دروس من الحياة…
محمد سعيد الحلبي د
في كل مرحلة جديدة من عمري أكتشف أن شيئاً ما كان ينبغي أن أتعلمه في صغري ولم أتعلمه، فأضطر إلى تعلمه متأخراً وحدي، وأحياناً بعد مواقف كثيرة من التردد والحرج وسوء التصرف.
من ذلك مثلاً حسن استقبال الضيوف والتصرف معهم؛ فقد كنت أخجل أن أقول لأحد زائرينا: “تفضل”، وأعزم عليه بالدخول بجدية. كان أبي قد توفي وأنا صغير، وكنت أتصور أنه ما دام لا يوجد رجل في المنزل، وفيه أمي وأختي، فلا ينبغي أن أُدخل أحداً إليه.
فكنت أرحب بالضيف على استحياء، وأطلب منه الدخول إلى المنزل بتردد؛ فلا أنا أحسنت إكرامه، ولا كنت أعرف كيف أتصرف بطريقة تحفظ حرمة البيت وتؤدي حق الضيف. واكتشفت متأخراً أن هذه التفاصيل البسيطة تحتاج إلى من يعلمك إياها ويدربك عليها.
وكذلك حسن التصرف في المال: ما الذي يُنفق منه وما الذي لا يستحق؟ وما الفرق بين الكرم والتبذير؟ وهل الكرم أن تنفق بلا حساب وعلى أي أحد؟ وكيف تدبر احتياجات المنزل، وتوازن بين الجودة والسعر، وتختار أفضل الأصناف بأقل تكلفة؟
بل حتى حين أكون وحدي في مكان، ويحدث أمر مفاجئ يتطلب اتخاذ موقف، أو طلب مساعدة، أو حسن رد وتصرف؛ اكتشفت أن أشياء كثيرة من ذلك تعلمتها متأخراً، وبعضها ما زلت أتعلمه إلى اليوم.
ويظل هاجس يتردد داخلي كلما انتبهت إلى شيء ينقصني: هل يعود ذلك إلى أنني فقدت أبي في سن صغيرة، فلم أتعلم منه ما يتعلمه الابن عادة من أبيه، بالمرافقة والمشاهدة وكثرة المواقف؟
نعم، ليس كل الآباء يحسنون تربية أبنائهم، وليس كل ابن يعيش مع أبيه يتعلم منه هذه الأمور؛ بل قد يكون الأب حاضراً بجسده، غائباً عن تربية ابنه وتعليمه. لكن هذا لا يعفي الآباء من مسؤوليتهم، كما لا يعفينا نحن من مسؤوليتنا تجاه أبنائنا.
لهذا توقفت عند بعض المعاني التي ذكرها أحد المربين، في حلقة بعنوان: “مهارة الحزم في التربية: كيف تبني شخصية مسؤولة؟”.
من أهم هذه المعاني أن القدوة العملية هي “التربية الصامتة”؛ فالابن لا يتعلم فقط مما نقوله له، وإنما مما يراه فينا. يتعلم كيف يستقبل الضيف حين يرانا نفعل ذلك، وكيف يشتري وينفق حين يصاحبنا، وكيف يطلب حقه ويحفظ حقوق الناس، وكيف يعتذر ويتصرف عند الخطأ، وكيف يثبت في المواقف المفاجئة.
وربما كان هذا تحديداً أكثر ما يفتقده من غاب عنه أبوه صغيراً؛ لا المواعظ المباشرة، ولكن تلك المواقف اليومية الصغيرة التي يتعلم منها الابن دون أن يشعر أنه يتلقى درساً.
والحديث كذلك عن الحماية الزائدة التي تُمارس أحياناً باسم الحب؛ فبعض الآباء يظن أنه يحسن إلى ابنه حين يقضي عنه كل أمر، ويختار له كل شيء، ويتدخل لحل كل مشكلة تواجهه، ويمنعه من التجربة حتى لا يخطئ أو يتعب.
ثم يكبر الابن، فإذا هو يملك أشياء كثيرة، لكنه لا يملك من أمر نفسه كثيراً!
لا يعرف كيف يتصرف في موقف مفاجئ، ولا كيف يطلب حقه، أو يعتذر عن خطئه، أو يستقبل ضيفاً، أو ينفق ماله، أو يشتري احتياجاته، أو يتحمل نتيجة قرار اتخذه وحده.
ومن المعاني المهمة أن الرعاية لا تنقطع عن الأبناء، لكنها ينبغي أن تتغير مع أعمارهم؛ فكلما كبر الابن تقل الرعاية المباشرة، وتزداد مساحة المسؤولية.
فلا يصح أن تعامل ابنك في الخامسة عشرة كما كنت تعامله في الخامسة، ثم تشكو بعد ذلك من أنه لا يستطيع التصرف وحده. أعطه في كل مرحلة من المسؤولية ما يناسب عمره، ودعه يجرب تحت نظرك، ويخطئ وأنت قريب منه، بدلاً من أن تمنعه من كل خطأ حتى يضطر إلى خوض التجربة وحده بعدما يكبر.
وليس المطلوب أن نترك أبناءنا للحياة تفعل بهم ما تشاء، ولا أن نقسو عليهم حتى نزعم أننا نصنع منهم رجالاً؛ وإنما أن نوازن بين الرعاية والمسؤولية، وبين الحزم واللين.
فاللين ليس أن تستجيب لكل رغبات ابنك، والحزم ليس أن تهينه أو تحطم شخصيته. وإنما تحتضنه دون أن تلغي شخصيته، وتتابعه دون أن تحاصره، وتعالج خطأه دون أن تهدمه هو.
فالهدف من التربية ليس أن يظل ابنك محتاجاً إليك في كل صغيرة وكبيرة، ولا أن ينفذ أوامرك ما دمت واقفاً أمامه؛ بل أن يصبح قادراً على التصرف حين تغيب، وعلى الاختيار حين لا يجد من يختار عنه، وعلى تحمل المسؤولية دون أن ينتظر دائماً من ينقذه من نتائج قراراته.
ولهذا أحاول قدر استطاعتي أن أزرع في ابني ما اكتشفت متأخراً أنه كان ينقصني، وأن أدربه على ما اضطررت أنا إلى تعلمه وحدي بعد سنوات.
لا لأصنع منه نسخة مني، ولا لأجنبه كل خطأ؛ ولكن حتى لا يدخل الحياة خالي اليدين من تلك المهارات الصغيرة التي لا تبدو مهمة، ثم يكتشف بعد ذلك أنها تصنع فارقاً كبيراً في شخصية الرجل وقدرته على مواجهة الحياة.
فمن حق أبنائنا علينا ألا نكتفي بأن نوفر لهم الطعام والملابس والتعليم، ثم نظن أننا أدينا الأمانة كاملة.
من هو من حقهم أن نصاحبهم، وأن نعلمهم كيف يعيشون، ثم نترك لهم مساحة ليعيشوا بأنفسهم؛ نبقى قريبين منهم إن تعثروا، لكننا لا نحملهم طويلاً حتى تنسى أقدامهم كيف تمشي.
الدكتور محمد سعيد الحلبي