقتصادي على الصعيد المحلي أو الوطني. وهذا واضح من خلال الدور المتعاظم الذي تقوم به وتقوده الشركات متعددة الجنسية العملاقة التي تمتد نشاطاتها وفروعها إلى مختلف أنحاء العالم، وتسيطر على شطر كبير ومتنام في عمليات إنتاج وتمويل وتوزيع الدخل العالمي. مع العلم أن هذا الدور يكون أحياناً غير مباشر وغير ظاهر، فأصبح من الممكن الآن الحديث عن مستوى اقتصادي عالمي متميز بآلياته ومشكلاته وآفاق تطوره على المستويات الوطنية، وتصبح النظرة للعالم باعتباره الوحدة الاقتصادية الأساسية.[6]

في الشرق الأوسط تطالب إسرائيل دائماً بحدود آمنة معترف بها “لكنها لا تحددها”. ويرى الكاتب اليساري الإسرائيلي أوري أفنيري إن لب السلام هو الحدود وهو ” ما لم توضحه أبداً الحركة الصهيونية فاتحة بذلك المجال لقضم لا نهائي للأراضي “. حيث قام أول رئيس وزراء إسرائيلي دافيد بن جوريون بمجازفة حين لم يأت في إعلان الاستقلال على ذكر للحدود ” في عام 1948. إن “المجازفة” تتضح في قول رئيسة وزراء إسرائيل السابقة جولدا مائير ” الحدود موجودة حيث يوجد اليهود لا حيثما يوجد خط على الخريطة “.[7]

وينتقد دوبريه حروب الولايات المتحدة على “الإرهاب” تحت شعار “عدالة بلا حدود” قائلا إنها انتهت إلى فشل ذريع معتبراً الحروب الاستباقية في أفغانستان والعراق وفيتنام وغيرها مكمن ” شقاء الإمبرياليين الذي يقودهم إلى الهلاك ” لأنهم لا يدركون أن الحدود ليست تحصيل حاصل. ويقول إن البشر حين لا يعرفون من يكونون يصبحون على خلاف مع الجميع ومع أنفسهم ” قبل كل شيء “، ويتسم سلوكهم بعدم المعقولية إذ يخطون إلى الأمام خطوتين وإلى الخلف خطوة.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

 كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

 

[1] – أنظر، عبد الإله بلقزيز، العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة؟ ص 97.

[2] – أنظر، ريجيسدوبريه، في مديح الحدود، ترجمة ديمة الشكر منشورات مجلة (الدوحة) القطرية، شبكة النبأ المعلوماتية، الثلاثاء 28أيار 2013.

[3] – د. صادق جلال العظم، ما هي العولمة؟ مجلة الطريق العدد رقم 4، تموز/آب 1997 ص 20.

[4]شبكة النبأ المعلوماتية، الثلاثاء 28أيار 2013.

[5] – بول سالم، الولايات المتحدة والعولمة: معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين، ص 84.

[6] – د. رمزي زكي، ظاهرة التدويل في الاقتصاد العالمي وآثارها على البلدان النامية، المعهد العربي للتخطيط بالكويت، الكويت 1993.

[7]– ريجيسدوبريه، في مديح الحدود، ترجمة ديمة الشكر، منشورات مجلة (الدوحة) القطرية.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة × ثلاثة =

آخر الأخبار