سوريا تفتح باب التملك الكامل: إختبار الثقة الاقتصادية

المدن، دمشق - رهام علي، الأحد 2026/02/22

سوريا تفتح باب التملك الكامل: إختبار الثقة الاقتصادية

المدن، دمشق – رهام علي، الأحد 2026/02/22

بعد سنوات طويلة من الانكماش الاقتصادي والعزلة، تحاول سوريا إعادة فتح أبوابها أمام الاستثمار الأجنبي عبر قانون الاستثمار الجديد لعام 2025، الذي يمنح المستثمر غير السوري حق التملك بنسبة 100%، ويقدم حوافز ضريبية واسعة تصل إلى الإعفاء الكامل في بعض القطاعات. خطوة وُصفت رسمياً بأنها تحول مفصلي في بيئة الأعمال، لكنها تطرح في المقابل أسئلة جوهرية حول قدرة الاقتصاد السوري على استيعاب هذا النوع من الاستثمارات، والفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي.

 

نصوص قانونية بمعايير دولية

ينص قانون الاستثمار الجديد على ضمانات تُعد “نظرياً” من الركائز الأساسية لأي بيئة استثمارية جاذبة: حماية الملكية الخاصة، منع المصادرة أو وضع اليد، حرية تحويل الأرباح، والتملك الكامل دون الحاجة إلى شريك محلي. وهي مبادئ تتوافق مع المعايير التي تعتمدها منظمات دولية مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، والتي تعتبر استقرار القواعد القانونية وحماية الملكية شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

غير أن التجارب الدولية تُظهر أن وجود النصوص لا يعني بالضرورة فعاليتها، إذ تُقاس القيمة الحقيقية لأي قانون استثماري بمدى استقلال القضاء، ووضوح آليات التحكيم، وسرعة الفصل في النزاعات. وفي الحالة السورية، لا يوضح القانون بشكل تفصيلي آليات حل النزاعات بين المستثمر والدولة، ولا يحدد بشكل قاطع ما إذا كانت تُدار عبر القضاء المحلي حصراً أم عبر التحكيم الدولي، ما يجعل اختبار هذه الضمانات مؤجلاً إلى أول نزاع فعلي.

وبحسب تقارير البنك الدولي حول بيئة الأعمال، فإن ضعف استقلال القضاء وتعقيد الإجراءات القانونية يُعدّان من أبرز العوامل الطاردة للاستثمار، حتى في الدول التي تمتلك قوانين استثمار متقدمة شكلياً.

قانون متقدم… واقتصاد هش

من منظور أكاديمي، يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد في حديثه مع “المدن” أن الاقتصاد السوري لا يزال يواجه تحديات بنيوية عميقة تحدّ من قدرته على استيعاب استثمارات أجنبية ذات طبيعة إنتاجية طويلة الأجل. فرغم صدور قانون الاستثمار الجديد، لا تزال الفجوة واسعة بين الإطار القانوني المعلن والتطبيق العملي، وهو ما يضعف الثقة الاستثمارية، خصوصاً في ظل هشاشة البنية المؤسسية وضعف قدرة الأجهزة التنفيذية على إنفاذ القوانين وحماية الحقوق.

هذا التوصيف يلتقي مع قراءة الباحث الاقتصادي محمد العلبي، الذي يشير لـ”المدن” إلى أن وجود فجوة طلب كبيرة بعد سنوات من الانكماش، وانخفاض كلفة العمل والأصول، يمكن أن يشكل عامل جذب مبدئي لبعض المستثمرين الباحثين عن عوائد سريعة في أنشطة أساسية. إلا أن هذه العوامل، برأيه، لا تعوّض غياب اليقين في “قواعد اللعبة”، ولا تعدد مراكز القرار، ولا الخوف الدائم من تغيّر التعليمات والرسوم بشكل مفاجئ، وهي مخاطر تجعل البيئة الاستثمارية غير قابلة للتنبؤ مهما كانت النصوص القانونية مشجعة.

التملك 100%: جرأة أم مخاطرة سيادية؟

يُجمع الخبيران على أن منح المستثمر الأجنبي حق التملك الكامل بنسبة 100% يشكل خطوة غير مسبوقة في السياق السوري، تهدف بوضوح إلى تعزيز جاذبية السوق. غير أن الدكتور عبد الرحمن محمد يحذّر من أن هذه الخطوة، في غياب ضمانات تنفيذية ورقابية صارمة، قد تفتح الباب أمام مخاطر حقيقية، أبرزها هيمنة رؤوس الأموال الأجنبية على قطاعات استراتيجية، ما يطرح تساؤلات تتعلق بالسيادة الاقتصادية وقدرة الدولة على توجيه التنمية.

من جهته، يؤكد العلبي أن المستثمر لا يبحث عن الملكية بحد ذاتها بقدر ما يبحث عن قابلية التشغيل الفعلي، استقرار الأطر القانونية، إمكانية التسعير، حرية التحويل، وإنفاذ العقود عند النزاع، وبحسب علبي فما دامت هذه العناصر غير مضمونة عملياً، تبقى المخاوف التنفيذية قائمة، حتى مع أوسع الضمانات القانونية، ويظل التملك الكامل خطوة ناقصة الأثر على مستوى بناء الثقة.

إعفاءات ضريبية واسعة

يقدّم قانون الاستثمار الجديد إعفاءات ضريبية كاملة لقطاعات مثل الزراعة والصحة، وحوافز كبيرة للصناعة، وهو ما يراه الدكتور عبد الرحمن محمد سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، يمكن لهذه الإعفاءات أن تخفف العبء المالي عن المستثمرين وتشجع دخولهم إلى قطاعات ذات أولوية تنموية. لكن من جهة أخرى، قد تؤدي الإعفاءات الواسعة وغير الموجهة إلى تشوهات في السوق، عبر تركّز الاستثمارات في قطاعات محددة على حساب أخرى، وتعميق التفاوت بين القطاعات الاقتصادية، ما لم تُربط بسياسات تنموية واضحة وأهداف طويلة الأجل.

هذا القلق يتقاطع مع رؤية العلبي، الذي يرى أن غياب رؤية اقتصادية متكاملة يجعل من الحوافز الضريبية أداة جذب قصيرة النفس، لا تضمن بالضرورة استثمارات منتجة، بل قد تشجع على دخول رؤوس أموال تبحث عن الربح السريع والخروج الآمن، بدل المساهمة في إعادة بناء القاعدة الإنتاجية.

استثمارات ريعية أم إنتاج حقيقي؟

وفي ظل ضعف البنية التحتية وغياب الاستقرار السياسي والاقتصادي الكامل، يحذّر الدكتور عبد الرحمن محمد من خطر تحوّل الاستثمارات الأجنبية إلى استثمارات ريعية قصيرة الأجل، خصوصاً في القطاعات التي لا تتطلب بنى تحتية متطورة أو التزامات طويلة الأمد. فتنفيذ مشاريع إنتاجية حقيقية يتطلب استثمارات ضخمة في الكهرباء والنقل والخدمات اللوجستية، وهي شروط لا تزال غير متوفرة على نحو كافٍ.

أما العلبي، فيقارب المسألة من زاوية عملية، مشيراً إلى أن القطاعات الأكثر أماناً نسبياً في المرحلة الراهنة هي تلك ذات الطلب الأساسي ودورة رأس المال القصيرة، مثل سلاسل الغذاء والتصنيع الغذائي الخفيف، والخدمات الصحية وشبه الطبية، والتعليم والتدريب والخدمات المهنية، مع حذر محسوب في حلول الطاقة اللامركزية. في المقابل، تبقى الاستثمارات الثقيلة طويلة الأجل، كالعقار والصناعة الكبيرة، عالية المخاطر في ظل عدم استقرار البيئة التشغيلية.

عقبات التحويل وسوق العمل

بالنسبة للمستثمرين المغتربين، لا تبدو العقبات محصورة في النصوص القانونية. فبحسب العلبي، تبقى مسألة التحويلات المالية والامتثال المصرفي العائق الأثقل، نظراً لما تحمله من مخاطر قانونية ومالية خارج سوريا. يلي ذلك عدم استقرار سعر الصرف وصعوبة التسعير، ثم ضعف إنفاذ العقود، خصوصاً في الشراكات المحلية، وصولاً إلى بيئة إدارية ثقيلة تجعل كلفة التشغيل غير قابلة للتنبؤ.

هذه الصورة تؤكد، من منظور أكاديمي، ما يطرحه الدكتور عبد الرحمن محمد حول ضرورة النظر إلى قانون الاستثمار كجزء من حزمة إصلاحات أشمل، لا كحل مستقل. فالقانون، مهما كان متقدماً على الورق، لا يستطيع بمفرده معالجة اختلالات هيكلية متراكمة.

بالتوازي، يسمح القانون باستقدام ما لا يقل عن 40% من العمالة غير السورية، وهو بند يثير نقاشاً حساساً في سوق عمل يعاني من بطالة مرتفعة وهجرة للكفاءات. وتشير منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن نجاح الاستثمارات الأجنبية في الاقتصادات الهشة يرتبط بقدرتها على خلق فرص عمل محلية مستدامة.

ما الذي يحتاجه القانون ليصبح فاعلاً؟

يتفق الخبيران على أن نجاح قانون الاستثمار الجديد مشروط بإصلاحات اقتصادية عميقة، تبدأ بتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وإصلاح النظام القضائي لضمان استقلاليته وفعاليته في حل النزاعات، وتحسين البنية التحتية، وتطوير النظام المالي والمصرفي لتسهيل تدفق رؤوس الأموال وحماية الاستثمارات.

في المحصلة، يكشف فتح باب التملك الكامل أمام المستثمر الأجنبي عن مفارقة واضحة: نص قانوني متقدم وطموح، في مقابل اقتصاد ما يزال يعاني من هشاشة بنيوية وتحديات تنفيذية. وبين الرغبة في جذب الاستثمار والحاجة إلى حماية المصالح الوطنية، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة سوريا على تحويل هذا القانون من إعلان نوايا إلى أداة فعلية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، لا مجرد بوابة لاستثمارات سريعة العائد وقصيرة الأجل.

موقع سوريا على خريطة الاستثمار

ورغم الحديث الرسمي عن أن القانون الجديد من بين “أفضل عشرة قوانين استثمارية عالميًا”، لا تزال سوريا خارج معظم مؤشرات التصنيف الدولية، مثل مؤشر سهولة ممارسة الأعمال ومؤشر مخاطر الاستثمار، بسبب غياب البيانات أو صعوبة التقييم.

وتُظهر تجارب دول الجوار أن النص القانوني ليس العامل الحاسم وحده، بل الاستقرار النقدي، سهولة التحويلات المالية، وضوح السياسة الاقتصادية، وهي عوامل لا تزال موضع تساؤل في الحالة السورية، خصوصًا مع استمرار تقلبات سعر الصرف وضعف القطاع المصرفي.

وقد اعتُبرت الاتفاقيات الموقعة مع الجانب السعودي أول اختبار عملي للقانون الجديد، لكنها حتى الآن بقيت في إطار الإطار العام، دون إعلان عن مشاريع منفذة أو رؤوس أموال دخلت فعليًا إلى السوق السورية.

وبحسب UNCTAD، فإن الفجوة بين توقيع الاتفاقيات وتنفيذ الاستثمارات الفعلية غالبًا ما تكشف قدرة الدولة على توفير بيئة تشغيلية حقيقية، لا مجرد ضمانات مكتوبة.

بين القانون والواقع

بالمحصلة لا يمكن إنكار أن قانون الاستثمار الجديد يمثل تحولًا مهمًا في الخطاب الاقتصادي السوري، وينقل البلاد “نظريًا” من اقتصاد مقيّد إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا.

لكن التجارب الاقتصادية تؤكد أن القوانين لا تُختبر بالنصوص، بل بالممارسة، وأن جذب الاستثمار يتطلب منظومة متكاملة تشمل القضاء، المصارف، السياسة النقدية، والشفافية المؤسسية.

وحتى ذلك الحين، يبقى القانون خطوة متقدمة على الورق، فيما يظل المستثمر الحقيقي في موقع المراقب، بانتظار أول تجربة ناجحة.

https://www.almodon.com/amp/economy/2026/02/22/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84-%D8%A5%D8%AE%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار