الإمارات و«أوبك».. حين يصبح الخروج ضرورة

الإمارات و«أوبك».. حين يصبح الخروج ضرورة

أوبك+ تتفق على زيادة إنتاج النفط 206 آلاف برميل يوميا في أبريل - صحيفة مال

 رائد برقاوي، 29 أبريل 2026 06:16

الإمارات لا تنتظر أحداً، ولا تبني قراراتها على إيقاع الآخرين، لأنها تدرك أن الدول التي تراهن على المستقبل لا تنتظر المترددين، بل تصنع موقعها بنفسها، وتمضي إليه بثقة وسرعة وحسم.

هذه هي القاعدة التي حكمت مسيرتها، في التنمية المحلية وفي العلاقات الدولية؛ دولة تعرف أن اختصار الزمن ليس رفاهية، بل ضرورة، وأن الاستثمار فيه هو جوهر مشروعها التنموي، وهو ما جعلها نموذجاً إقليمياً وعالمياً في سرعة الإنجاز ودقة القرار.

ومن هذا المنطلق، يجب قراءة قرار الإمارات بالخروج من منظمة «أوبك» وتحالف «أوبك بلس».

فهذا القرار ليس سياسياً كما حاول البعض تصويره، وليس موجهاً ضد هذا الطرف أو ذاك، ولا يعكس خلافاً مع قريب أو بعيد، بل هو قرار اقتصادي وتقني وسيادي بامتياز، فرضته المصلحة الوطنية الإماراتية، وحسمته لغة الأرقام لا حسابات السياسة.

الإمارات لم تقصّر يوماً في التزاماتها داخل «أوبك»، على العكس، كانت من أكثر الدول التزاماً، ومن أكثرها حرصاً على استقرار السوق النفطي العالمي، وقدّمت من أجل ذلك تنازلات حقيقية، تحملتها على حساب مصالحها الوطنية، دعماً لتماسك المنظمة وحفاظاً على توازن الأسواق.

لكن الدول لا تُدار بالعواطف، ولا تُبنى استراتيجياتها على المجاملة، بل على المصالح، والإمارات اليوم أمام معادلة لم يعد من المنطقي استمرارها: دولة تستثمر أكثر من 100 مليار دولار لرفع طاقتها الإنتاجية، ثم تُجبر على ترك جزء كبير من هذه الطاقة معطلاً تحت الأرض.

اليوم، يبلغ إنتاج الإمارات ضمن حصة «أوبك» نحو 3.4 مليون برميل يومياً، في حين تزيد قدراتها الانتاجية عن 4 ملايين برميل يومياً، ما يعني أنها تُحرم فعلياً من إنتاج أكثر من نصف مليون برميل يومياً.

هذه ليست فجوة رقمية هامشية، بل خسارة تشغيلية واقتصادية مباشرة، تتضاعف كلفتها حين نعلم أن الإمارات تنفذ منذ سنوات برنامجاً استثمارياً ضخماً تتجاوز قيمته 100 مليار دولار، لرفع قدرتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً، وقد سرّعت إنجازه إلى العام 2027 بدلاً من 2030.

كل ذلك معلن، وواضح، ومعروف للأسواق، وثابت في خطط «أدنوك»، أكبر منتج نفطي في الإمارات، وإحدى أكبر شركات الطاقة في العالم.

فما معنى أن تضخ دولة عشرات المليارات لتوسيع قدرتها الإنتاجية، ثم تُمنع من استخدام هذه القدرة؟

وما المنطق في أن تستثمر في التوسعة، ثم تفاوض لاحقاً على حقها في الاستفادة مما أنفقته أصلاً؟

هنا تحديداً يصبح الخروج من «أوبك» ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية.

استمرار الإمارات داخل المنظمة كان يعني ببساطة أن جزءاً من طاقتها الإنتاجية سيبقى حبيس الآبار، معطلًا، غير مستغل، رغم كلفته الاستثمارية الضخمة.

أما الخروج من المنظمة، فهو القرار الطبيعي الذي يحرّر هذه القدرة، ويعيد مواءمة السياسة النفطية للدولة مع مصالحها الفعلية، لا مع قيود لم تعد تخدمها.

ومن حق الجميع أن يقرأ القرار ويحلله، لكن ليس من حق أحد الاعتراض عليه، فالإنضمام إلى المنظمات والخروج منها حق سيادي خالص، لا يقبل الوصاية، والدول لا تُحاسب حين تدافع عن مصالحها، بل تُلام فقط حين تفرّط بها، والإمارات لا تفرّط بمصالحها.

ومع ذلك، فإن خروج الإمارات لا يعني تخليها عن مسؤولياتها في السوق العالمي، فقد أكدت بوضوح التزامها باستقرار السوق النفطي، واستمرارها في تلبية احتياجات شركائها، وهي التي رسخت عبر عقود مكانتها بوصفها مورداً موثوقاً للطاقة، وصاحب سجل ثابت في الالتزام والانضباط، فضلاً عن أن خامها من بين الأجود عالمياً.

لكن ما تؤكده الإمارات اليوم، بوضوح لا يحتمل التأويل، أن التزامها باستقرار السوق لا يعني أن تبقى مصالحها الوطنية رهينة قرارات لم تعد منسجمة مع قدراتها، ولا مع استثماراتها، ولا مع أولوياتها التنموية.

هذا القرار لا يفتح فقط فصلاً جديداً في السياسة النفطية الإماراتية، بل يفتتح مرحلة جديدة في سوق الطاقة، مرحلة تتحرك فيها الإمارات وفق قدراتها الفعلية، واحتياطاتها الضخمة التي تتجاوز 120 مليار برميل، والتزاماتها التي تقررها هي، لا غيرها.

أما «أوبك»، فلا شك أنها ستتأثر بخروج ثالث أكبر المنتجين من تحالفها، وستفقد أحد أكثر أصواتها اتزاناً وعقلانية، لكن من المتوقع أن تستمر المنظمة، وتسعى إلى ترميم هذا الفراغ، وربما إلى توسيع شراكاتها مع منتجين آخرين من خارجها.

غير أن الحقيقة الأوضح تبقى أن الإمارات لم تكن المستفيد الأكبر من «أوبك»، بل كانت من أكثر من ضحّى من أجل التحالف، ولذلك، لا يمكن القول إن الإمارات خرجت من «أوبك» بقدر ما يمكن القول إنها توقفت عن التضحية من أجل المنظمة.

الإمارات فعلت الصواب، وفي الوقت المناسب.

http://almustshar.sy/wp-admin/post-new.php

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار