أزمة النظام الاقتصادي العالمي أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة اقتصادية

 

العالم الاقتصادي العدد الصادر في يوليو 13, 2018  دراسات 0

تحتل الأزمة الدورية مركز الصدارة بين الأزمات الاقتصادية التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي وخاصة النظام الاقتصادي الرأسمالي، وتقوم الأزمة الدورية بوظيفة “المسوّي” للاختلالات الاقتصادية العامة بمعناها الواسع: الاختلال بين الإنتاج والاستهلاك، الاختلال بين فرعي الإنتاج الأول والثاني وعدم التناسب بين مختلف فروع الاقتصاد الوطني، وفي نهاية المطاف، فإن الأزمة تعطي دفعة لرفع إنتاجية العمل، وتخفيض نفقات الإنتاج فالمؤسسات وهي تسعى لإيجاد مخرج من الصعوبات الاقتصادية تعمل على تكثيف البحث عن أنواع جديدة من المنتجات وعن تقانة حديثة لاستخدامها في الإنتاج. ويخلق الحل المؤقت والعنيف للتناقضات أساساً لتجديد رأس المال الثابت، ورفع إنتاجية العمل وتوسيع الإنتاج، وفي هذا المعنى تعدُ الأزمة بمنزلة المرحلة التأسيسية للدورة الاقتصادية، أي المرحلة التي تحدد بدرجة كبيرة مسار التطور اللاحق، والملامح الرئيسة للدورة التالية وطابع تجديد رأس المال الثابت… إلخ.([1])

 

وصف فريدريك إنجلز بوضوح المسيرة التي تحكم تطور الاقتصاد الرأسمالي حسب مراحل الدورة الاقتصادية، وهي المسيرة التي تقود هذا الاقتصاد، بقوة لا تقاوم، من أزمة إلى أزمة، وأوضح أن الجمود يخيم سنين طويلة وتدمر القوى المنتجة وتبدد كميات من الإنتاج كبيرة، بسبب الكساد وانخفاض الأسعار وعدم القدرة على التصريف، ثم تتسارع حركة الإنتاج والتبادل شيئاً فشيئاً، وتتحول الخطا إلى خبب وينتقل خبب الصناعة إلى ركض يتحول إلى جموح، إلى قفزات تشمل الصناعة، والتجارة، والتسليف والمضاربة، وبعد قفزات يائسة تنحدر الحركة إلى هاوية لا مقرَ لها، وهكذا تتكرر الأمور. ([2])

تعد الأزمة المالية العالمية الحالية، من الوجهة المالية الأشد خطراً منذ أزمة الكساد الكبير في عام 1929، اليوم تحولت الأزمة المالية العالمية إلى أزمة اقتصادية عالمية، يعبر عنها بانخفاض حاد في الاستهلاك، وانخفاض الإنتاج، وزيادة إفلاس الشركات، وتراجع إيرادات الدولة من الضرائب، وارتفاع حاد للبطالة وازدياد الفقر وغير ذلك، وتؤثر أزمات بهذه القوة في قدرة الدول على تحقيق أهدافها الوطنية في شتى المجالات وبخاصة في المجال الاقتصادي والتنموي وقد تشكل خطرا على استقرارها الداخلي.

وكان روبرت زوليك رئيس البنك الدولي قد حذر من أن آثار الأزمة الاقتصادية العالمية ربما تستمر لسنوات طويلة مقبلة، وقال: “إن نحو 64 مليون إنسان سيسقطون في قبضة الفقر مع نهاية العام الجاري 2010” وأضاف زوليك: “إن العالم سيظل يعاني تداعيات سلبية للأزمة الاقتصادية لسنوات داعياً القطاع الخاص إلى القيام بدور أكبر مع تراجع خطط التحفيز الحكومية”.

ورأى زوليك أن الوضع بالنسبة للدول الفقيرة هو مسألة إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل ورفع معدل النمو الاقتصادي، مشيراً إلى معاناة الدول الفقيرة مع الجوع والمرض اللذين سيؤثران على جيل من الأطفال لسنوات كثيرة، وشدد زوليك على أن مصلحة الدول المتقدمة تكمن في أن تساعد الاقتصادات الناشئة على الخروج من الأزمة لأنها قد تكون مصدراً للنمو داعياً تلك الدول إلى مساعدة العالم النامي في هذه الأوقات الصعبة.

ما يشهده النظام الاقتصادي العالمي هو أزمة أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية، ولمعالجة هذه الأزمة لا بد من وضع استراتيجية في ثلاثة محاور:

  1. تركيز المجتمع على العدالة بكافة مستوياتها العدالة الاجتماعية في الدولة الواحدة العدالة بين الدول العدالة بين الأجيال الحاضرة وأجيال المستقبل ( التنمية المستدامة ).
  2. جعل العدالة نبراساً وسنداً قوياً للإنسان في سعيه إلى عيش كريم.
  3. حماية الطبقة العاملة والمنتجين، والدفاع عن حقوقهم باستمرار.

هذه المحاور الثلاثة لا تزال تمثل ركائز استراتيجية رئيسة.

توجه الإشارة بأصابع الاتهام إلى اللامساواة على المستوى العالمي، تلك التي تخلق توترات وصراعات وحروب وموجات هجرة كبيرة، إضافة إلى النظام الاقتصادي العالمي الذي تهيمن عليه مفاهيم الاستغلال والمادية، (نظام السوق الحر الخالي من القواعد ومن الرقابة)، أضف إلى ذلك (الآيديولوجيات الضارة) وفي مقدمتها (الفردية الأنانية) مما يؤكد كون الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية نتاج أزمة أخلاقية، (الأزمة الاقتصادية في الغرب تتجذر في الأزمة الثقافية والأخلاقية والروحية، وأن علينا أن نساعد غربنا على إيجاد الإلهام الذي يساعده في تخطي المادية والانفتاح على نظرة أشمل للإنسان). ([3])

هناك خطر جسيم بات محدقاً بالإنسانية، لأن عالم اليوم ليس مطبوعاً بأزمة اقتصادية ومالية وحسب، مع ما تحمله من تبعات مأساوية على عالم العمل بالدرجة الأولى، وإنما مطبوع أيضاً بانتشار ذهنية تضع الإنسان في أفق من العزلة والمادية والأنانية واليأس.

ولابد من تبني إجراءات فاعلة لمواجهة الأزمة المالية، وجعل حاجات الناس محور الاهتمام في البحث عن حلول، مؤكدين أنه على عدالة النظام الاقتصادي العالمي لإظهار قدرته على العمل استناداً للمبادئ الأخلاقية.

كانت الولايات المتحدة الأميركية مركز الأزمة المالية العالمية، ورمز الهيمنة الرأسمالية المتوحشة، المشهد الأول الولايات المتحدة الأميركية: يتعلق بحالة الفقر، ويا للعجب، فقر في الولايات المتحدة، شاغلة الناس، ومالئة العصر، ومركز الإمبراطورية العالمية الحديثة، وفقراء يعيشون أزمة وفي حاجة إلى حملة للتضامن معهم.

من الضروري تنمية حس التضامن مع الفقراء والمحتاجين، لاسيما بعد أن بلغ نحو 15 في المائة من سكان البلاد حالة الفقر وبينهم عدد كبير من الأطفال.

المشهد الثاني الولايات المتحدة الأميركية: يتعلق بالمهاجرين إلى الولايات المتحدة، والذين يعانون من أشكال العنصرية، في حين أن غالبية الأميركيين من المهاجرين، يستحقون كل احترام ومساعدة ممكنة، (والحديث عن الهجرة لا يتوقف عند الولايات المتحدة فقط، بل ينسحب على كافة الدول الأوروبية، لاسيما في زمن الأزمنة التوتر والحروب والصراعات)، مما يؤكد أن زمن الصمت تجاه ما يتعلق بكرامة الإنسان يجب أن ينتهي.

وإن ما يحدث الآن في العالم من أزمة اقتصادية تعصف بالعالم ومن يدور في فلكه، هي من آثار تطبيق النظام الرأسمالي الذي أفقد المجتمع الغربي العدالة الاجتماعية وسبب المشاكل بأنواعها، من فقر وبطالة وأمراض واضطرابات نفسية الخ.. ما سّبب عقم للاقتصاد العالمي.

فالنظام الرأسمالي قائم على مبدأ زيادة الرأسمال النقدي في ظل إفقار شديد للموارد الكونية، لأنه نظام أنشئ لخدمة المصالح الذاتية والفئوية، وليس لخدمة الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى وجعله محوراً أساسياً في هذه الحياة، وسّخر كل شيء لأجله لا من أجل الربح والمادية، ولا أدري لماذا لم يطبق النظام الإسلامي كبديل للنظام الرأسمالي الذي راح ضحيته الملايين من البشر، الذين دهسوا تحت أقدام الشركات الاقتصادية العملاقة وزيادة الربح على حساب الإنسان.

الولايات المتحدة الأمريكية والتي تنادي بالديمقراطية، يوجد بها ملايين الفقراء، وهذا ما لم نجده في النظام الإسلامي، فلماذا لم يُؤخذ بتجربة بيت المال وتجربة المضاربة بدل الربا!؟

من حق الغني والفقير في أن يعيشا معاً، وأن رجال الأعمال مفروض عليهم أن يتبعوا هذه المبادئ الأخلاقية الأساسية في حياتهم اليومية وفي أنشطة أعمالهم، وأن الهدف الرئيسي لهاتين الوثيقتين بحسب جريدة «البرافدا» الروسية هو تقديم قواعد الأخلاق لقطاع الأعمال على المستوى العام، بحيث لا يكون الذي يحكم رجال الأعمال هو قوانين الدولة، لكن رجال الأعمال يحكمون ضمائرهم، لذلك كان من بين الوصايا تحذير لرجال الأعمال من أن الثروة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل يجب أن تكون من أجل حياة كريمة لكل فرد ولكل الوطن ). ([4])

إن دفع الضرائب من أجل سد احتياجات المجتمع يجب أن لا يعد عبئاً أو واجباً إلزامياً، بل يعد واجباً يستحق الشكر من المجتمع، لأن الفقراء يجب أن يعيشوا بكرامة، طالبين العمل المتكافئ وأن يكونوا دائمي السعي لتحسين مهاراتهم المهنية ومقاومة الفقر، ويعد التهرب الضريبي بمثابة سلب لليتامى والمسنين المعوقين وباقي الفئات الفقيرة.

في الوقت الذي تتعرض أسواق المال لضغوط شديدة كان لابد من اتخاذ إجراءات جديدة من أجل تخفيف ضغوط الائتمان ودعم النمو الاقتصادي المتداعي، حيث إن استمرار تقلبات الأسواق وأحدث مؤشرات للأداء الاقتصادي في مختلف دول العالم خاصة دول مجموعة العشرين يؤكدان استمرار التحديات.

  • انحسار الضغوط التضخمية.
  • تزايد المؤشرات على تباطؤ النمو الاقتصادي.
  • خفض أسعار الفائدة.

وكان مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي قد خفض أسعار الفائدة بمعدل 4.25 نقاط مئوية منذ أيلول 2007 لتصل إلى واحد بالمائة لدرء أزمة الائتمان ودعم الاقتصاد الأمريكي المتراجع، بالإضافة إلى ذلك أطلق البنك المركزي الأمريكي عدة تسهيلات للإقراض ومقايضة العملات لضمان توافر التمويل للمؤسسات المالية. ([5])

كما قامت عدة بنوك مركزية في أنحاء العالم بتخفيض أسعار الفائدة في أول تحرك عام منسق لها على الإطلاق مع طغيان المخاوف من ركود عميق على المخاوف بشأن التضخم، وتضمن الإجراء خفض أسعار الفائدة نصف نقطة مئوية من جانب البنوك المركزية للولايات المتحدة ومنطقة اليورو وبريطانيا وسويسرا وكندا والسويد.

من المتوقع أن تقوم الصين بدور قيادي في حل الأزمة المالية العالمية، عندما تستخدم الصين احتياطياتها المالية الضخمة لانتشال المؤسسات المالية العالمية من ركودها. واقترحت اليابان خطوات تسهم في حل هذه الأزمة وتجنب انهيار النظام المالي العالمي مستقبلا، من بينها دعم قدرات صندوق النقد الدولي والدعوة لتشديد الإشراف على وكالات التصنيف الائتماني.

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية في العالم بدا وكأن الشعوب المغلوبة لم تعد قادرة على الصمت إزاء ما يجري، فالذي يدفع الثمن الباهظ لهذه الأزمة هم الفقراء والمهمشون، وتزايد التشرد والبطالة، وأخيراً الجوع والضياع، في حين تظل الطبقات البرجوازية بعيدة عن أن تطالها يد العوز أو الفقر، في هذه الأجواء الخانقة بدأت الجماهير التي عانت من هجمة الأوليجاركية لاسيما الصهيونية منها، ما دعاها بدورها للحديث علانية وبصوت صارخ حول بربرية الرأسمالية المتوحشة.

 

[1] – الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، الأزمة المالية العالمية والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية )، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2012.

[2] – الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، الأزمة المالية العالمية والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية )، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2012.

[3] – الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، الأزمة المالية العالمية والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية )، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2012.

[4] – الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، الأزمة المالية العالمية والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية )، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2012.

[5] – الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، الأزمة المالية العالمية والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية )، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2012.

https://ecoworld-sy.com/archives/152

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.