
ابن خلدون العلامة (أبو علم الاجتماع)
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
ابن خلدون العلامة (أبو علم الاجتماع)
(732 – 808 هـ) (1332–1406م)
في عزلة الصحراء، كسر ابن خلدون القالب التقليدي للتاريخ. فبدلاً من سرد الحروب والأسماء، ابتكر علماً جديداً سماه “عمران البشر”، يحلل المجتمعات ككائنات حية تمر بدورات الولادة والنضج والموت. لقد صاغ قوانين الاجتماع البشري قبل أوغست كونت بـ 500 عام، وناقش الاقتصاد قبل آدم سميث، وحلل الصراع على السلطة قبل ماكس فيبر. لكن السؤال الأكثر إثارة: كيف استطاع عقل واحد في القرن الرابع عشر أن يحتوي كل هذا العبقرية بينما ظل الغرب يعتقد لقرون أن الحضارة تبدأ وتنتهي عند حدود أوروبا؟ [1]
ولد العلامة ابن خلدون في عام 732 هـ/1332 م في مدينة تونس، حيث كانت هذه المدينة مركزاً للعلماء يقصدونها من مختلف أنحاء المغرب. كما وفد عليها عدد من علماء الأندلس هروباً من الفتن والاضطرابات التي كانت تعم هناك آنذاك. وكان ابن خلدون يُنعت أحياناً بالحضرمي نسبة إلى جده الأعلى وائل بن حجر، وهو يماني من حضرموت.
تتلمذ ابن خلدون على أيدي عدد من العلماء والمفكرين منهم محمد بن عبد المهين الحضرمي ومحمد بن إبراهيم الآبلي ومحمد بن بزال الأنصاري وغيرهم. وقد درس ابن خلدون تعاليم الدين من خلال القرآن والشريعة والفلسفة. ومنذ أن بلغ ابن خلدون الثامنة عشرة من عمره، تخلى “مؤقتاً” عن طلب العلم وأخذ يسعى إلى تولي وظائف الدولة، وأوكل إليه كتابة العلامة عن السلطان المحجور عليه أبي إسحاق في تونس. ثم انضم ابن خلدون إلى بطانة السلطان أبي عنان، حيث لقي إكراماً في قصر السلطان وعينه في المجلس العلمي بفاس، مما أتاح له معاودة البحث والعلم والاتصال مجدداً بالعلماء والأدباء الذين اجتمعوا في المغرب العربي بفاس.
كان ابن خلدون يطمح لبلوغ أعلى المناصب، إن لم نقل بلوغ السلطة نفسها. لقد عينه السلطان أبو سالم في فاس في كتابة سيره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته. وبقي في هذا المنصب نحو عامين، ما لبث بعدهما أن تولى القضاء، فكان فيه كفياً عادلاً. وفي عام 764 هـ. استقال ابن خلدون من مناصبه في فاس وتوجه إلى غرناطة، فاستقبله سلطانها آنئذ محمد بن يوسف بن إسماعيل بن الأحمر النصري وأكرم وفادته. وفي عام 766 هـ عاد ابن خلدون إلى بجاية وتولى فيها الحجابة وهو أعلى منصب من مناصب الدولة في ذلك الحين، وهو يعادل منصب رئيس الوزراء في أيامنا. ثم أضاف إليه أعظم منصب علمي عندما أصبح خطيباً لجامع القصبة. (وبذلك أصبح كل شيء في قبضة يده، يصرفه كيف يشاء. فاستبد بأمور الدولة مستخدماً في سبيل ذلك كل ما يملكه من حزم وذكاء). ([2]) وتنقل ابن خلدون بين بجاية وبسكره وتلمسان.
بدأ ابن خلدون في كتابة مقدمته في عام 775 هـ أثناء إقامته في قلعة ابن سلامة، ويصف لنا ابن خلدون إقامته في هذه القلعة قائلاً: (أقمت فيها أربعة أعوام. متخلياً عن الشواغل، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها). وقد أنهى ابن خلدون كتابة مقدمته في منتصف سنة 779 هـ. ([3])
وفي عام 784 هـ توجه ابن خلدون إلى الإسكندرية، ثم انتقل إلى القاهرة، التي يصفها قائلاً: (حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح فيها القصور والأواوين، وتزهو بآفاقها المدارس والخوانق، وتضيء فيها البدور والكواكب من العلماء. الخ). واستقر في الجامع الأزهر لتدريس طلبة العلم، إلى أن عينه السلطان الظاهر برقوق في عام 786 هـ في منصب قاضي المالكية، فقام به ابن خلدون بكفاية تامة. مالت به النفس إلى الزهد في شؤون الدنيا واعتزم ترك منصب قاضي المالكية، ولكنه استمر في المناصب العلمية والتدريس، ثم أعيد إليه منصب قاضي قضاة المالكية من جديد، وتكرر العزل وتكررت الإعادة عدة مرات، إلى أن توفي في هذا المنصب سنة 808 هـ. الموافق لعام 1406 م. وله من العمر ثمان وسبعون سنة. ([4])
إذا كانت الأبحاث العديدة التي قدمها لنا العلامة ابن خلدون قد حاولت أن تُظهر أهمية تفكيره بالنسبة لموضوعات اجتماعية أو اقتصادية، فإن هذه الأبحاث قد أدت خدمات جليلة للعلم، إذ عرفتنا بمرحلة هامة من مراحل تطور الفكر الإنساني. وكلما تعمقنا بحثاً وتدقيقاً في الفكر الخلدوني توصلنا إلى اكتشافات لها أهميتها، لأن مرحلة بروز علم جديد مثل علم العمران الذي أوجده ابن خلدون إلى الوجود، لا يمكن المرور عليها بسرعة أو تجاهلها والتغافل عنها. ([5])
إننا إذ نتعرض لدراسة النظريات والأفكار عند ابن خلدون، إنما نتعرض لها من وجوه ثلاثة:
1- الوجه الأول: اكتشاف النظريات متعددة المشارب (من مصدر شرعي، أخلاقي أو علمي) والواردة في المقدمة التي وضعها ابن خلدون.
2- الوجه الثاني: أن نتناول بالتدقيق والتعمق بعض المفاهيم الأساسية التي يدور حولها التفكير الخلدوني، فنحصل من خلال هذا التدقيق والتعمق على تصور صحيح. وعرض واقع هذا التفكير كما هو بالفعل، وليس كما يحلو لبعضهم أن يراه.
3- الوجه الثالث: محاولة تطبيق بعض الأفكار والمفاهيم الخلدونية على وضعيات اجتماعية معاصرة، وأن نستعملها استعمالاً جيداً ومفيداً في عصرنا، بعد الانتقاء واختيار المناسب مع المحافظة على الصيغة العلمية المحضة. وبذلك نستطيع أن نتجاوز رحلة الوصف والتحليل إلى مرحلة التطبيق. ([6])
لا يمكننا أن نعد العلامة ابن خلدون المفكر العربي الوحيد الذي انتبه إلى الاقتصاد كموضوع علمي مستقل بذاته، قد يتفرع إلى فروع كثيرة منها التجارة والصناعة والفلاحة والأموال، بل سبقـه إلى ذلك مفكرون آخـرون. منهم على سبيل المثال أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي (12 ق.م) صاحب كتاب (الإشارة إلى محاسن التجارة). ([7])
إن أهمية الفكر الاقتصادي لدى ابن خلدون تبدو من خلال اتباعه الأسلوب العلمي، وتعد أفكاره أداة لتحليل نوعية خاصة من المجتمعات كانت موجودة على مدى قرون طويلة. وتمكننا معرفة الأفكار الاقتصادية في هذه المجتمعات من فهم كثير من التطورات التي آلت إليها الإنسانية. فدراستها وسيلة لإدراك المادية التاريخية على وجه عام. وكما أن تحليل مسار التطور للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية من المشاعية إلى مجتمع الرق والعبودية إلى المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي، قد مكن ماركس من فهم الظواهر والمشكلات السوسيو– اقتصادية الخاصة بعصره في أوروبا، انطلاقاً من المادية التاريخية، كما ألقت الضوء لتوضيح تطور المجتمع البشري، فإن دراسة النماذج الاجتماعية – الاقتصادية لدى ابن خلدون تمكننا من فهم كثير من التطورات في هذا الجزء من العالم وهو العالم الإسلامي.
إذا كانت الأبحاث العديدة التي قدمها لنا العلامة ابن خلدون قد حاولت أن تُظهر أهمية تفكيره بالنسبة لموضوعات اجتماعية أو اقتصادية، فإن هذه الأبحاث قد أدت خدمات جليلة للعلم، إذ عرفتنا بمرحلة هامة من مراحل تطور الفكر الإنساني. وكلما تعمقنا بحثاً وتدقيقاً في الفكر الخلدوني توصلنا إلى اكتشافات لها أهميتها، لأن مرحلة بروز علم جديد مثل علم العمران الذي أوجده ابن خلدون إلى الوجود، لا يمكن المرور عليها بسرعة أو تجاهلها والتغافل عنها. ([8])
ابن خلدون، توفي في القرن التاسع الهجري.. يرسم صورة ما يجري في الوطن العربي اليوم:
“عنـدمــا تـكثــر الجبــايـة تشرف الدولة على النهـايــة.
– وعندما تنهار الدول يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون. والكتبة والقوّالون.. والمغنون النشاز والشعراء النظّامون.. والمتصعلكون وضاربوا المندل.. وقارعوا الطبول والمتفيهقون (أدعياء المعرفة) وقارئوا الكفّ والطالع والنازل.. والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون.. تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط..
يضيع التقدير ويسوء التدبير.. وتختلط المعاني والكلام.. ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل..
عندما تنهار الدول يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف.. وتظهر العجائب وتعم الإشاعة.. ويتحول الصديق الى عدو والعدو الى صديق.. ويعلو صوت الباطل.. ويخفق صوت الحق.. وتظهر على السطح وجوه مريبة.. وتختفي وجوه مؤنسة.. وتشح الأحلام ويموت الأمل.. وتزداد غربة العاقل وتضيع ملامح الوجوه..
ويصبح الانتماء الى القبيلة أشد التصاقا.. والى الأوطان ضربا من ضروب الهذيان.. يضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء.. والمزايدات على الانتماء. ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين..
ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة.. وتسري الشائعات عن هروب كبير.. وتحاك الدسائس والمؤامرات.. وتكثر النصائح من القاصي والداني.. وتطرح المبادرات من القريب والبعيد.. ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته.. ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار.. ويتحول الوضع الى مشروعات مهاجرين.. ويتحول الوطن الى محطة سفر.. والمراتع التي نعيش فيها الى حقائب.. والبيوت الى ذكريات والذكريات الى حكايات.”
المصدر: المقدمة – ابن خلدون رائد علم الاجتماع، من القرن الرابع عشر الميلادي:
كأن ابن خلدون.. يصور واقع الأمة العربية. فتأمل!
نبذة عن ابن خلدون
ابن خلدون (1332-1406) عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، المعروف باسم ابن خلدون، هو عالم اجتماع ومؤرخ وفيلسوف من أصل عربي، يُعتبر مؤسس علم الاجتماع. وُلد في تونس لعائلة علمية، حيث كان والده قاضياً. تلقى تعليمه في جامع الزيتونة، وبرزت موهبته في الفقه والتاريخ.
عمل ابن خلدون كقاضي ووزير في عدة دول، بما في ذلك مصر والمغرب. عُرف بتجاربه السياسية التي أثرت على فهمه للسلطة والمجتمع. أهم أعماله تشمل “مقدمة ابن خلدون”، التي تتناول تطور الأمم وأسباب انهيارها، و”كتاب العبر”، الذي يُعتبر موسوعة تاريخية.
تأثر فكره بالبيئة الاجتماعية والسياسية، حيث أشار إلى أهمية العصبية في بناء الدول. بعد وفاة والديه، اعتزل الناس لفترة، مما أتاح له فرصة التفرغ للبحث والكتابة. توفي في القاهرة، تاركاً إرثاً فكرياً أثرى الحضارة الإسلامية والغربية. [9]
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
كلية الاقتصاد – جامعة دمشق
[1] – خالد حسين، مراجعة كتاب “مقدمة ابن خلدون” لعبد الرحمن ابن خلدون، من أعظم الاعمال الفلسفية.. المدونة الخالدة: فك شفرة الرؤية الثورية، معرض القاهرة الدولي للكتاب.
([2]) – تيسير شيخ الأرض، ابن خلدون، دار الأنوار، بيروت 1966، ص14.
([4]) – ابن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً، منشورات دار الكتاب اللبناني، بيروت.
([5]) – د. عبد المجيد مزيان، النظريات الاقتصادية عند ابن خلدون، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1981، ص 39.
([6]) – المصدر السابق، ص40-41.
([7]) – أنظر: أطروحة الدكتوراه للسيد صبحي محمصاني بعنوان:
Les idees economiques d’ Ibn Khaldoun, edit Bose Frees Lyon 1932.
([8]) – د. عبد المجيد المزيان، المصدر السابق ص39.
[9] – خالد حسين، مراجعة كتاب “مقدمة ابن خلدون” لعبد الرحمن ابن خلدون، من أعظم الاعمال الفلسفية.. المدونة الخالدة: فك شفرة الرؤية الثورية، معرض القاهرة الدولي للكتاب.