الدول العربية وتحديات العولمة الاقتصادية

 الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الدول العربية وتحديات العولمة الاقتصادية

 

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

ينظر العالم إلينا اليوم كأمة عربية واحدة لها حضارة عريقة ورغبة في بناء مستقبل أجيالها. ولابد من التكتل الاقتصادي العربي لمواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية الأمريكية والأفريقية والآسيوية والاميركالاتينية بدلاً من تكريس السياسات القطرية الضيقة. ولابد من اغتنام الفرصة لوضع أسس التعاون الاقتصادي العربي للدخول في النظام العالمي الجديد (العولمة)، ونحن نقترب من الألفية الثالثة للميلاد. ويمكننا الإشارة إلى عدد من الإجراءات التي بوساطتها يمكن مواجهة العولمة:

  1. دعم الإصلاحات الاقتصادية في الدول العربية وتأهيل الاقتصاد العربي للدخول في القرن الحادي والعشرين ضمن التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة.
  2. قيام سوق عربية لرأس المال وحركته في إطار الوطن العربي، وضع إطار قانوني وتشريعات جديدة تتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في الأسواق العالمية.
  3. حرية انتقال عناصر الإنتاج والإنتاج وقوة العمل والأشخاص ورأس المال فيما بين الدول العربية. إضافة إلى حرية التملك والإرث.
  4. توحيد السياسات النقدية والمالية والجمركية والنقل والترانزيت والتجارة الخارجية.
  5. خلق مرصد عربي اقتصادي اجتماعي مهمته تقييم واقتراح السياسات الاقتصادية العربية، وتحديد الاختلافات وعوامل تلافيها. وهذا يتطلب خلية استشارية تضم الخبراء العرب تكلف بالتفكير في السياسات الاقتصادية العربية في ظل المتغيرات الدولية. ويمكن أن يكون لجامعة الدول العربية دور هام في إنجاز مثل هذا الأمر.
  6. لابد من استشراف آفاق المستقبل ووضع تصور مستقبلي لموقع الوطن العربي في المحيط الإقليمي والدولي وتصور مفهوم محدد للأمن القومي العربي، وتوقع مدى إمكانية قيام السوق العربية المشتركة وما يرتبط بها من قضايا الحماية والدعم والمنافسة والحرية الاقتصادية[1].
  7. وضع إستراتيجية بناء القدرة التنافسية والتي تعد من أهم عناصر الإستراتيجية العليا للتنمية الشاملة في الوطن العربي.
  8. الارتقاء بالقدرات البشرية على مستوى الوطن العربي.

كما تتطلب المواجهة مع العولمة الرأسمالية والعدوانية الأميركية التي تسّيرها:

  • تصليب الأوضاع الداخلية العربية وضمان توجهها التكاملي والوحدوي،
  • تجميع كافة القوى الداعية إلى عولمة بديلة (العالمية) على مستوى العالم كله،
  • عالمية مناهضة للاستعمار المعولم الجديد ونظامه الاقتصادي الاستغلالي والعدواني،
  • عالمية تتعاضد فيها جهود كل القوى والشعوب والبلدان الساعية إلى نظام عالمي منصف ومتكافئ يحترم كل إنسان ويتفاعل مع كل الثقافات والإسهامات البشرية في بناء عالم آخر، عالم العدالة والحرية الحقيقية والازدهار الكامل لطاقات وإمكانيات كل الشعوب وكل مواطنيها. [2]

ويمكن أن يكون الدرس الذي تقدمه التجربة الصينية في تعاملها مع العولمة درساً هاماً بالنسبة لجميع الدول النامية والدول العربية خاصة. إذ تمكن هذا البلد من إطلاق عملية التنمية بجناحيها الاقتصادي والاجتماعي فنجح، واعتمد على إمكاناته وطاقاته الذاتية بالدرجة الأولى، كما حاول إصلاح بنى اقتصاده الاشتراكي من دون أن يدمرها فأصلح وأراد أن يتعامل مع العولمة بعقل مفتوح ومن موقع قوة الاقتصاد الصيني فأضحت سوقه جاذبة للاستثمارات الخارجية الخاصة والعامة.

إن عالم المستقبل هو عالم التكتلات الاقتصادية، عالم الشركات والاستثمارات الكبرى، عالم التقانة والمعلوماتية، عالم الإدارة القادرة والقرار النافذ. لذلك يتوجب على البلدان العربية أن تخطو خطوات حاسمة في استمرارية لا رجعة فيها لتحقيق هدف التكامل الاقتصادي العربي والوحدة الاقتصادية العربية التي بدونها لن يستطيع العرب بناء اقتصاد عربي قادر على البقاء والمنافسة في عالم الاقتصاد المعاصر.

ولا بد من بناء مؤسسات وطنية وأجهزة دولة منزهة إلى أكبر مدى ممكن عن مساوئ التبعية والاستبداد والفساد، المساوئ التي تقف دائماً عقبة أمام تنمية وتطور الدول العربية وتأمين استقلالها الفعلي. الأمر الذي يتطلب: [3]

  • رقابة شعبية دائمة على مؤسسات الدولة.
  • ضمان عمليات الانتخابات النزيه على كافة المستويات الوطنية والمحلية والقطاعية.
  • ضمان المحاسبة الشعبية المتواصلة.
  • ضمان حرية التعبير وازدهار وسائل إعلام حرة ومنفتحة على كل التيارات الشعبية ومستقلة عن السلطة التنفيذية والنفوذ الأجنبي.
  • المشاركة الشعبية الواسعة في القرارات المصيرية والرقابة الدائمة على السلطة التنفيذية ومختلف مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بتدعيم مؤسسات المجتمع المدني.
  • ينبغي الحرص على تفادي المطبّات المتضمنة في الدعوات الخارجية الخبيثة والمنافقة لبناء أنظمة تسمى ديمقراطية، لكنها في الواقع أنظمة تابعة وخاضعة للنفوذ الخارجي.
  • الالتزام الصارم بتطلعات وإرادة الشعب، من خلال آليات ديمقراطية مصانة ومضمونة في القانون وفي الممارسة.
  • الالتزام الصارم بمحاربة كافة مظاهر الفساد التي يجري تشجيعها من قبل الدول الرأسمالية القوية لربط النخب الحاكمة في هذه البلدان بهذه الدول.
  • الدفاع عن المصالح الحقيقية للشعوب.

إذاً لا بد أن يتم التمييز بصفاء عقل عربي واحد موحد في رؤيته وفهمه للأمور فهماً علمياً وموضوعياً بعيداً عن التعصب من جهة، وعن التجرد من القيم والمبادئ الروحية والأخلاقية من جهة ثانية، بين العولمة المراد شيوعها بصيغتها الأمريكية وما تنطوي عليه من انحرافات خطيرة، وبين عالمية تسعى إلى إشاعة قيم ومعايير إنسانية تتفق وتطلعات أمم الأرض وشعوبها نحو العدالة والحرية والسلام والاستقرار والتكافؤ في العلاقات الدولية.

من هنا تبدو أهمية مواصلة العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية البينية العربية، سعياً للوصول إلى تجمع أو تجمعات اقتصادية – سياسية ذات قدرة على مواجهة الاقتصادات القوية في العالم، في مرحلة العولمة والاجتياحات التجارية لمختلف مناطق العالم من قبل الكيانات الأقوى اقتصادياً. وفي ظل فشل محاولات الوحدة السياسية منذ أواسط القرن العشرين، وغياب الاندفاع نحو تجارب وحدوية جادة بعد ذلك، باستثناء تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في بداية السبعينات والتجربة اليمنية في مطلع التسعينيات الماضية، فإن مدخل العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية البينية العربية يتطلب استحداث شكل من أشكال السوق المشتركة، لمواجهة اتفاقات مناطق “التجارة الحرة” التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية فرضها على بلدان المنطقة، كل على حدة، لتكريس هيمنتها الاقتصادية، وبالتالي السياسية، عليها.

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

[1] – أنظر علي علي حبيش، المصدر السابق.

[2]  – تحديات تواجهها الساحة العربية في عصر العولمة الرأسمالية، دراسة للكاتب والصحفي الفلسطيني داوود تلحمي.

[3]  – المصدر السابق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة + أربعة =

آخر الأخبار