الاقتصاد المصري بين الإصلاح الاقتصادي الحقيقي والوهمي

مصطفى يوسف، 11/1/2024

 الاقتصاد المصري بين الإصلاح الاقتصادي الحقيقي والوهمي

مصطفى يوسفمصطفى يوسف، 11/1/2024

باحث في الاقتصاد السياسي، ومدير المركز الدولي للدارسات التنموية

تعاني الحكومة المصرية من تراجع كبير في مصادر العملة الأجنبية (مواقع التواصل الاجتماعي)

مع تواتر الأخبار عن اتجاه الحكومة المصرية لسياسة التوريق (رهن جزء من إيرادات قناة السويس للحصول على قرض جديد)، وتحويل أصول الدولة لصندوق مصر السيادي تمهيدا لرهن ولبيع الأصول المربحة والتاريخية حتى يتسنى للحكومة سداد جزء من الديون، وإكمال المشاريع الإبهارية غير المجدية اقتصاديا. ومع تخفيض وكالتي التصنيف الائتماني موديز وفيتش لتصنيف مصر الائتماني لأكثر من مرة خلال أقل من عامين، ومع صدور تقرير مورجان ستانلي -المؤسسة المالية العريقة- الذي يرسم صورة شديدة القتامة للاقتصاد المصري.

تعاني الحكومة المصرية من تراجع كبير في مصادر العملة الأجنبية وتناقص كبير بمقدار أكثر من الثلث في تحويلات المصريين المغتربين والعاملين بالخارج، نظرا لفقدان الثقة في الحكومة المصرية.

تشير التوصيات إلى ضرورة تخفيض سعر الجنية أمام الدولار الأميركي، ليصل إلى حدود 55 جنية لكل دولار (سعره في السوق الموازية وقت كتابة هذه السطور)، حتى يمكن تقييم الأصول المصرية المعروضة على الشركاء الإقليميين لصندوق النقد الدولي بشكل عادل. وقد قرر الشركاء الإقليميون ” دول الخليج” عدم اقراض النظام المصري أي قروض جديدة والاكتفاء بما تم تقديمه من منح لا ترد وقروض ميسرة وودائع تجاوزت ال ١٠٠ مليار دولار.

تعتبر سيطرة الجيش على معظم قطاعات الاقتصاد ومنافسة القطاع الخاص هي جوهر المشكلة، والتي بسببها يعاني الاقتصاد المصري من خلل هيكلي وغياب خطط التنمية الشاملة كما صرح مرارا مسئولو صندوق النقد والبنك الدوليين، وكذا عدم سيادة القانون مما أدى إلى إحجام الاستثمار الأجنبي المباشر.

تعاني الحكومة المصرية من تراجع كبير في مصادر العملة الأجنبية وتناقص كبير بمقدار أكثر من الثلث في تحويلات المصريين المغتربين والعاملين بالخارج، نظرا لفقدان الثقة في الحكومة المصرية. وقد وصل صافي عجز أصول مصر الأجنبية في نهاية أكتوبر ٢٠٢٣ إلى أكثر من ٢٧.١ مليار دولار.

فيما توقع محللو مورجان ستانلي أن تصل الفجوة التمويلية ما بين ٢٣-٢٤ مليار دولار حتى نهاية يونيو ٢٠٢٤، وهو ما يفوق توقعات محللي صندوق النقد الدولي، والتي تم تقديرها سابقا بحوالي ١٧ مليار دولار.

مما فاقم من الأزمة هو عدم قدرة النظام المصري على بيع أصول كما كان مخططا، نظرا لعدم وجود سعر صرف مرن للجنيه المصري وسيطرة المؤسسة العسكرية بشكل شبه كامل على مفاصل الاقتصاد

هل الاقتراض وبيع الأصول هما الحل؟

اعتادت حكومة الجمهورية الجديدة منذ ٢٠١٤ على الاقتراض بشكل مبالغ فيه وبأسعار فائدة تعتبر من الأعلى عالميا، فكيف انعكست هذه السياسة الاقتصادية والمالية على الاقتصاد المصري؟

انهار سعر صرف الجنية المصري أمام الدولار الأميركي، فبعد أن كان ٦.٣٥ قبل ٣ يوليو ٢٠١٣ (بداية الجمهورية الجديدة) أصبح الآن يناهز الـ 55 جنيها، وبعد أن كان إجمالي الدين الخارجي قرابة الـ ٤٣ مليار دولار قبل بداية الجمهورية الجديدة، تجاوز الآن ١٦٥ مليار دولار (٤ أضعاف تقريبا)، وارتفع الدين المحلي من ١.٢ تريليون جنيه إلى أكثر من ٧ تريليون جنيه (٦ أضعاف تقريبا).

تفاقمت أزمة الاقتصاد المصري بعد أزمتي الكوفيد- ١٩ وبعدها الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تخوف المقرضين الدوليين (مقرضي الأموال الساخنة) من اقراض الحكومة المصرية حيث بدأوا يبحثون عن ملاذات آمنة ودول ذات عملات أكثر استقرارا، ومن ثم أصبح الاقتصاد المصري أكثر هشاشة وتكدست البضائع والحاويات في الموانئ المصرية نظرا لشح الدولارات في السوق،  ونظرا لاستخدام معظم الحصيلة الدولارية في مشروعات لم يتم عمل دراسات لجدواها وليس لها مردود مباشر على الاقتصاد، أو تقوم بتحسين مستوى معيشة الغالبية العظمى من المصريين مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة وأكبر جامع في مصر ( يحتوي على أكبر نجفة في العالم) وأضخم كاتدرائية في أفريقيا، وأعلى برج في أفريقيا وتفريعة قناة السويس بالإضافة إلى قطار كهربائي يخدم الصفوة (أقل من ٣٪ من السكان)، بتكاليف مبدئية ١١ مليار دولار في اقتصاد مأزوم وبلد أكثر من ٦٠٪ من سكانه تحت وحول خط الفقر طبقا لتصريحات مسئولي البنك الدولي في ٢٠١٩ قبل أزمتي كوفيد- ١٩ و الحرب الروسية الأوكرانية، وتشير أرقام غير رسمية إلى تزايد معدلات الفقر بنسبة أكبر من تقديرات البنك الدولي “٥٠٪ تحت خط الفقر“.

بعد الموجة التضخمية الحالية التي تفاقمت نتيجة ازدياد كبير في أسعار الغذاء والطاقة من جراء ٣ أزمات عصفت بالاقتصاد العالمي خلال السنوات الأربعة الماضية، وهي كوفيد- ١٩ وبعدها أزمة سلاسل الإمداد والتوريد والحرب الروسية الأوكرانية، وإحجام المقرضين الدوليين عن إقراض النظام المصري الذي كان معتادا على الاقتراض مع غياب شبه كامل لخطط التنمية ودراسات الجدوى، وفي وجود فساد غير مسبوق، حيث تعتبر الأسوأ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومما فاقم من الأزمة هو عدم قدرة النظام المصري على بيع أصول كما كان مخططا، نظرا لعدم وجود سعر صرف مرن للجنيه المصري وسيطرة المؤسسة العسكرية بشكل شبه كامل على مفاصل الاقتصاد، مما يجعل هناك صعوبة شديدة لوجود أي تنافسية مع مؤسسة لديها إعفاءات ضريبية هائلة وعمالة شبه مجانية من المجندين.

يخرج علينا كل بضعة أسابيع رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي بتصريحات عن قرب حل مشكلة السيولة الدولارية، وعن اتفاقات لبيع المزيد من الأصول أو رهنها تحت مسمى التوريق (الاستدانة بطريقة مختلفة)، وهذه التصريحات لا تعبر عن الواقع ولا ترقى لكونها خططا، ولكنها تعبر عن أمنيات الحكومة المصرية. فبدلا من مواجهه الشعب المصري بالحقيقة والاعتراف بالأخطاء الاقتصادية الاستراتيجية الفادحة التي قامت بها الحكومة يحاول المسؤولون المصريون تحميل أزمتي الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية مسؤولية الفشل الاقتصادي، وهذه تبريرات لا تستند على حقائق، حيث أنه طبقا لبيانات البنك المركزي المصري فإن رصيد العملات الأجنبية السالب ومخاطر الديون ظهرت منذ ديسمبر 2021، أي قبل الحرب الروسية الأوكرانية بأكثر من ٨ اسابيع.

للأسف لازالت الحكومة المصرية تسعى للاقتراض من المؤسسات الدولية، وقد ظهر جليا سعادة وزير المالية ورئيس الوزراء بدعوة دول البريكس مصر للانضمام للتكتل الاقتصادي اعتبارا من مطلع هذا العام، حتى يتسنى لمصر الحصول على قروض جديدة من بنك التنمية الجديد التابع لتكتل البريكس.

الاقتراض وبيع الأصول ليسا حلا. الحل يكمن في مكافحة الفساد والشفافية ورفع يد المؤسسة العسكرية عن الاقتصاد وسيادة القانون. هذه الحلول المقترحة ممكنة في حال توافر الإرادة الصادقة والرغبة الحقيقية في التغيير.

ما هو الحل والمخرج للاقتصاد المصري من هذه الأزمة الطاحنة؟

سيادة القانون واستقلال القضاء ورفع يد الجيش عن الاقتصاد، بمعنى أن تؤول ملكية الوحدات الاقتصادية والأراضي المملوكة للجيش للدولة المصرية وأن تدرج موازنة هذه الوحدات الاقتصادية في الموازنة العامة للدولة، مع طرح هذه الوحدات في البورصة المصرية لكي يتم ملكية وإدارة هذه الأصول من قبل القطاع الخاص الوطني.

تقليص الإنفاق الحكومي وتحديدا مصروفات الحكومة والبرلمان ومؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية.

بيع المشاريع عديمة الجدوى الاقتصادية. على سبيل المثال العاصمة الإدارية الجديدة بمكاتبها الفاخرة والعلمين الجديدة والقصور الرئاسية والطائرات الرئاسية الجديدة -يتم البيع لشركات ومستثمرين أجانب- لتسديد جزء من الديون، كما فعل رئيس المكسيك “أندريس أوبرادور” ببيع الطائرة الرئاسية الشهيرة بفخامتها البالغة قيمتها 218 مليون دولار، والتي كانت تُعرف باسم الفيل الأبيض واعتبرها الرئيس رمزا للسفه في الإنفاق والفساد المالي، فليس من المنطقي في بلد يعاني غالبية سكانه من الفقر أن يكون لديه قصر رئاسي تبلغ مساحته ١٠ أضعاف مساحة البيت الأبيض في واشنطن. بيع هذه القصور والطائرات الرئاسية الفاخرة يعطي صورة عن نية الحكومة الصادقة في التقشف والتوقف عن الانفاق الترفي وجديتها في الإصلاح الحقيقي.

توجيه كافة موارد الدولة للتعليم والصحة ودعم الصناعات الصغيرة ودعم الصادرات والتنمية السياحية، مع رفع القبضة الأمنية المسيئة لسمعة السياحة المصرية (مصر تمتلك مقومات سياحية غير موجودة في معظم دول العالم وبها أكثر من ثلث آثار العالم).

عند تطبيق النقاط الأربعة المذكورة بنزاهة وشفافية يتم الاتفاق مع الجهات الدولية والمقرضين على إعادة جدولة الديون وتخفيض الفوائد، نظرا لوجود إصلاحات حقيقية وليس وعودا بالإصلاح الوهمي والتسويف كما يحدث منذ قرابة العامين.

لكن، الاقتراض وبيع الأصول ليسا حلا. الحل يكمن في مكافحة الفساد والشفافية ورفع يد المؤسسة العسكرية عن الاقتصاد وسيادة القانون. هذه الحلول المقترحة ممكنة في حال توافر الإرادة الصادقة والرغبة الحقيقية في التغيير.


 مصطفى يوسف

باحث في الاقتصاد السياسي، ومدير المركز الدولي للدارسات التنموية

باحث في الاقتصاد السياسي ودراسات الجدوى والدراسات التنموية، المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات التنموية

https://www.aljazeera.net/blogs/2024/1/11/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 × اثنان =

آخر الأخبار