كيف تخلص البنك المركزي الروسي من أرصدته الدولارية؟

إبراهيم نوار 15 - أغسطس - 2020

كيف تخلص البنك المركزي الروسي من أرصدته الدولارية؟

إبراهيم نوار 15 – أغسطس – 2020

نجح البنك المركزي الروسي في تخفيض رصيده من أدوات تمويل الدين الفدرالي للولايات المتحدة إلى بضعة مليارات بعد أن كانت روسيا واحدا من أكبر ثلاثين دولة تشارك في تمويل الدين الأمريكي. وبعد أن كانت روسيا تحتفظ بأذون وسندات للخزانة الأمريكية قيمتها 176 مليار دولار قبل الأزمة المالية العالمية 2008 فإنها احتفظت بما قيمته 3.8 مليار دولار فقط في نهاية الربع الأول من العام الحالي. عمليا تخلصت روسيا من كل رصيدها من أوراق الدين الأمريكية قصيرة الأجل، وليس من المتوقع أن تعود إليها في الأجل المنظور. في الوقت نفسه تتبع مؤسسات الاستثمار القومية الروسية مثل صندوق تقاعد العاملين وصندوق الاستثمار المباشر السياسة نفسها في التخلص من أدوات تمويل الدين الفدرالي للولايات المتحدة.

هذه السياسة مكنت روسيا من تجنب مخاطر أزمات الدولار المتكررة، كما ترتبت عليها فوائد ضخمة، خصوصا من العائد على أرصدتها من اليوان الذي ارتفعت حصته في الاحتياطي النقدي إلى 15 في المئة، حيث يصل العائد على السندات الصينية إلى ما يقرب من عشرة أمثال العائد على سندات الخزانة الأمريكية. كما حصلت روسيا على مكاسب ضخمة من ارتفاع قيمة رصيدها من الذهب الذي ارتفع إلى حوالي ألفي طن نتيجة القفزة في أسعار الذهب خلال النصف الأول من العام الحالي، وهو ما رفع قيمة احتياطي الذهب لدى البنك المركزي الروسي إلى 144 مليار دولار مقابل 101.9 مليار في نهاية تموز/يوليو من العام الماضي. ويمكن القول بلا مبالغة إن روسيا تمكنت من تمويل احتياجات إنعاش اقتصادها المحلي لمواجهة تداعيات أزمة كورونا من عائد السندات الصينية، ومن الفروق في أسعار الذهب. وعلى العكس من معظم دول العالم فإن قيمة الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي الروسي ارتفعت إلى 591.8 مليار دولار في نهاية شهر تموز/يوليو مقابل 519.8 مليار دولار في نهاية الشهر نفسه من العام الماضي، أي بزيادة تبلغ 72 مليار دولار، أسهم إعادة تقييم الذهب وحده بحوالي 42 مليار دولار.

الدولار كسلاح سياسي

لقد أدى توسع الولايات المتحدة في استخدام الدولار كسلاح سياسي ضد خصومها من أجل تحقيق أهداف سياستها الخارجية عموما، إلى بروز تيار عالمي لتخفيض الاعتماد على العملة الأمريكية. وفي هذا السياق فإن تجربة روسيا في الخروج من أدوات تمويل الدين الأمريكي تمثل نموذجا قابلا للتكرار بين الدول التي تواجه خصومة مع الولايات المتحدة، وكذلك مع الصين التي تسعى لاكتساب مكانة عالمية أفضل اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا.

وفي سياق الخصومة الأمريكية – الروسية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية مالية واقتصادية على روسيا اعتبارا من عام 2014 بعد حرب شبه جزيرة القرم وإعلان روسيا ضمها رسميا وإنهاء السيادة الأوكرانية هناك. وشاركت دول الإتحاد الأوروبي في هذه العقوبات، مما أدى إلى شعور روسيا ببوادر اختناق مالي يتعين اتخاذ الوسائل الكفيلة بالحد من خطورته. ومع زيادة حدة الاستقطاب العالمي، وخشية روسيا من احتمال أن تلجأ الولايات المتحدة إلى تجميد الأرصدة الروسية من أذون وسندات الخزانة الأمريكية، قرر الرئيس الروسي بوتين الإسراع في تنفيذ برنامح للتخلص من الأرصدة الدولارية، وتعويض ذلك بإصدار سندات بالروبل واليورو. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة لم تتوقف عن مطاردة روسيا؛ فأصدرت تعليمات إلى بنوكها بعدم الاكتتاب في إصدارات سندات الخزانة الروسية باليورو أو بأي عملات أخرى بما فيها الروبل.

وشهدت الأعوام الثلاثة الأخيرة تخفيض ما في حوزة البنك المركزي الروسي من سندات وأذون الخزانة الأمريكية، وزيادة رصيد البنك من اليورو والين واليوان والاسترليني، إضافة إلى تعظيم كمية الاحتياطي من الذهب؛ فأصبح البنك أكبر مشتر للذهب في العالم. وفي سياق هذه السياسة أصبح اليورو هو عملة الاحتياطي النقدي الرئيسية لروسيا بنسبة 30.3 في المئة في نهاية الربع الأول من العام الماضي، وهبط نصيب الدولار في ذلك الوقت إلى 23.6 في المئة، وارتفع نصيب اليوان إلى 14.2 في المئة والاسترليني الى 6.6 في المئة. وخلال الفترة حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي تخلص البنك المركزي الروسي من كل ما في حوزته من أدوات تمويل الدين الأمريكي القصيرة الأجل، وحافظ على كمية ضئيلة جدا من سندات الخزانة الأمريكية الطويلة الأجل.

تجارة النفط والغاز

تعتمد روسيا بدرجة كبيرة على صادراتها من النفط والغاز والذهب والفحم والحديد وغيرها في تغذية احتياجاتها من العملات الأجنبية. ويعتبر الدولار هو العملة الرئيسية في تسوية مدفوعات تجارة النفط والغاز والمواد الأولية. ومن ثم فإن فكرة تخفيض الاعتماد على الدولار كانت تصطدم بعقبة رئيسية تحتاج إلى معالجة حكيمة، وزاد الانكشاف على الدولار من خطورة أن تتعرض شركات النفط الروسية لعقوبات أمريكية بسبب أنشطتها في فنزويلا وإيران، وهو ما دفع المسؤولين عن القطاع النفطي إلى وضع الترتيبات الكفيلة بتخفيف خطورة استخدام الدولار كسلاح سياسي ضد شركات النفط الروسية.

وفي هذا السياق جرت مفاوضات مكثفة وعميقة بين وزارة الاقتصاد الروسية، وبين شركات النفط الوطنية العملاقة مثل “روس نفط” من أجل تحقيق هدف التخلي عن الدولار في عقود تصدير النفط الروسي. وقد أكد هذا الاتجاه تصريحات صدرت عن مسؤولي الصناعة مثل إيغور سيتشن رئيس شركة روس نفط، الذي أكد في المنتدى الاقتصادي في مدينة فيرونا الإيطالية في تشرين الأول/أكتوبر 2019 أن كل عقود شركته لتصدير النفط تتم إعادة صياغتها لتسوية مدفوعاتها باليورو وليس بالدولار.

وأكد وزير الاقتصاد الروسي في ذلك الوقت مكسيم أورشكين أن كل مبيعات النفط والغاز الروسي ستكون بالروبل واليورو وليس بالدولار. وبرر ذلك بأن الروبل أصبح عملة قوية ذات قيمة مستقرة، وليس هناك ما يدعو للتخوف من استخدامها في تجارة النفط الروسي إلى جانب اليورو. وأوضح الوزير الروسي في حوار مع صحيفة “فاينتشال تايمز” في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2019 أن روسيا تعمل على تسوية كل مبيعات النفط والغاز بالروبل عندما تتوفر البنية الأساسية الضرورية لتحقيق ذلك بأقل المخاطر الممكنة.

التجارة مع أوروبا: في إطار سياسة روسيا للتخلي عن الدولار، تسعى الحكومة والشركات إلى توسيع نطاق تسوية المدفوعات بعملات أخرى، خصوصا في المناطق النقدية – التجارية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين. وحتى العام 2018 كانت أكثر من نصف تجارة روسيا مع العالم يتم تسويها بالدولار، على الرغم من أن تجارة روسيا مع الولايات المتحدة لا تزيد عن 5 في المئة فقط من تجارتها مع العالم.

ونجحت سياسة تنويع العملات في تسوية المبادلات التجارية خلال الفترة الأخيرة في زيادة قيمة التسويات باستخدام اليورو إلى نحو 42 في المئة حتى نهاية الربع الأول من العام 2019. ويشمل ذلك التجارة مع دول الاتحاد الأوروبي والصين وبعض البلدان الأخرى، مقابل 32 في المئة في العام السابق. وتشير التقديرات الأولية لتسوية المبادلات التجارية إلى أن روسيا تتقدم في هذا الاتجاه خلال العام الحالي.

وتتبنى روسيا أيضا سياسة لزيادة الاعتماد على الروبل من خلال اتفاقيات تسوية المدفوعات المشتركة بين دول مجموعة بريكس (البرازيل-روسيا-الهند-الصين- جنوب أفريقيا) وكذلك مع تركيا ودول الاتحاد السوفييتي السابقة في آسيا الوسطى. وقد تشكلت داخل مجموعة بريكس لجنة لوضع نظام مشترك لتسوية المعاملات التجارية من خلال مجلس الأعمال التابع للمجموعة. واتفقت روسيا مع الهند على تسوية مدفوعات الصادرات الروسية من السلع الدفاعية مثل الطائرات والصواريخ بالروبل.

ولتسهيل تسوية مدفوعات التجارة بالروبل أنشأ البنك المركزي الروسي نظاما للتحويلات الدولية السريعة شبيها بنظام “سويفت” الدولي، يتم التعامل به من خلال بطاقة ائتمان روسية مضمونة شبيهة ببطاقات فيزا وماستر كارد. وتم الاتفاق مع السلطات النقدية في بلجيكا على أن تكون هي المركز الرئيسي لتسوية معاملات هذا النظام، وذلك لضمان أكبر قدر ممكن من المصداقية والسلامة. ويتم من خلال نظام “سويفت” الروسي وبطاقة الإئتمان الخاصة به “إم. آر. آي” في الوقت الحالي تنفيذ عدد متزايد من الصفقات التجارية بين روسيا ودول العالم. ويرجح بعض الخبراء أن تكون روسيا قد تخلصت من جزء من أرصدتها الدولارية لصالح تعزيز قوة هذا النظام عن طريق إيداع سندات خزانة أمريكية كانت مملوكة سابقا للبنك المركزي الروسي، في حسابات لدى أطراف أخرى في بلجيكا وجزر كايمان. لكن استقرار قيمة الروبل وقبوله كعملة دولية سيعتمد في كل الأحوال على المتغيرات الاقتصادية الرئيسية في روسيا، المرتبطة باستقرار السياسة الاقتصادية، وقوة الأداء، إضافة إلى قوة الاحتياطي النقدي، حتى وإن خلا من الدولار الأمريكي تماما.

https://www.alquds.co.uk/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AE%D9%84%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%B1%D8%B5%D8%AF%D8%AA/

التعليقات مغلقة.