اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي

مجلس التعاون الخليجي arab.org

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

تصنف اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي ضمن اقتصاديات الدول النامية رغم أنها تدخل في إطار الاقتصاديات النفطية التي تتميز بدرجة عالية من الطاقة التمويلية وارتفاع متوسط دخل الفرد فيها. ولما كان النفط من أهم مصادر دخل دول المجلس، فإنه من البديهي أن يعتمد أداء الاقتصاد الكلي على ما يتعرض له قطاع النفط من تغيرات. وقد أدركت هذه الدول الخطورة التي تكمن في الاعتماد على سلعة استراتيجية واحدة مثل النفط، لذلك فقد اتجهت إلى محاولة تنويع مصادر الدخل وبالتالي تنويع الصادرات من أجل التخفيف من تأثير العوامل الخارجية وتقلبات السوق العالمية.

وتعمل اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي/حالياً في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية وتسعى دول الخليج للمحافظة على اقتصاديات مستقرة وأسعار صرف لعملاتها ثابتة وتخفيض معدلات التضخم فيها وتحقيق عائد مناسب للاستثمار بهدف جلب رؤوس الأموال مع استمرار بذل الجهود لحماية البيئة في المنطقة.

1 – الدور الجديد لدول الخليج في التجارة الدولية:

وبذلك فإن دول الخليج تعمل على القيام بدور جديد في التجارة الدولية في ظل هذه المتغيرات. وهي تسعى لتصبح مركزاً رئيساً للتجارة الدولية في المنطقة، وعلى وجه الخصوص في مجال التجارة بين شرق آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. والوضع الجغرافي المميز للخليج يمنح هذه الدول فرصاً كبيرة لتحقيق ذلك.

والملاحظ أن دول الخليج تعمل ومنذ فترة طويلة لتصبح اقتصاداتها أكثر اعتماداً على النفس بدلاً من الاعتماد الرئيسي على موارد النفط. وهي بذلك تسعى إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية وجذب الرساميل والتكنولوجيا إلى المنطقة بصورة متواصلة.

وللقطاع الخاص دور هام جداً في مختلف جوانب التنمية، وبخاصة في المجال الصناعي، كما أن للدولة دور رئيسي في عملية التنمية الصناعية كمدعم ومكمل ومشجع لجهود القطاع الخاص. حيث تشرف الدولة على استكشاف واستخراج واستغلال الثروات المعدنية المختلفة وتعمل على استكمال برامج المدن الصناعية والتجهيزات والمرافق الأساسية واستمرار مشاركتها في الاستثمار الصناعي للمشاريع الصناعية الأساسية وتعليم وتدريب الأيدي العاملة وتأهيلها وتشجيعها على الانخراط في العمل الصناعي ومع ذلك فإن القطاع الخاص سيقوم أيضاً بدوره الرئيس في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في المرحلة المقبلة والتوجه نحو توظيف وتشغيل العمال في مشاريعه المتنوعة.

2 – مستقبل الاستثمار في دول الخليج:

في مجال الاستثمار من المتوقع أن يؤدي قيام سوق أوربية موحدة ومنطقة اقتصادية أوربية خلال عقد التسعينات إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات الخليجية إلى تلك المنطقة (الأوروبية) ويؤكد هذه التوقعات الارتفاع المتوقع للعائدات النفطية الخليجية خلال التسعينات ورغبة المواطنين الخليجيين في توفير قدر أكبر من التنويع الجغرافي لاستثماراتهم.

يرى المسؤولون في مقر السوق الأوروبية المشتركة في بروكسل أنه ليس من المؤكد أن تكون الاستثمارات الأوروبية في دول مجلس التعاون الخليجي بنفس ديناميكية الاستثمارات الخليجية في أوروبا. حيث أن دول المجلس لا تمثل من حيث طاقتها السوقية (من ناحية إجمالي ناتجها القومي) أكثر من 4 % من طاقات المنطقة الاقتصادية الأوروبية. ولكن من المتوقع أن يؤدي اعتماد وحدة النقد الأوروبية (اليورو) كعملة أوروبية مشتركة جديدة إلى تعزيز التعاون القائم بين البنك المركزي الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. وربما تجد دول المجلس نفسها أمام إغراء الاحتفاظ بجزء من احتياطياتها بعملة (اليورو).

كيف يرى الاقتصاديون مستقبل الاستثمار الأوروبي في دول مجلس التعاون الخليجي؟ رداً على هذه السؤال نجد في السوق الأوروبية اليوم رأيان، الرأي الأول ينادي بضرورة تعزيز الاستثمارات في الخليج وتدعيمها في المستقبل وعدم ترك أي فراغ أمام المنافسين من جهة، وزيادة حجم الاستثمار من أجل الحصول على حصص أكبر في السوق الخليجية التي ستشهد في المستقبل القريب طفرة لم يسبق لها مثيل من جهة أخرى. أما الرأي الثاني فينصح بضرورة الاكتفاء بحجم الاستثمار الحالي وعدم زيادته والتوجه نحو أسواق أخرى كأسواق دول أوروبا الشرقية. ويبرر أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم بالتأكيد على أن أسواق الخليج “صعبة المراس” بالنسبة للمستثمرين الأوروبيين الذين مهما حاولوا فإنهم لن يتمكنوا من الحصول على حصة أكبر من تلك التي حصلوا عليها في السابق.

تستورد دول مجلس التعاون الخليجي سنوياً ما قيمته 70 إلى 80 مليار دولار سنوياً، وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى في الاستيراد وتصل حصتها إلى حوالي 30 مليار دولار، ثم تليها دولة الإمارات العربية المتحدة التي تصل حصتها إلى نحو 25 مليار دولار. ويصل مجمل الاستيراد لدول المجلس إلى أكثر من 40 مليون طن سنوياً معظمها يصل عن طريق البحر (حوالي 80% من إجمالي حجم الاستيراد). ولا بد من الإشارة إلى أهمية تجارة إعادة التصدير حيث تعد دول مجلس التعاون الخليجي وإيران من أهم الأسواق التي تتجه إليها البضائع المعاد تصديرها.

تعتبر السوق الأوربية المشتركة الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون، وينمو باطراد حجم وقيمة التجارة بين دول مجلس التعاون والمجموعة الأوروبية)، حيث يصل حجم واردات دول مجلس التعاون من الاتحاد الأوروبي إلى حوالي نصف إجمالي مستورداتها، مما جعل المجموعة الأوروبية أكبر شريك تجاري لدول المجلس. وقد أكد أبرهارد راين مدير شؤون دول الشرق الأوسط لدى السوق الأوروبية المشتركة في بروكسل أن مجلس التعاون يعتبر من أهم الشركاء التجاريين للمجموعة الأوروبية.

وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الثانية بين الشركاء التجاريين  لدول مجلس التعاون الخليجي، ومن المتوقع أن يزداد حجم الواردات الأمريكية من نفط دول مجلس التعاون والتي تصل أحياناً إلى أكثر من 7 ملايين برميل يومياً.

3 – دعم الصناعة وتنويع الواردات:

من المتوقع أن تواصل الطاقة، وبخاصة النفط، هيمنتها على جزء كبير من النشاط الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي وعلاقاتها الاقتصادية ولفترة طويلة. ومع ذلك فإن دول المجلس تسعى إلى تنويع اقتصاداتها باتجاه التصنيع الذي يسهم في تقليص أهمية النفط في الناتج القومي الإجمالي. وقد برزت الصناعة في هذه المجموعة من الدول كقطاع ديناميكي متطور ومن المتوقع أن تشهد نمواً متسارعاً ومع مطلع القرن القادم.

أوضح الدكتور عبد الرحمن الجعفري، أمين عام منظمة الخليج للاستثمارات الصناعية، أن التصنيع في دول الخليج قد أسهم في تقليص الاعتماد على الواردات وأدى إلى تنويع الصادرات وتوفير فرص العمل. أما بالنسبة للتوسع الصناعي في دول المجلس خلال التسعينات فقد تركز على المنتجات البتروكيماوية والتعدينية والهندسية بالدرجة الأولى وبهدف التصدير. ويجب أن تركز السياسات الخليجية الهادفة إلى دعم الصناعة وزيادة الصادرات الصناعية على المحاور التالية:

  • إعادة هيكلة القطاع الصناعي في دول المجلس للاستفادة من الطاقات الفائضة وتعزيز الربحية والقدرة على التنافس.
  • تنويع موارد تهويل الاستثمار في الصناعة للقطاع الخاص الخليجي.
  • التوسع في برامج ترويج الصادرات والخدمات المالية في مجال التصدير، واستحداث وكالات لتنمية الصادرات وتشجيعها.
  • تطوير القدرات الذاتية لتنمية واستيعاب التكنولوجيا وتوطينها وإبداعها.

من المتوقع أن تجد الصادرات الصناعية الخليجية فرصاً جديدة للتصدير إلى دول أوروبا الشرقية بسبب تحولها إلى اقتصاد السوق الأمر الذي يؤدي إلى زيادة حصة الصادرات الخليجية إلى تلك الأسواق.

يتمركز قيام الهيكل الإنتاجي المتنوع في إطار الجهود التنموية المبذولة لتنويع مصادر الدخل في دول مجلس التعاون الخليجي حول تطوير الصناعات البتروكيماوية وإقامة صناعات ثانوية وخفيفة مترادفة مشتقة من الصناعات الأساسية التي ازدهرت بالمجمعات الصناعية الضخمة التي أنشأتها حكومات هذه الدول، مما سيجعل هذا القطاع مميزاً ورائداً في التصدير إذ لا بد أن تكون منتجاته منافسة بسبب توفر معظم المواد الأولية محلياً.

4 – برنامج دول مجلس التعاون لدعم التنمية الاقتصادية للدول العربية:

أقر قادة دول مجلس التعاون في قمة الكويت إنشاء برنامج دول مجلس التعاون لدعم التنمية الاقتصادية للدول العربية، كما أيدوا إنشاء صندوق لإعادة إعمار لبنان والمساهمة في رأسماله ضمن مجهود دولي لهذا الغرض.

والتزمت دولة الإمارات العربية بدفع مبلغ 1.5 مليار دولار لحساب برنامج مجلس التعاون الخليجي لدعم جهود التنمية الاقتصادية في الدول العربية. كما التزمت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت بدفع 2 مليار دولار لكل منهما لدعم موارد البرنامج. وتبلغ قيمة هذا البرنامج الإجمالية 10 مليار دولار تقدم لدعم جهود التنمية العربية خلال فترة عشرة سنوات. وقد نصت الضوابط العملية والتنفيذية التي أقرها مجلس إدارة البرنامج على توجيه المساعدات بشكل مباشر إلى القطاع الخاص والقطاعات التنموية ومتابعة تنفيذ المشاريع بما يحقق تنمية شاملة في الدول العربية المستفيدة من مساعدات البرنامج.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

 كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان × 2 =

آخر الأخبار