الإشراف اللائق على رسائل الدكتوراة: دروس وعبرعالمية

يناير 14, 2020NAJIB ABDUL WAHED نجيب عبد الواحد 

الإشراف اللائق على رسائل الدكتوراة: دروس وعبرعالمية

الإشراف العلمي في إعداد الرسائل العلمية - موقع مكتبتك

الإشراف اللائق على رسائل الدكتوراه: دروس وعِبَر عالميّة

يناير 14, 2020NAJIB ABDUL WAHED نجيب عبد الواحد

مقتطفات من خبرة وتجارب أكاديميين منتمين إلى ثقافات واختصاصات متنوعة،

مأخوذة من:  مقال نشرته مؤخراً صحيفة التايمز/التعليم العالي تحت عنوان “How to be a PhD supervisor”

1 – فيليب موريارتي، أستاذ الفيزياء بجامعة نوتنغهام في بريطانيا:

إذا كان باحث الدكتوراه في السنة الأخيرة لا يناقشني بانتظام ويخبرني بأنني مخطئ، وأن تفسيري للبيانات لا يمكن أن يكون صحيحاً لأنه لا يراعي النظريات الأساسية في الفيزياء، فسأكون قلقاً لأن ذلك قد يؤشر إلى انحراف جدي عن المسار المأمول.

يجب أن يشعر طالب الدكتوراه بالملكية (Ownership) لمشروع بحثه، وهذا أمر ضروري وإلا سوف أشعر أنني فشلت في إشرافي، لأسباب ليس أقلها المعايير المعتمدة لمنح درجة الدكتوراه في جامعتي، والتي تشترط أن يكون المرشح قد طور القدرة العامة على تصور وتصميم وتنفيذ مشروع لتوليد معرفة جديدة أو تطبيقات أو فهم في تخصصه، وضبط تصميم المشروع في ضوء ما قد يظهر من مشاكل.

أؤمن إيمانا راسخا بأنه ينبغي لنا التخلي عن مصطلح “طالب الدكتوراه”، وكبديل عن ذلك نستخدم مصطلح “باحث الدكتوراه” الأكثر دقة. وأنا لست وحدي في هذا التوجه.

هذا المصطلح البديل من شأنه أن يساعد في إحداث تغيير في الثقافة يؤدي إلى الاعتراف بشكل أفضل بالدور والمساهمات الأساسية التي يقدمها المرشحون للحصول على درجة الدكتوراه. لقد كنت محظوظاً جداً بالأستاذ الذي كان قد أشرف على بحثي في الدكتوراه. تعاونت معه بصدق؛ وكنا نناقش الأفكار ونشرّحها، ولم أشعر يوماً بأنني يجب أن “أعرف مكاني وحدودي”.

الدكتوراه تعني أن تصبح باحثاً مستقلاً. وهذه العملية عبارة عن رحلة بحثية تتم في بيئة بعيدة عن دوامة الامتحانات والمقررات الدراسية التي تقود المرحلة الجامعية. لا يوجد منهج ولا كتاب دراسي يرسم خطوات الدكتوراه من البداية إلى النهاية ولا توجد مشاكل مطروحة بدقة ويطلب تقديم حلول لها بشكل مفيد. باحثو الدكتوراه في الواقع يكتبون في نهاية مشوارهم كتاباً للجيل القادم من الطلبة الجامعيين – وهذا ما نعنيه عندما نقول إن رسالة الدكتوراه يجب أن تكون حول توسيع نطاق المعرفة في مجال معين.

2 – كارولين بليث، أستاذة علوم الأديان في جامعة أوكلاند، نيوزيلندا:

لقد علمني مشرفي درساً قيّماً حول الإشراف الجيد: الإشراف ينطوي على أكثر من مجرد تعليم طالب الدكتوراه كيف يكون كاتباً وباحثاً جيداً. إنه يتعلق بالإيمان بالإمكانات الأكاديمية للطلاب، وتعزيز ثقتهم بنفسهم ودعمهم في مسارات الحياة التي يختارونها.

منذ بداية مشواري لتحضير الدكتوراه، تشكل عندي إحساس قوي من مشرفي بأنه كان يثق بقدراتي الأكاديمية – أرادني أن أنجح، ولم يتوقف عن إخباري بقدرتي على النجاح. كان ملتزماً بمساعدتي في تطوير المهارات التي سوف أحتاج إليها عندما يتعلق الأمر بالبحث عن وظيفة بعد الدكتوراه. نصحني بالتدريس في وقت مبكر، حتى أتمكن من معرفة المزيد عن فن التدريس. شجعني على قضاء فصل دراسي في مؤسسة خارجية، وكانت تجربة مثمرة لي بشكل خاص، مما سمح لي بتطوير ثقتي بنفسي على المستويين الشخصي والأكاديمي. أخيراً، غرس في نفسي شغفاً بالتشبيك والتعاون مع الناس، وكلاهما أثبتا طوال مسيرتي الأكاديمية أنهما لا يقدران بثمن.

وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، حين توليت عباءة الإشراف على الدكتوراه، بقيت هذه الدروس التي تعلمتها من المشرف ملازمة لي. فبالإضافة إلى توجيه طلابي في أمور البحث والكتابة، أصرف دائماً بعض الوقت لمشاركتهم بعض المهارات القابلة للتحويل التي اكتسبتها. أشجعهم على المشاركة في المشاريع التي من شأنها بناء ثقتهم بأنفسهم كأكاديميين وأحثهم على المشاركة بانتظام في المؤتمرات، ودعوت بعضهم إلى مشاركتي في كتابة مقترحات المشاريع. أسعى للحصول على فرص لهم للتواصل مع الأكاديميين الآخرين في مجالهم، أو التقدم للحصول على وظيفة أكاديمية. أريد دائماً أن يعرف طلابي أنني سأبذل قصارى جهدي لتعزيز قدراتهم ودعم جهودهم.

مع ذلك، يجب ألا يركز الإشراف الجيد فقط على فرص العمل المستقبلية للطالب. أن تكون مشرفاً لائقاً يعني أن تكون إنساناً لائقاً وأن تُظهر للطلاب احترامك ودعمك.

ينبع لدي هذا الإحساس الأساسي باللطف من الاعتراف بأن طلاب الدكتوراه هم بشر، مثلنا تماماً. إنهم ينظرون إلينا كأشخاص مثالين ومن مسؤوليتنا أن نظهر لهم أننا أكاديميون طيبون وأشخاص طيبون. نأمل منهم أن يستمروا في هذا التقليد إن أصبحوا في السنوات اللاحقة مشرفين على طلاب دكتوراه.

اللطف هو شيء أضعه في طليعة العلاقات التي أشاركها مع جميع طلابي، وبصراحة، هذا ليس بالأمر الصعب. حركات صغيرة مثل كلمات التشجيع للطالب خلال لحظات الشك الذاتي، أو أذن صاغية له عندما تتكاثر ضغوط الحياة عليه، أو فنجان قهوة أو غداء مشترك، حركات صغيرة لا زلت أتذكرها، لكنها كبيرة في إسهامها بتسهيل الرحلة نحو الحصول على الدكتوراه.

3 – كلير كيلي، أستاذة في العلوم النفسية والعصبية في ترينيتي كوليج بدبلن، ايرلندا:

ثمة أدوار هامة في الحياة تأتي بدون تدريب، وعليك أن تتعلمها بالممارسة (On the job). أن تكون أحد الوالدين هو مثال عن هذه الأدوار، وأن تكون مشرفاً على طالب دكتوراه هو مثال آخر. ربما يمتد التشابه بين هذه المهام إلى أبعد من ذلك – بالنسبة لي، أن أكون مشرفةً على طلبة دكتوراه يعني إتاحة الفرصة لتربية باحثين شباب وتزويدهم بأساس قوي وآمن يمكّنهم من تأمين مهنة لهم.

يتضمن ذلك معرفة أفضل السبل لدعمهم وتشجيعهم، مع تحديد قوي للتوقعات والحدود. هذا يعني أن تكون حاضراً ومتاحاً لتزويد الطلاب بالمدخلات والتغذية الراجعة، بينما تعزز لديهم الثقة والاستقلالية والشعور بالمسؤولية عن مستقبلهم. وهذا يعني أيضاً أن تكون نموذجاً يحتذى به، وتغرس فيهم المهارات والقيم (مثل النزاهة الأكاديمية) التي سوف تخدمهم طوال حياتهم المهنية، سواء كان ذلك في الأوساط الأكاديمية أو خارجها.

من بين أهم الدروس التي تعلمتها من خلال إشرافي على رسائل الدكتوراه، تأتي خطة الإشراف (أو بروتوكول الإشراف): تحديد توقعات واضحة وصريحة، بما في ذلك المهل النهائية والمحطات الرئيسية (كتقديم الأوراق)، والمواعيد المنتظمة للاجتماعات مع الأجندات المحددة، الخ. يمكن أن يفيد توفير هكذا خطة كلاً من الطالب والمشرف.

تظهر أهمية توفير هذه البنية بشكل خاص للطلاب القادمين من المرحلة الجامعية الأولى أو من الماجستير بالمقررات، الذين يفتقدون الإحساس بالمهل النهائية وبمتعة الشعور بالإنجاز عندما يلبون المهل النهائية. كما أن وجود الخطة من شأنه أن ينبه المشرف إلى أية علائم لصعوبات قد تعترض طريق الإنجاز، مثل مشاكل الصحة العقلية التي قد تحتاج إلى دعم ومراجعة محتملة لخطة الدكتوراه والجدول الزمني. يمكن أن يوفر أيضاً أساساً واضحاً للتواصل مع الطالب وإفهامه أن الأمور لا تتقدم كما ينبغي، وأن المضي في البحث قد لا يكون هدفاً واقعياً على الإطلاق.

أعتقد أيضاً أن مسؤولية إدارة العلاقة يجب ألا تقع على عاتق المشرف وحده: يجب أن يتحمل الطلاب أيضاً مسؤولية تقدمهم.

يمكن أن يكون تحديد هذه الأدوار والمسؤوليات أحد أكثر الجوانب صعوبة في عملية الإشراف على طلاب الدكتوراه، وقد يكون البحث عن تدريب رسمي للطالب على مهارات الإدارة الجيدة (التي تقدمها الآن العديد من الجامعات) مفيداً للغاية. لكن في النهاية، سوف تفرض طبيعة الدكتوراه التعامل على أساس كل حالة على حدة تبعاً لشخصية المشرف والطالب وأسلوب عملهما.

في بعض الأحيان، ستظل هناك فجوة بين التوقعات وتقدم الطلاب. في مثل هذه الحالات، يمكن أن تساعد هياكل تتبع الأداء والتعليقات المشرفين على تحديد ما إذا كان إكمال الدكتوراه لا زال في متناول اليد أم لا. وبالنظر إلى مناخ التوظيف المتردي في الأوساط الأكاديمية، غالباً ما يكون الخروج عن مسار الدكتوراه خياراً عاقلاً، ويجب اعتباره في هذه الحالة بمثابة “تعديل” للأهداف وليس هزيمة أو فشلاً.

4 – جينيفر شنيلمان، أستاذة في العلوم الصيدلانية، جامعة أريزونا في الولايات المتحدة:

في الولايات المتحدة يقترب معدل التسرب في برامج الدكتوراه من 50 في المائة للعديد من التخصصات. ذلك لأنه، لدى الحديث عن الخلفية العلمية على وجه التحديد، يجب قبول حقيقة عدم كون كل طالب دكتوراه مهيأ ليصبح باحثاً مستقلاً. وبالتالي يجب علينا إعادة النظر في المعنى والأهمية الحقيقية لامتلاك الدكتوراه.

في النهاية، لا يشكل التحول إلى باحث مستقل (بعد الحصول على الدكتوراه) السبيل الوحيد في الحياة للحصول على قيمة مضافة علمية هائلة. إن السنوات التي يكون خلالها طالب الدكتوراه المتسرب قد تعلم مواداً معقدة وأجرى التجارب وحلل البيانات سوف تكون مفيدة جداً له في حياته المهنية.

يجب ألا ينظر المشرف إلى الطالب المتسرب الذي ينتهي به العمل خارج الأوساط الأكاديمية على أنه تجربة استنساخ ذاتي فاشلة. الدكتوراه تعلّم الطلاب كيفية التفكير، وربما علينا توسيع نطاق الإشراف والتوجيه لزيادة مهارات البحث بالتوازي مع المواهب العملية التي تنمي الاستجابة وتشحذ الذكاء في العلاقات الشخصية التي هي ذات قيمة في مجموعة واسعة من الوظائف.

في العديد من الجامعات الأمريكية، يتعين على الطلاب الذين يعتزمون الدخول في مرحلة البحث في الدكتوراه اجتياز امتحان ترشيح شفهي مكتوب مدته يومان أو يوم واحد. وعندما يتبين عدم ملاءمة الطالب ليكون باحثاً مستقلاً، نحاول توجيهه إلى وظائف تتناسب ومهاراته بشكل أفضل داخل الأوساط الأكاديمية.

5 – سالكات ماجمدار، أستاذ في الأدب الإنكليزي في جامعة أشوكا، الهند:

الطلاب إما أن يكونوا مستهلكين للمعرفة أو منتجين لها. مستهلكو المعرفة هم الذين يتفوقون عادة في الامتحانات لكنهم لا يصبحون بالضرورة منتجين لها، أي باحثين، والعكس صحيح أيضاً. إنتاج المعرفة لدى الطلاب يجب أن يبدأ في وقت مبكر، على شكل أوراق بحثية لطلاب المرحلة الجامعية، على سبيل المثال.

هناك نقاشات حول ما إذا كانت الرسالة هي آخر عمل لباحث الدكتوراه أم أنها أول كلام احترافي له. ربما يكون الأمران معاً، لكن النسب تختلف حسبما كان الطالب يعمل في العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية.

البحث في العلوم الإنسانية يجري في معظمه من قبل الأفراد، في حين أن البحث في العلوم الأخرى هو على الأغلب نشاط جماعي، بقيادة باحث رئيسي. هذا يعني أن أي شخص حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية هو بالتعريف باحث منفرد قادر على البحث المستقل – إلا إذا حصل على الشهادة بوسائل غير سويّة!

هناك صراع بين نهج يرى الدكتوراه كرحلة “انغماس” في العلم، ونهج آخر يراها وسيلة للاحتراف الذي يهدف إلى التآلف مع الحياة المؤسسية للاختصاص العلمي، بما في ذلك البحث عن الوظائف والمنح والزمالات. ثمة ارتباط عضوي بين النهجين ويعزز كل منهما الآخر، إلا أنهما غير متساويين وتختلف درجة التفاعل مع أي من النهجين من طالب إلى آخر.

توصيتي لطلابي هي أن يتبعوا مسارا وسطياً، وأن ينطلق توجههم البحثي من مجال يشعل شغفهم، وبمجرد اشتعال “النار”، عليهم أن يركّزوا اهتمامهم في محادثة (Conversation) تخصصهم العلمي ككل.

يجب عليهم النشر كطريقة للدخول في المحادثة، وعليهم الحذر من السماح للاحتراف بالتغلب على الاستقلالية والأمانة في حياتهم الفكرية. ينبغي عدم السعي إلى تكييف الأطروحة مع سوق العمل. لكن يتوجب عليهم، ما أن يتبلور المسار العلمي ويوضع البحث على السكة، تحديد كيفية تلبية الاحتياجات وسد الثغرات الموجودة في التخصص كما هو معمول به.

https://najibabdulwahed.com/

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار