سهل حوران: حكايةالأرض التي أطعمت الإمبراطوريات.

الكاتب قيصر غرايبة

سهل حوران: حكايةالأرض التي أطعمت الإمبراطوريات.

قراءة في جغرافيا سهل حوران وأهميته التاريخية والحضارية عبر العصور.

صفحات جغرافية وتاريخية

نص تاريخي يوثّق أهمية سهل حوران بوصفه فضاءً زراعياً وحضارياً ترك أثراً ممتداً في الذاكرة والتاريخ.

سهل حوران: حكاية الأرض التي أطعمت الإمبراطوريات.

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

على تخوم التاريخ، حيث يمتزج سوادُ البازلتِ بذهَبِ السنابل، يمتدُّ سهل حوران حكايةَ أرضٍ، لم تكن يوماً مجرد جغرافيا، بل كانت شريانَ الحياةِ لإمبراطورياتٍ سادت ثم بادت، وبقيَ قمحُها شاهداً على الخلود. من صميمِ نيرانِ البراكين القديمة، وُلِدت هذه التربةُ المعطاء، لتغدو سلةَ خبزِ العالم ومنارةَ القوافل، وميداناً سُطرت فوقه أمجادٌ لم تزدها السنون إلا رسوخاً وأصالة.

تسمى حوران في التاريخ أهراء روما وبلاد السمن والعسل. وقد ذكرت في رسائل تل العمارنة بهذا الاسم.

( رسائل تل العمارنة هي أرشيف طيني يضم مراسلات دبلوماسية من القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، عُثر عليها في مصر .

​تتمثل أهميتها في توثيق العلاقات السياسية بين الفراعنة مثل أخناتون وملوك بلاد الشام والقوى العظمى آنذاك ، مكتوبة بالخط المسماري ، وتعتبر أقدم سجل للنظام الدولي والدبلوماسية في العالم القديم ) ، وهي ايضا رسائل متبادلة بين سكان منطقة حوران والفراعنة إبان حكم الفرعون ( أمنحوتب الثالث ) و( أمنحوتب الرابع ). هناك آراء متباينة حول معنى كلمة ( حوران ) فسّرها بعضهم أنها تعني الكهف أو بلد الكهوف، فقد اشتهرت بالكهوف والمغاور والأبنية الباطنية، كما أن الثلج كان ولا يزال يغطي أعلى قمم حوران طوال فترات غير يسيرة من كل عام. والصخور البازلتية السوداء هي السمة المميزة لمبانيها وأرضها …. من هنا سمّوها ( البلد الأسود ).

لعبت حوران دوراً مميزاً في بناء صرح الحضارة الإنسانية. فقد ساهم أبناؤها في بناء مجتمع له كيانه الحضاري والسياسي، وزها على سهولها وروابيها تراث يعدّ بحق من أرقى مظاهر الإنشاء المعماري البشري، ذكرها ياقوت الحموي في كتابه ( معجم البلدان ) بقوله: حوران كورة ( الناحية أو المقاطعة التي تضم مجموعة من القرى والمدن. كانت تُستخدم كتقسيم إداري مثل المحافظة حالياً في العصور الإسلامية والأموية ) واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى عديدة ومزارع وحراج وما زالت منازل للعرب.

قال عنها المؤرخ نور الدين حاطوم: شملت حوران قديماً منطقة واسعة من جنوب سورية كانت تسمى جبل العرب، ثم سميت محافظة درعا والجولان حتى تصل إلى عجلون في الأردن.

مشهد بصري من سهل حوران يعبّر عن الامتداد الزراعي والخصب التاريخي للمنطقة.

يقال: إن أقدم القبائل التي استوطنت حوران هم ( العموريون )، وكان يترأسهم ( عوج ) وهو الذي أطلق اسم ( ادرعي ) على المدينة التي سميت فيما بعد ( درعا ). ومع تعاقب الزمن بدأت مملكة العموريين تتلاشى، فقويت شوكة الكنعانيين الذين امتدّ نفوذهم إلى داخل حوران، فأقاموا التحصينات والأبراج، غير أن قيام مملكة الآراميين في دمشق وقف سداً أمام توسعهم حيث يذكر التاريخ أن ملكهم ( بنحدد الأول ) حاربهم وحرر أراضي حوران منهم ولم يرفع السيف عنهم حتى قدموا ما يملكون من كنوز وذهب. ونتيجة لأهمية موقع حوران كانت محط أنظار القادة المحاربين.

وكان أول من توجه إليها من هؤلاء ( الإسكندر المقدوني ) عام 333 ق.م، فاحتلها بعد معركة ( ايسوس ) الشهيرة التي احتل فيها سورية، وأصبحت حوران قسماً من إمبراطورية الإسكندر وفي هذه الفترة يأتي دور الأنباط الذين كانت لهم علاقة وثيقة بالحضارة اليونانية وثقافتها، فانفتحت طرق حوران أمام تجارة الأنباط، وتحولت مدنها إلى مراكز تجارية مهمة. والمعروف أن الأنباط عرب، وكانوا يشاركون العرب في عبادة الأصنام المعروفة عند عرب الحجاز، مثل ذي السري واللات والعزى. ومما يزيد في عروبتهم أن الأبجدية العربية انحدرت مباشرة منها.

بعد اليونانيين أتى إلى حوران الرومانيون، فكان لهم دور مميز. فقد أنشؤوا سلسلة من المراكز والطرق على طول حدود الصحراء لحماية الأماكن المتحضرة، ويبدأ هذا الطريق من دمشق ويمر بحوران إلى مؤاب وقد رصفه ( تراجان ) واستخدم طريقاً عسكرية لفرق الجيش. وكانت أول مشاريع الرومان في حوران رصف الطرق، وهي لا تزال صالحة مع الجسور إلى يومنا هذا للمرور عليها.

كما تمكن شاب من حوران ولد في شهبا أن يجلس على عرش روما وهو ( فيليب ) العربي عام 244 م الذي أغدق على حوران ومدنها النعم ومنحها امتيازات كثيرة ما زاد في ثروتها العمرانية والاقتصادية.

ينتسب معظم سكان حوران اليوم إلى الغساسنة، وهم يفخرون بهذا النسب. فقد نزحت هذه القبيلة العربية الجنوبية إلى حوران بعد تصدع قديم في سد مأرب، وقد سموا آل غسان لنزولهم على نبع ماء اسمه غسان ( يقع بالقرب من تل الجابية في حوران بسوريا )، كما سموا آل جفنة أو آل جغنة. ويقال إن عدد ملوكهم بلغ اثنين وثلاثين ملكاً، ولا يعرف من تاريخ ملوكهم سوى الملوك الخمسة الأخيرين الذين جاء حكمهم في القرن السادس الميلادي، وأشهرهم الحارث بن جبلة نحو 529- 569 م الذي عيّنه جتنيان سيداً على كل القبائل العربية في سورية. وفي زمن الحارث وصلت مملكة الغساسنة ذروة اتساعها، فشملت حوران وجبل حوران وعلى أرض حوران عقد لواء النصر يوم ( الواقوصة ) وهي قرية على ضفة نهر اليرموك. وقدِّر لحوران أن تظهر ثانية زمن صلاح الدين الأيوبي الذي انطلق منها إلى نصر حطين عام 1186م، فأعاد القدس إلى الحظيرة العربية من جديد.

سهل حوران عبر العصور

الكاتب قيصر غرايبة

كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية في سهل حوران بوصفه فضاءً زراعياً وحضارياً شكّل عبر العصور مركزاً للخصب والعمران والحركة التاريخية.

https://www.hishamgharaibeh.org/sahil-houran/?fbclid=IwdGRzaAQqL3FleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAwzNTA2ODU1MzE3MjgAAR4uDJ1F6GCrL0jtCv02kbte3gkVspbyLk-1C_D35VxnY5zwkYxRbAENqnHESA_aem_kALBCV6SijSrAs-9URcmyQ&sfnsn=mo

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار