قضايا اقتصادية ملحة في الدول العربية

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

خلال الربع الأخير من القرن العشرين بدأت معظم الاقتصادات العربية مرحلة جديدة تسمى مرحلة الإصلاح الاقتصادي. وقطعت شوطاً كبيراً في الاتجاه نحو إقامة اقتصادات تستند إلى “اقتصاد السوق”. وقد رافق هذا التحول تضحيات كبيرة وعدم استقرار في الإنتاج والعلاقات الاقتصادية الخارجية، وتزايد عدد الأغنياء وعدد الفقراء، وازداد الأغنياء غناً والفقراء فقراً. لهذا حاولت بعض الدول العربية الاستفادة من نصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تطبيق برامج التثبيت الهيكلي والإصلاح الاقتصادي، الذي كان هدفه الحد من النتائج المذكورة في البلدان العربية، بينما ظلت التحديات كبيرة جداً كما توضحها المشاكل والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها معظم الدول العربية. ماذا تحقق من تقدم؟ وما هي ملامح المستقبل الاقتصادي للبلدان العربية؟

1 – الاقتصاد العربي بداية القرن الواحد والعشرين:

فتحت التطورات الاقتصادية والتقنية العالمية آفاقا واسعة أمام اقتصاديات الدول العربية، وجاءت اتفاقيات التجارة العالمية للدفع بالأسواق العالمية نحو الانفتاح، وتحرير التجارة من القيود الجمركية المختلفة.

وإذا كان هذا الانفتاح سهّل انتقال التقنية الحديثة والاستثمارات بين البلدان، إلا أن تحديات كبرى قد اقتحمت البيت الاقتصادي العربي لجهة تحسين نوعية الإنتاج ليرقى إلى المواصفات والمقاييس الدولية، بل وأبعد من ذلك، فتحت الباب واسعا أمام تفكير تفرضه المصلحة نحو توحيد الأسواق العربية، والتوسع في مناطق التجارة الحرة بين البلدان العربية لتأمين صمود واستمرار هذه الاقتصاديات ومواجهة المنافسة الهائلة التي فرضتها الأسواق المتطورة. [1]

2 – تحديات الوضع العربي الراهن:

تواجه الاقتصادات العربية تحديات كبيرة ومتنوعة، من مصادر داخلية وخارجية، نتيجتها حدوث حالة من عدم الاستقرار المزمن في عدد من البلدان العربية، ونشوب نزاعات وحروب وتصاعد التدخلات الخارجية في عدد من الدول العربية. ومع بدء التعافي لاقتصادات عربية معينة بعد فترة من التمزق وتدهور الحالة الأمنية خلال السنوات الأخيرة. [2]

هناك قضايا اقتصادية ملحة في الوطن العربي أهمها:

1 ـ تسريع وتائر التنمية الشاملة وتوسيع دائرة انتشارها.

2 ـ معالجة موضوع عدم المساواة في توزيع الدخل.

3 ـ توفير المناخ المناسب لتدفقات رؤوس الأموال.

4 ـ الحد من التضخم.

5 ـ الإصلاح الإداري وسياسات الأجور.

6 ـ إصلاح القطاع المصرفي، والسياسات المالية والنقدية.

7 ـ إصلاح المشروعات العامة وتطويرها.

8 ـ تطوير الميزانية وقيودها وإجراء الإصلاح الضريبي.

9 ـ الاهتمام بموضوع الاقتصاد الموازي والاقتصاد السري.

10 ـ دور الحكومة المتغير.

11 ـ الاهتمام بالتنمية البشرية.

12 ـ تحديات الألفية الثالثة.

لا يوجد نمط واحد يميز التجارب التنموية في الاقتصادات العربية. بل هناك تباين واختلافات كبيرة بين البلدان أو مجموعات البلدان العربية. ويمكننا تقسيم البلدان العربية من حيث سرعة واستمرار النمو الاقتصادي في ثلاث مجموعات رئيسة هي:

  • الدول التي لديها معدل نمو مستمر وعالي.
  • الدول التي لديها معدل نمو سالب.
  • الدول التي لديها معدل نمو قليل جداً أو لا تحقق معدل نمو على الإطلاق.

3 – أسعار النفط، أحد أهم العوامل التي تتحكم بآفاق النمو الاقتصادي:

قد تشهد أسعار النفط، التي تُعد أحد أهم العوامل التي تتحكم في آفاق النمو الاقتصادي في البلدان العربية ارتفاعات حادة فوق مستواها الراهن بحيث تدفع بمتوسط سعر البرميل الواحد إلى حوالي 30 دولاراً في عام 2001. وأكد التقرير أن الأسعار المرتفعة لا يمكن أن تستمر طويلاً بسبب مخاطرها على الاقتصاد الدولي ومستقبل النفط. واعتبر حتى المستويات الراهنة للأسعار مؤقتة لأنها نجمت عن مجموعة من العوامل غير المتوقعة. وأشار إلى أن من شأن مزيج من الزيادة في المعروض وبعض الهبوط في الطلب (كنتيجة لارتفاع الأسعار) أن يخفض متوسط أسعار النفط من 28 دولاراً للبرميل في عام 2000 إلى 25 دولاراً سنة 2001 و21 دولاراً سنة 2002. [3]

(وحسب معطيات التقرير يُنتظر أن يرتفع معدل نمو إجمالي الناتج المحلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من 2.2 في المائة العام الماضي إلى 3.1 في المائة السنة الجارية، كما يُتوقع أن تحقق اقتصادات دول المنطقة ككل نمواً بنسبة 3.8 في المائة سنة 2001 و3.6 في المائة سنة 2002. وذكر التقرير أن بقاء أسعار النفط عند مستوي 30 دولاراً للبرميل لفترة أطول من المتوقع السنة الجارية عزز قدرة الدول المصدرة للنفط على دعم ناتجها المحلي، ما انعكس إيجابا على أوضاعها المالية بعدما ساهمت عائدات النفط المرتفعة في خفض عجوزات موازناتها وتقليص حاجاتها للاقتراض). [4]

كما أكد الاقتصاديون في البنك الدولي أن أسعار النفط علاوة على عوامل أخرى من ضمنها بلوغ الدورة الراهنة للاقتصاد الدولي ذروتها وقوة الطلب في أسواق التصدير التقليدية، لاسيما في منطقة اليورو، وانتعاش حركة السياحة في حوض البحر المتوسط تتيح للدول العربية المصدرة للنفط أو الدول ذات الصادرات المتنوعة ظروفا مواتية لتحقيق نمو معتدل في المدى القصير.

وتوقع الاقتصاديون في البنك الدولي أن تستمر عائدات النفط في دعم الناتج المحلي لهذه الدول حتى مع تراجع أسعار النفط إلى 25 دولاراً سنة 2001 و21 دولاراً سنة 2002. لكن الخبراء أوضحوا في التقرير في إشارة إلى تراكمات أزمة أسعار النفط لعام 1998 أن ارتفاع عائدات النفط يفترض ألا يلغي حاجة الدول النفطية للاستمرار في تقييد إنفاقها وتطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي.

وأشاروا إلى أن التقدم الذي تم إحرازه لتشجيع الاستثمار في قطاعي النفط والغاز وتبني نظم تجارية أكثر انفتاحا في منطقة الخليج وكذلك اعتماد برامج تخصيص صناعات القطاع الخاص وتشجيع استثمارات النفط والغاز في الجزائر وإيران من شأنها أن تساهم في دعم الناتج المحلي في الدول المصدرة للنفط. وبالنسبة للدول ذات الصادرات المتنوعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أوضح تقرير البنك الدولي أن الغالبية أفادت من ظروف مواتية على الصعيد الخارجي لكنها تأثرت بتطورات سلبية على الصعيد الداخلي.

وترتب على ذلك أن ارتفع متوسط إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول بشكل طفيف من 3.3 في المائة العام الماضي إلى 3.6 في المائة السنة الجارية وينتظر أن يواصل ارتفاعه بصورة معتدلة حيث يُتوقع أن تبلغ نسبة النمو 4.7 في المائة سنة 2001 ثم 4.9 في المائة سنة 2002.

وأشار تقرير البنك الدولي إلى أن الانتعاش الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي ساهم في تنشيط حركة السياحة في المنطقة، لاسيما مصر وتونس والأردن، ورفع الطلب على بعض أنواع صادراتها مثل المواد الغذائية والأولية والمنتجات الميكانيكية والطاقة، كما ساهم تحسن النشاط الاقتصادي في الدول الأوروبية المطلة علي البحر المتوسط ومنطقة الخليج في دعم تحويلات عمالها العاملين في الخارج إذ ارتفعت هذه التحويلات على سبيل المثال بنسبة 75 في المائة في تونس العام الماضي.

4 – جهود التنمية في البلدان العربية، مازالت مخيبة للطموحات:

البحث في التحديات الراهنة للتنمية العربية وآفاقها المستقبلية، يتطلب إلقاء نظرة تحليلية فاحصة على حصاد التنمية بإنجازاتها وإخفاقاتها، متابعة الجهود التي سبقت للاقتصاديين العرب، من مختلف مشاربهم وأقطارهم، في رحاب “الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية” ومن خارجها. يتطلب ذلك تقديم ما يشبه “جردة حساب” لما تحقق وما لم يتحقق خلال العقود الماضية، وفق منهجية علمية مدقّقة.

بعد مرور ما يقرب من سبعة عقود على جهود التنمية في البلدان العربية، فإن المحصلة مازالت مخيبة لآمال وطموحات الشعوب العربية. فالعديد من الدول العربية يعاني من صراعات وانقسامات وتدخّلات خارجية، ومعظمها يعاني من مظاهر عدم الاستقرار الاقتصادي المختلفة، وحتى تلك الفئة القليلة من الدول العربية التي حافظت على معدلات معقولة من الأداء الاقتصادي بفضل ثرواتها الطبيعية، فإن مخاطر عدم الاستدامة التي تواجهها أصبحت تتزايد يوماً بعد يوم. [5]

(من الأهمية بمكان، أن يناقش الاقتصاديون العرب حصيلة التنمية العربية “الإنجازات والإخفاقات” خلال نصف قرن مضى، ومواجهة تحديات اللحظة الراهنة في ضوء اعتبارات الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار، وبحث الآفاق المستقبلية للاقتصادات العربية من منظور الفرص والتحديات التي تفرضها قضايا الأمن الاقتصادي العربي الماثلة منذ أمد طويل نسبيا). [6]

يصبح من المهم تناول اقتصاديات إعادة الإعمار، وتقديم المقترحات الرصينة، على اساس علمي، لتعظيم العائد التنموي والخفض المرشّد للنفقات.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

[1]  – محمد خالد، حول تقرير للبنك الدولي عن آفاق النمو في الدول النامية والاقتصادات العربية، جريدة الحياة، العدد: 13782، الصفحة: 13.

[2] – الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، المؤتمر العلمي الخامس عشر، “التنمية العربية بين التحديات الراهنة وآفاق الثورة الصناعية الرابعة” 2019.

[3] – تقرير للبنك الدولي عن آفاق النمو في الدول النامية والاقتصادات العربية.

[4] – المصدر السابق.

[5] – الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، المؤتمر العلمي الخامس عشر، المصدر السابق.

[6] – المصدر السابق..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 4 =

آخر الأخبار