البترودولار كمحرك في العلاقات الدولية: سياسة الهيمنة والتهميش

 العميد د. كميل حبيب

البترودولار كمحرك في العلاقات الدولية: سياسة الهيمنة والتهميش

 العميد د. كميل حبيب

تعتبر الجيوبوليتيك واحدة من العوامل المهمة في تحديد مكانة النقط في العالم. فمن يحكم بالنفط، استخراجاً وتكريراً وتسويقاً، له تأثيرات على مجمل الجيوبولتيك العالمي. ومن بين هذه التأثيرات تذكر:

النفط والصراعات الدولية: يؤدي الصراع على النفط وحكم بعض الدول في حركة السوق العالمية إلى توترات سياسية واقتصادية ، وحتى نزاعات و حروب بين الدول.

النفط والاقتصاد الدولي: يعد النفط مصدراً رئيسياً للدخل الوطني للعديد من الدول، ولذلك فأي تغير في أسعار النفط يؤثر على الاقتصاد الدولي بشكل كبير.

النفط والتنوع الاقتصادي : إن الدول التي تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط تواجه صعوبات في تحقيق النمو المرتجى.

النفط والتحالفات الدولية: يمكن للدول المصدرة للنفط  استخدام هذه السلعة السلعة للتأثير على التحالفات الدولية ومعاقبة الخصوم.

خلاصة القول، إن أي تغيير يطرأ على أسعار النفط له تأثير كبير على سياسات الدول المصدرة والدول المستهلكة على حد سواء. لكن، ومن خلال البترودولار، أصبح  الدولار الأميركي عملة الدفع الأساسية في صناعة النفط عالماً، الامر الذي يسهل على واشنطن السيطرة على سوق العملات وتحقق، بالتالي، المزيد من النفوذ.

فالولايات المتحدة لا تتردد إطلاقا ً في استخدام البترودولار كأداة للضغط السياسي على الدول التي تعتمد على النفط والغاز للاستدامة الاقتصادية. هذا يعني المزيد من العقوبات الاقتصادية على كل من سورية وايران وروسيا المعارضة السياسات واشنطن.

فمع البترودولار، أصبح بإمكان الاحتياطي الفدرالي السعي إلى التوسع النقدي دون عوائق، خاصة وأنه يستطيع طباعة العملة الورقية دون حسيب أو رقیب . ولقد عملت واشنطن على تحفيز الدول استخدام الدولار الأميركي والاحتفاظ به، وكان لهذا الطلب المصطنع على الدولار يعتبر أمراً حيوياً لاقتصاد الولايات المتحدة بموجب اتفاقية البترودولار بينها والمملكة العربية السعودية وبين المملكة العربية السعودية. فبموجب هذه الاتفاقية اصبح الدولار مدعوماً بآليتين مختلفتين:

الاولى في أن الدولار أصبح يشار إليه عموماً بعملة بترو، مدعوماً بشكل فعّال بالنفط.

الثانية وتعني بشكل مباشر، وكما دلت الوقائع والأحداث التاريخية، استعداد واشنطن إلى استعمال القوة العسكرية ضد كل من يفكر حتى بالتخلي عن البرود ولار.

اليوم، يقوم النظام الاقتصادي العالمي على خلق الأزمات والحروب من أجل زيادة إنتاج النفط الخام والذي يقابله زيادة في ضخ الدولار إلى الأسواق . وعليه، يمكننا النظر إلى البترودولار  كمشروع سياسي استراتيجي، لا مجرد عائدات نفطية، كما أن له ابعاد عديدة نذكر منها:

تعزيز الهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأميركية على العالم.

تمكين الولايات المتحدة من فرض العقوبات الاقتصادية على الدول التي تخالف سياساتها.

يؤمن هذا الاتفاق اسقرار لحركة السوق العالمية، بحيث يمكن للدول المصدرة للنفط الحفاظ على استقرار إيراداتها الحالية عن طريق ضمان استقرار سعر النفط والحد من التقلبات في سوق النفط.

يؤمن هذا الاتفاق للدول المستوردة للنفط امدادات النفط الضرورية للاقتصادات العالمية وبالتالي تحقيق الاستقرار.

ساعد الاتفاق على إنشاء أسواق مالية عالمية مثل بورصة نيويورك والأسواق الآجلة للسلع مما أسهم في تطور الاقتصاد العالمي.

ولنظام البترودولار بعض النساوئ يمكننا إيجازها على النحو التالي :

تعرض الدول المصدرة للنفط للمخاطر في حالة تقلبات سوق النفط.

إن العلاقة بين الهيمنة الأميركية والبترودولار هي علاقة عضوية بين السياسة الخارجية الأميركية والاقتصاد العالمي. فمن خلال سيطرتها على الدولار وأسواق النفط تمكنت واشنطن من تعزيز نفوذها وزيادة قوتها الاقتصادية والعسكرية لدرجة أصبحت تحكم وتقرر التبايانات في توزيع الثروات العالمية.

وتشير العديد من الدراسات والتحليلات إلى انأن النفط والمصالح المالية للشركات النفطية قد لعبت دوراً مهماً وكبيراً في الحروب التي شاركت فيها واشنطن. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: الحرب على العراق (2003) ، الحرب على ليبيا (2011) ، الحرب في سورية  والحصار على ايران . هذا يؤكد أن النفط ليس سلاحاً هائلاً في أيدي الدول المنتجة، إذ تم استثمار أصول الدول البترودولارية  بشكل كبير في الغرب (حوالي 800 مليار دولار) مقابل ( 160 مليار ) مستثمرة في الاقتصادات الوطنية لهذه البلدان.

وهنا لا بد من التساؤل حول مستقبل البترودولار ، وهل يبقى سيد العملات؟ . برأينا، أن هذا الموضوع مثير للجدل. بشكل عام، إن البترودولار سيستمر في العمل لفترة طويلة نظراً لالتزام الدول بتجارة النفط بالدولار الاميركي، من جهة أخرى، قد يشهد المستقبل تحولاً نحو استخدام العملات الأخرى في تجارة النفط ، مثل اليوان الصيني أو اليورو الأوروبي أو الروبل الروسي. ومع ذلك، هناك عدد من العوامل والتحديات التي يمكن أن تؤثر على مستقبل البترودولار، منها:

تحول العالم نحو الطاقة المتجددة.

التنافس بين منتجي النفط.

الازمات السياسية والاقتصادية وعودة ظاهرة البجعة السوداء .

التحولات الجيوسياسية وأثرها على التحالفات الدولية.

بيع النفط السعودي للصين باليوان بدلاً من الدولار.

تحويل التبادل التجاري بين روسيا والهند الى العملات المحلية.

اتجاه البنوك المركزية العالمية إلى تنويع احتياطاتها من النقد الأجنبي والابتعاد تدريجياً عن الدولار.

تشغيل الصين لنظامها العالي الجديد البديل لنظام SWIFT الأميركي مع مجموعة شنغهاي للتعاون (2016).

كل هذا لا يصب في مصالح الدولار، وبالتالي سيتزعزع نظام البترودولار الذي قد يصبح يوماً ما مجرد عملة عادية غير مؤثرة، وهذا يعني، برأي السيناتور الأميركي ‏Ron Paul اعتماد واشنطن أكثر على قدراتها العسكرية لخوض حروب وافتعال أزمات مع الخصوم والحلفاء على حد سواء.

عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعه اللبنانية

https://www.raialyoum.com/%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%aa%d8%b1%d9%88%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1-%d9%83%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%83-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d9%8a/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 + عشرة =

آخر الأخبار