عوامل نجاح السياسة السكانية

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

عوامل نجاح السياسة السكانية

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

السياسات السكانية سلاح استراتيجي بعيد المدى. إذ لا يتم الشعور بآثارها مباشرة وإنمـا جيل بعد جيل. لكي تكون السياسات السكانية فعالة لا بد من وضعها وتطبيقها الآن.. ولن يؤدي ذلك على الإطلاق إلى صرف الانتبـاه عن الأهمية المعطاة لجوانب التنمية الأخرى كالغذاء والعمالة والتصنيع وغير ذلك. ([1])

يفضل عدم الخلط بين السياسة السكانية وبرنامج تنظيم الأسرة، يتمثل الاتجاه الخاطئ في استخدام برامج تنظيم الأسرة كبديل للسياسة والسكانية، والصحيح هو أن موضوع تنظيم الأسرة جزء من السياسات السكانية الشاملة للدولة.

من أهم العوامل التي توفر المناخ المناسب لنجاح أي سياسة سكانية:

1-الاستجابة لحاجات المواطنين الفردية.

2-إشراك من يؤثر عليهم بالقرار في جميع مراحل اتخاذه.

هذا يعني أن وضع السياسة السكانية يتطلب أخذ الظروف الخاصة والموضوعية لكل دولة بعين النظر، وهذا يعني إذا ما أريد للسياسة السكانية أن تكون مقبولة وفعالة يجب أن تظل في إطار القرارات الوطنية، نظراً لأن كل دولة لها ظروفها الديمغرافية والإنمائية والاجتماعية المختلفة وبالتالي احتياجاتها المختلفة. وقد تكون الصيغ والتجارة العملية المستوحاة من الثقافات الأخرى مفيدة إذا ما جرى تعديلها وفقاً لما يتناسب مع هذه الدولة أو تلك ولكن من المؤكد أنها ستفشل إذا ما تم استيرادها وطرحها كما هي جملة وتفصيلاً.

– عوامل نجاح أو إخفاق السياسات السكانية:

تواجـه السياسات السكانية عوامل نجاح وعوامـل إخفاق، تختلف من بلد لآخـر. ومن أهم هذه العوامل:

1- التوافق أو التعارض مع الثقافة السائدة:

تتوفر عوامل النجاح في البلدان التي تسيطر فيها معتقدات دينية أو ثقافات شعبية ذات علاقة بالسلوك السكاني تتوافق مع السياسة السكانية. كما تشكل هذه المعتقدات في حال عدم توافقها مع السياسة عقبات أمام وضع وتنفيذ السياسات، فيجد المسؤولون أنفسهم أمام وضع حرج وصعب إذا هم تصدوا لهذه العقبات، وبخاصة ما يتعلق منها بالتقاليد الشعبية المتجذرة في أفكار وعقول الناس كالاتجاه نحو الإكثار من البنين وتضخيم حجم الأسرة من أجل التباهي بها، أو الزواج المبكر أو غير ذلك. ([2])

وهكذا تتجه الحكومات إلى الابتعاد عن التدخل في المسائل السكانية الحرجة.

2- اهتمام الحكومة والسياسيين بالمسألة السكانية:

لأن دعم البرنامج السكاني وتحديد الأهداف السكانية يسهل تطبيق هذه السياسة وبخاصة إذا علمنا أن الدعم للبرنامج السكاني وتحديد الأهداف السكانية واضح على مختلف المستويات. ومن الضروري أن يقتنع كافة العاملين في هذا المجال بجدوى الإجراءات التي تتم في مجال السكان وإلى سيكون مصير لبرنامج الفشل.

– العوامل التي تساعد على نجاح السياسة السكانية:

أهم العوامل التي تساعد على نجاح السياسة السكانية وإمكانية تنفيذها:

آ   –تعبئة الجهود الوطنية من خلال برنامج وطني متكامل يعمل على تعزيز الموروث الثقافي الإيجابي والحد من المؤثرات والممارسات السلبية التي تعيق المحاولات الجادة في تنظيم الأسرة والإنجاب وتركيب الأسرة وتحسين موقعها.

ب- تكثيف فعاليات المنظمات الشعبية والاتحادات والنقابات والهيئات الحكومية والمنظمات غير الحكومية (NGO) لتكوين رأي إيجابي تجاه القضايا المتعلقة بالسلوك الإنجابي والصحة العامة وبخاصة صحة الأم والطفل.

ج- مشاركة كافة الهيئات التشريعية والتنفيذية في تعزيز ودعم المؤثرات الإيجابية المتعلقة بقضايا السلوك الإنجابي والصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة.

د- تطوير نظم التعليم ومناهجه وفي مختلف مستوياته بهدف توسيع المعارف المتعلقة بالتربية السكانية والصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة. وكذلك تصميم وتنفيذ برامج تعليمية وإعلامية وخدمية موجهة نحو الحد من الظواهر السلبية في السلوك الإنجابي العام وبخاصة الزواج المبكر ، الإنجاب المبكر، زواج القربى، الحد من تفضيل الذكور على الإناث.

هـ-تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمرأة وتمكينها وبخاصة المرأة الريفية من خلال تطوير التدريب والإعداد والتعليم المهني، ومشاركة المرأة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأسرة.

و – تكثيف الجهود الوطنية لتحقيق أعلى معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة متوسط دخل الفرد السنوي، وتحسين مستويات المعيشة، والقضاء على مظاهر الفقر والجوع وسوء التغذية والأمية، مع المحافظة على حقوق الأجيال القادمة (التنمية المستدامة). وهذا يتم عن طريق:

  • تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المحلية.
  • تحسيـن مستوى الأداء الاقتصادي عن طريق تنمية الموارد البشرية وبناء القدرات الوطنيـة وزيادة فرص العمالـة والاستخدام، ونقـل التكنولوجيا، واختيـار التقانات الملائمة.
  • تفعيل سياسة التعددية الاقتصادية وتحفيز القطاع العام والقطاع الخاص ليقوم كل قطاع بدوره في عملية التنمية الشاملة وبخاصة فيما يتعلق بإقامة الصناعات التي تعتمـد على المواد الخـام المحلية، وتنوع النشـاط الإنتاجي بهـدف الإحلال محل الواردات.

ز- تهـدف السياسة السكانيـة إلى تحقيـق التوزيع السكاني المكاني المتـوازن والذي يلبي احتياجات التنميـة الشاملة، ودمـج النمـو الحضـري في سياق التنمية المستدامة وهذا يتطلب:

  • تعزيز التنمية المنصفة والمستدامة التي تؤدي إلى التوزع المكاني السكاني الأكثر توازناً، كما تؤدي إلى خفض الهجرة من المناطق الريفية إلى المركز الحضرية.
  • تقوية البنى الأساسية وتطويرها في المدن الصغيرة، متوسطة الحجم وتوسيع قدراتها الاستيعابية. بهدف تقريب الفوارق بين الريف والمدينة أو بين المحافظات لتقليل الهجرة من الريف إلى المدينة.
  • تشجيع التنمية الريفية وخلق فرص عمل وتأمين دخول إضافية تؤدي إلى جذب واستقرار السكان في المناطق الأقل كثافة.
  • العمل على تطبيق باقي مراحل قانون الإدارة المحلية، وتحقيق اللامركزية في متابعة وتقييم السياسات السكانية وإيجاد حل لمشكلة المخالفات الجماعية وبخاصة في مناطق السكن العشوائي وإعادة تنظيمها والحد من انتشارها.

ح- المحافظة على البيئة وحمايتها عن طريق التحكم بالعوامل التي تؤدي إلى ترديها وتخفيف الآثار السلبية المتبادلة بين البنية والسكان، من خلال التخطيط الإنمائي والبيئي والسكاني طويل الأجل. وخلق الوعي البيئي الخفيض الحماية البيئة من التدهور السريع عن طريق الإعلام والاتصال السكاني ومناهج التربية والتعليم. وإصدار التشريعات واللوائح الخاصة بحماية البيئة والمحافظة عليها.

– العوامل التي تؤدي إلى فشل السياسات السكانية:

من أهم العوامل التي تؤدي إلى فشل وإخفاق السياسات السكانية:

آ- قصور الدراسات السكانية واختلاف آراء واضعيها.

يفترض أن يتم وضع السياسات السكانية بالاستناد إلى نتائج دراسات أنجزت من قبل وضع هذه السياسات، لكن الدراسات السكانية ما تزال قليلة أو غير موجودة وبخاصة في الدول التي تعاني من مشكلات سكانية. كما أن الدراسات السكانية –إن وجدت- ما يزال يغلب عليها الطابع المسحي الذي لا يغوص في أعماق المشكلات السكانية لاكتشاف أسبابها بهدف التأثير عليها وحلها. كما أن الموضوعات السكانية ظواهر اجتماعية وسلوك بشري، لها إيجابياتها ولها سلبياتها. فحجم الأسرة الكبير أو الصغير والهجرة الداخليـة أو الخارجية وتنظيـم الأسرة وتوزيع السكان وغيرها من الظواهر السكانية التي تحمـل صفات إيجابية وصفات سلبية تحدث خلافاً بين المسؤولين عن وضع السياسات السكانية.

ب- كما تتعرض السياسات السكانية في حالات كثيرة لصعوبات تنفيذية مالية في حال عدم القدرة على رصد الأموال اللازمة لتنفيذ برنامج سكاني تنموي مكلف أو صعوبات فنية كعدم توفر الاختصاصيين والخبراء القادرين على تنظيم عمليات أي برنامج سكاني وتنفيذه. وتظهر أيضاً صعوبات إدارية كالبيروقراطية والروتين، أما الصعوبات الشعبية حينما تعارض الفئات السكانية المستهدفة تنفيذ برنامج سكاني محدد.

كما أن السياسات السكانية تمس الأحوال الشخصية للسكان التي تخضع لتشريعات يستند الكثير منها إلى أصول دينية لذا يجد المشرع نفسه في مأزق بين إصدار تشريعات تخالف قوانين الأحوال الشخصية والمدنية أو الأحجام وتجنب إحداث ردود الفعل المتباينة على قراراته.

تعارض السياسات السكانية مع المصالح الفردية أو المصالح السكانية العامة يجعل الأفراد المستهدفين يعارضون ويقاومون وضع هذه السياسات أو تنفيذها إن وضعت وتصبح هذه المشكلة أكثر تعقيداً حينما تتعارض السياسة السكانية مع مصالح المسؤولين عن وضع وتنفيذ هذه السياسات.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

([1]) – رافائيل سالاس، المساعدات السكانية العالمية، العشر سنوات الأولى، ترجمة عاكف أبادير النحال، مطابع الأهرام التجارية، القاهرة 1981، ص188.

([2]) -سياسات تنمية الموارد البشرية في البلدان العربية: السكان –القوى العاملة –الاستخدام –التعليم، مجموعة من المؤلفين، تحرير د. نبيل خوري، منشورات جامعة دمشق ومنظمة العمل الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة + اثنا عشر =

آخر الأخبار