“حوران أرض الغساسنة”

كتاب للباحث السوري جريس الكايد

“حوران أرض الغساسنة”

كتاب للباحث السوري جريس الكايد

كتاب يسرد علاقة حوران بتوحيد أصحاب العقيدتين

الكثير من الآثار اليوم يشهد على عراقة الأمكنة، التي لعبت منذ القديم أدوارا مهمة في تاريخ البشرية، وكانت محطات كبرى في تحديد طبيعة العيش وتركيز أساسياته وسبله. فالمكان له صلة بالإنسان يسايره ويحاوره ويحرسه ويقدّم له الأمان، وهذا ما حفل به الشعر الجاهلي عند ذكر الأطلال رغم قفرها ووحشتها، لذلك نشأت هذه العلاقة الحميمية والخصوصية بين الإنسان والمكان، والتاريخ سجل لنا العديد من الأحداث التي ارتبطت بأهمية المكان وتأثيره على الحياة وأنماط العيش.

الجمعة 2016/03/25

تاريخ شاهد على العراقة

يؤرّخ الباحث السوري جريس الكايد في كتابه “حوران أرض الغساسنة” لمنطقة حوران في جنوب سوريا، خاصة لكونها مركزاً غسانياً وطيد الصلة بالكراسي الأسقفية، عبر دراسة تاريخية أثرية جغرافية مستفيضة، يُقدّم من خلالها تفاصيل التقسيمات الإدارية للمنطقة الممتدة من بصرى إلى جرش فالشيخ سعد والشيخ مسكين، مروراً بكبريات المدن والبلدات كإزرع وبصر الحرير والحارّة فجاسم وانخل وخبب والمسمية فبصير والصنمين والمسيكة وبانياس ونوى، وكذلك السويداء وشهبا وقنوات وصلخد وغيرها من القرى التي مازالت مأهولة وشاهدة على انتشار المسيحية في هذا السهل الرحب.

حماة الحدود

ويوضح الكايد في كتابه، الصادر حديثا في دمشق، أن منطقة حوران تمتاز بأنها حاضنة للإرث العمراني المثير للاهتمام، سواء أكان يونانياً أم رومانياً أم إسلامياً في عصوره المختلفة، من مدرجات وقلاع وكنائس وأديرة وطرق قوافل ومعاصر زيتون ومطاحن حبوب، وكان للغساسنة الدور الأكبر في الحفاظ على المنجز الحضاري وحماية طرق التجارة بين المجموعات البشرية التي توزعت بين جهات الأرض، وكانت في أكثر من مرحلة تاريخية صلة الوصل بين الصحراء والبوادي والحواضر العربية، بين النبع اليماني والمصب الشامي.

يُرجع المؤرخون أنساب بني غسان إلى قبيلة قديمة من عرب الجنوب كان يتزعمها عمرو مُزيقياء ابن عامر ماء السماء، غادر البلاد اليمنية في أواخر القرن الثالث الميلادي واستوطن أرض حوران والبلقاء، ويظهر من رواية الأخباريين أن الغساسنة أخذوا الحكم بالقوة من أيدي عرب كانوا يحكمون هذه المنطقة قبلهم يدعون “الضجاعمة” وهم من سليح التي تعود إلى قبيلة قضاعة.

للغساسنة دور كبير في الحفاظ على المنجز الحضاري وحماية طرق التجارة بين المجموعات البشرية التي توزعت بين جهات الأرض

منذ عهد الإمبراطور إنسطاس (-491 518)، اعترف الروم بالدور الهام الذي يستطيع الغساسنة القيام به بصفتهم حُماة الحدود، وفي مطلع القرن السادس أخذ هذا الدور يبرز بوضوح، وكان الحارث بن جبلة (-528 569) الملقب بالحارث الأكبر أو الحارث الأعرج أول ملوك الغساسنة وأعظمهم شأناً، وذكرته المصادر الإغريقية والسريانية والعربية، ووصفت أعماله البطولية ومآثره الجليلة، حارب مطلع حكمه المنذر الثالث ملك الحيرة وانتصر عليه سنة 528 وعلى إثر هذا الانتصار أقرّ له الامبراطور يوستنيانس الأول (-527 565) بالزعامة على العرب القاطنين في بلاد الروم ومنحه لقب البطريق، أحد ألقاب الشرف لدى الروم، ولقب فيلاركس، أي رئيس القوم وزعيمه، فكان الحارث بذلك أول رجل من الغساسنة يُمنح اللقبين اللذين انتقلا منه إلى أبنائه.

يتعمق الكاتب ضمن دراسته في أهم المصادر التاريخية عن الغساسنة وخاصة ما كتبه يوحنا الأفسي بالإضافة إلى تقارير الكنيسة، ويشير إلى أن المؤرخين تيوفانس وبروكوبيوس كانا قد أتيا على ذكر بعض ملوكهم، وإلى مدائح الشعراء لملوك الغساسنة أمثال النابغة الذبياني وحسان بن ثابت.

عقيدة الطبيعة الواحدة

يُسجل الكتاب للمنذر بن الحارث أنه سعى إلى التوفيق بين أصحاب العقيدتين المتنافستين، عقيدة الطبيعة الواحدة التي كان المنذر يتحمس لها وأصحاب الطبيعتين، حيث عُقد مجمع آذار عام 580 ليدافع أصحاب العقيدة الواحدة عن أفكارهم.

الآثار تشهد على عراقة الأمكنة

يقول المطران عصام يوحنا درويش مطران زحلة للروم الملكيين في تقديمه للكتاب “أعرف حوران وتنشقت هواءها العليل، وأحببت بساطتها عندما خبرت الحياة، وها هو سهلها يتدفق بالقمح ليشكل أهراء روما، وها هي الأوابد التاريخية تحكي قصة الإنسان؛ خيره العميم وشره، قوته وصلابته وجبروته ووهنه ومحدودية مدركاته، لقد صليت وأصلي من أجل أهلها، لكن صلاة جميلة ومختلفة عن تراتيلي وصلاتي، يقدمها ويغردها على نحو مفيد الباحث المجدد جريس الكايد”.وبقي الخلاف قائماً وظل على مبادئه وموقفه من قياصرة بيزنطة فزاد ذلك في عداوتهم له، حيث حدث التآمر والإيعاز إلى صديقه حاكم سوريا الروماني ماكنوس بالقبض عليه قبل أن يثور أولاده الباقون على بيزنطة بقيادة أخيهم النعمان باعثين الرعب في الحاميات العسكرية، ولا سيما حامية بصرى الأكبر وجوداً، واستعادوا كنوز أبيهم وأمواله، ومثلما حل بالمنذر حل بالنعمان نتيجة الخلاف بين أفراد الأسرة والكنيسة، ويتناول الكتاب بإسهاب أيضاً قصة آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم، وهو الملك الغساني السابع والثلاثون الذي حكم من عام 632 وإلى غاية 638.

أما المطران سابا إسبر، مطران حوران والسويداء للروم الأرثوذكس، فيقول حول مضمون الكتاب “يحكي هذا الكتاب بإيجاز شديد ألق هذه المنطقة يوم كانت في مجدها، ولعل الدافع إلى كتابته نابع من رغبة كاتبه في حفظ هذا التاريخ والخوف من نسيانه في آن واحد، أو لعله نابع من حنين إلى مجد كان يوما ولا يزال مصدر فخر لأبناء المنطقة”، ورأى أن هذا الكتاب “وزنة من الوزنات التي تعود مع الإنسان وفق الإنجيل”.

https://alarab.co.uk/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B3%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%AD%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%AA%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D9%8A%D9%86