كتاب تهافت التهافت للقاضي أبو الوليد محمد بن رشد

المصدر: الصفحات 15 و16 و17 و18 من كتاب ، تهافت التهافت،  للقاضي أبو الوليد محمد بن رشد،

كتاب تهافت التهافت للقاضي أبو الوليد محمد بن رشد

هذا هو اسم الكتاب الذي نقدمه اليوم للقراء، وليس لهذا الاسم مجرد الدلالة على الكتاب، بل له إلى جانب ذلك دلالة على موضوع الكتاب، ودلالة على البواعث الذي دفعت إلى تأليف الكتاب: فلقد وضع الغزالي كتابه الذي قيل عنه: إنه طعن الفلسفة طعنة لم تقم لها بعد في الشرق قائمة. واختار له اسم (تهافت الفلاسفة) وعنى بهذا الاسم فوق دلالته على الكتاب التشهير بالفلاسفة، والإعلان عنهم بأنهم متهافتون. فحسب من يقرأ عنوان الكتاب فقط، أو حتى يسمع به، أن يعرف أنه محاولة لإثبات تهافت الفلاسفة.

وعنى بالتهافت ما أوضحه في المقدمة الأولى من نفس الكتاب بقوله:

) .. فلنقتصر على إظهار التناقض في رأى مقدمهم الذي هو الفيلسوف المطلق والمعلم الأول) [1]

فالتهافت الذي اختاره مضافاً إلى الفلاسفة، معناه التناقض، أي تناقض الفلاسفة، يعني تناقض أفكارهم وتعارضها وتساقطها، وليس كالتناقض اسم يؤدى ما يؤديه من دلالة على هوان الفكر الموصوف به، وسخفه، وحقارته فكان الغزالي أقسى ما يكون على الفلاسفة بهذه التسمية.

فلما تعرض ابن رشد للدفاع عنهم لم يشأ أن يكون عليه أقل قسوة منه عليهم، ولما لم يكن هنالك من سبيل إلى أن يكون عليه أشد قسوة منه عليهم، حيث أن اسم التناقض الذي اختاره الغزالي اسماً لكتابه يصور النهاية في جانب النقص، فقد استعمل ابن رشد نفس الاسم الذي استعمله الغزالي، وهو التناقض، ولعله لم يضفه إلى الغزالي فيقول: (تهافت الغزالي) كما قال الغزالي: (تهافت الفلاسفة) لأن هذه التسمية قد تعني تناقض الغزالي في جانب من جوانبه وناحية من نواحيه كما قصد الغزالي: (تهافت الفلاسفة تناقضهم في بعض مسائل العلم الإلهي، وبعض مسائل العلم الطبيعي، لا في كل مسائل هذين العلمين، ولا في غيرها من مسائل علومهم الأخرى، كما أوضح ذلك غاية الإيضاح في مقدمة كتابه (مقاصد الفلاسفة).

وان غفل قوم عن ذلك في القديم والحديث، وظنوا أن الغزالي يحمل على التفكير العقلي جملة ويكرهه، ويحاربه، ويريده أن لا يكون، ومن هنا قالوا ما قالوا: من أن الغزالي قد ضرب الفلسفة – يعنون كلها – ضربة لم تقم لها بعد في الشرق قائمة.

ومن الغريب أنه حتى في عصرنا هذا، بعد ما تيسر طبع كثير من الكتب، تيسر تبعاً لذلك الاطلاع على كثير من كتب الغزالي، ما يزال بعض المنتسبين إلى العلم، والواضعين أنفسهم بين أهله في مقام الصدارة، يجهلون هذه الحقيقة، وقد يبلغ بهم الأمر أن يزعموا أن الإسلام، فضلا عن الغزالي، يكره الفلسفة وتجاربها، وينحسب أن الأمر قد أصبح لدى من يحرصون على أن يعرفوا الحق في هذا الشأن أوضح من أن يحتاج إلى مزيد من القول فيه.

وعلى أساس من هذا الفهم الذي أدركه ابن رشد غاية الإدراك لم يشأ أن يسمى كتابه (تهافت الغزالي) لأن هذه التسمية قد تعنى كما قلنا: أن الغزالي متناقض في بعض أفكاره. وقد لا يكون هذا البعض الذي تناقض فيه الغزالي هو ذلك الذي خاصم فيه الفلاسفة.

وحيث كان باب هذا الفهم مفتوحاً لو سمی ابن رشد كتابه (تهافت الغزالي) وهو يريد أن ينصف الفلاسفة في خصوص ما خاصمهم فيه الغزالي، كان لا بد له من أن يسلط التناقض على نفس الأفكار التي يعتقد الغزالي أنه هدم بها أفكار الفلاسفة، واللفظ الذي يؤدي على وجه التحديد، هذا المعنى هو (تهافت كتاب) الغزالي المسمى تهافت الفلاسفة (الذي يؤول بالاختصار إلى (تهافت التهافت).

وإذ كانت تسمية الغزالي كتابه: (تهافت الفلاسفة) متضمنة لدعوى تناقضهم وكان ما بين دفتي كتاب (تهافت الفلاسفة) من البداية إلى النهاية، تدليلا على هذه الدعوى. فإن تسمية ابن رشد كتابه بـ (تهافت التهافت) متضمنة لدعوى تناقض أفكار الغزالي التي يعتقد أنه هدم بها آراء الفلاسفة، وما بين دفتي كتاب (تهافت التهافت) ليس إلا تدليلا على هذه الدعوى.

وإذن فإن تك أسماء الكتابين قد دلت على المعركة الناشبة بين الغزالي في طرف وبين ابن رشد ممثلا للفلاسفة في طرف آخر؛ فهي دلالة لا تزيد عن إعلان حرب، أما الحرب الحقيقية حرب الرأي للرأي والدليل للدليل، فتلك هي ما بين دفتي الكتابين.

وقد كان بودي أن أخوض معهما هذه المعركة، أو في تعبير آخر أسكن من حدتها، إن أمكن أن يكون الفصل في الخصومة، والحكم للمحق على المبطل، مزيلا لأسباب الخلاف بينهما، كما فعلت شيئاً من ذلك في البحوث التي قدمت بها لقسمي الطبيعيات والإلهيات من كتاب (الإشارات والتنبيهات) لابن سينا.

ولست أستكثر على نفسي أن أقوم بدور كهذا، بين ابن رشد والغزالي؛ فإن الفلسفة ليست وقفاً على أسماء، ولا على زمن، ولقد مارستها مدة، بروح الطالب للحقيقة، المخلص في طلبها، المعطي لنفسه حق الفهم، العازف عن القناعة بالتقليد، فاستبان لي من ضعف آراء بعض هؤلاء المشهورين، ما أمكنني في وضوح أن أدل عليه، وأن أبرزه، وأظهره، ولقد صنعت شيئاً من ذلك في مقدمة كتاب (ميزان العمل) للغزالي الذي أرجو أن يتم طبعه قريباً.

ولقد استبان لي هنا، من قراءة كتاب (تهافت التهافت) قراءة فاحصة شاملة للمرة الأولى، بعد أن قرأت كتاب (تهافت الفلاسفة) على هذا النحو جملة مرات أن هنالك، بين هذين الرجلين، مجالاً في القول لمثلي، ولكثرة ما استبان لي في هذا الشأن، وأهمية ذلك الذي استبان، ترجح لدي أن أصنع فيه كتاباً أو كتيبا يكون بحثاً مستقلاً يقوم بنفسه بدل أن يزيد من مشقة كتاب آخر.

على أني لن أغفل الإشارة إلى بعض هذه المسائل خلال ما سأتعرض له، فيما يلي، من بحوث إن شاء الله.

المصدر: الصفحات 15 و16 و17 و18 من كتاب ، تهافت التهافت،  للقاضي أبو الوليد محمد بن رشد، تحقيق الدكتور سليمان دنيا، القسم الأول، دار المعارف بمصر 1964.

[1] – ص ٧٤ الطبعة الثالثة نشر دار المعارف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار