الصراع على النفـط والغـاز وأهمية منطقـة الشـرق الأوسط الإستراتيجية
مجلة الدفاع الوطني العدد 96 - نيسان 2016، إعداد: د. نبيـل سـرور، أستاذ جامعي وباحث بالشؤون الدولية
الصراع على النفـط والغـاز وأهمية منطقـة الشـرق الأوسط الإستراتيجية
إعداد: د. نبيـل سـرور، أستاذ جامعي وباحث بالشؤون الدولية
المقدّمة
تنفرد منطقة الشرق الأوسط بأهميّة قصوى في حسابات الدول الكـبرى، لما لها مـن أهميّة استراتيجيّة في المشهد السياسي الإقليمي، ولما تتمتّع به من غِـنى في مواردها الطبيعيّة وعلى رأسها النفط والغاز.
في هذا السيّاق لا بدّ من القول أنّ الدخول الروسي المباشر على خط الصراع المسلح في سوريا، وإن استبطن هدفاً إستراتيجياً، إلا أنّه يصبُّ في المحصّلة في خانة تأكيد الحضور الرّوسي في منطقة الشّرق الأوسط، ورعاية مصالحها الحيويّة في الحصول على إمدادات النفط والغاز، وفي حماية أنابيب النقل في المنطقة وصولا إلى موانىء التصدير. وكل ذلك يؤكد – بالمقابل- حجم الأهميّة التي توليها القوى الدولية للمنطقة كما تُـظهر حجم التعقيد في الواقع السياسي والديني والاجتماعي الذي تشهده المنطقة العربية، ممّا يعرضها لاهتزازات سياسية وأمنية واضطرابات خطيرة، تضرب معظم دولها منذ سنوات، وتستفيد منه الدول الكبرى في رسم سياساتها وتنفيذ مشاريعها، وكذلك في تعزيز مصالحها الحيوية، وفي تأمين خطوط نقل إمداداتها من النفط والغاز على امتداد العالم.
كذلك فإن المتابعة الدائمة من قبل الدول الكبرى لمجريات الأحداث والتعامل معها بشكل مباشر هو ذو دلالة أكيدة، على الأهميّة الكبرى التي تعوّل عليها دوائر صنع القرار في الدول الكبرى تجاه دول المنطقة الغنية بمواردها الطبيعية، المهمّة بموقعها الإستراتيجي.
وما من شكّ أنّ هذا الموقع المتميّز لدول الشرق الأوسط، الذي يتحكّم بمجموعة من القنوات والبحار والممّرات المائيّة الإستراتيجية المهمّة، يتيح لها أن تلعب دور صلة الوصل في مسارات نقل النفط الخام والغاز والمواد الأولية إلى الدول الصناعية والدول الكبرى على مدى الأبعاد المترامية للكرة الأرضية على مساحة الجغرافية الكونية.
أولاً: أهمية الشرق الأوسط الإستراتيجية
من المسلّم به ان التنافس على موارد الطاقة هي إحدى الغايات الرئيسة للدول الكبرى التي تسعى إلى تأكيد نفوذها، وتأمين احتياجاتها من النفط الخام والغاز، في ظل تسارع وتيرة الإنتاج وفي ظل اضطرابات مالية تصيب الاقتصاد العالمي باهتزازات متتالية، وفي ظل السباق على حجز مواقع متقدمة في السوق الدولية. من هنا تكمن أهمية منطقة الشرق الأوسط في حسابات الدول، بخاصة بعد نهاية مرحلة الحرب الباردة وبروز أقطاب جدد على المسرح الدولي.
وتُعتبر منطقة الشرق الأوسط، التي تسمى أيضاً فـي بعض دوائـر الـقرار بمنطقة غربي آسيا وشمالي أفريقيا، من أهم المناطق التي تتنافس فيها الدول الكبرى في العالم نتيجة لموقعها الإستراتيجي البالغ الأهمية في العالم، ونتيجة للتنافس الدولي والنزاعات والتوترات الداخلية، مما جعلها تعاني اضطرابات وتوترات بين حين وآخر، و تنفجر فيها الحروب والنزاعات المسلحة. ويولي معظم حكومات الدول الكبرى اهتماماً كبيراً لهذه المنطقة.
ومع انتهاء الحرب الباردة، تحولت منطقة الشرق الأوسط، بدلاً من أوروبا، مسرحاً زاخراً بالعلاقات الدولية المتأزمة. وكانت مخططات الصراع الدولي حافلة بتوقّعات الاجتياح السوفياتي لأوروبا الغربية، الأمر الذي كان يستوجب دفاعاً اميركياً عنها. لكن بعد سقوط جدار برلين وأطروحة هانتنغون “صدام الحضارات” وزوال الاتحاد السوفياتي، برز كلام جديد عن “مواجهة بين الحضارتين الاسلامية والغربية”، وبأن الشرق الاوسط خط التماس بين الحضارتين.
وعلى الرغم من أن كثيرين لم يوافقوا على أطروحة هانتنغتون في “صدام الحضارات” وعلى رأسهم الرئيس الاميركي بيل كلينتون آنذاك، فإن هذا الفكر كان يعكس تطلعات بعض النخب الاميركية حول هذه المنطقة التي اعتبروها بمنزلة تهديد لهم ومصدراً للموارد الأولية.
ثانياً: أهمية النفط: الطاقة الأساسية وعصب الاقتصاد العالمي
ما من شك في أنّ النفط قد شكل منذ اكتشافه العام 1859، ولا يزال حتى الآن, أحد أهم أسباب الصراع في العالم، وقد شغلت هذه الطاقة مساحة كبيرة من خريطة الصراع العالمي طوال القرن الماضي، ومن المرشح أن يستمر هذا الامر لفترة طويلة مقبلة في قرننا الحالي.
ولا يزال النفط حتى اليوم يشكل العصب الرئيس للطاقة، وحتى عندما ارتفعت أسعار النفط عقب حرب أكتوبر 1973، وشعرت الدول الصناعية الكبرى وبخاصة في أوروبا وأميركا بإمكانية تحكُّم الدول المنتجة بالاسعار أو في ربط ذلك بالمواقف السياسية، حاولت الدوائر العلمية في تلك الدول أن تبحث عن بديل للبترول بأسعار معقولة، مروّجة بأن ذلك ممكن ومُتاح، ولكن مع الوقت اكتشف الجميع أن تلك لم تكن إلا خدعة إعلامية.
وانطلاقاً من هذه الاعتبارات كانت السيطرة على النفط تعني ضمان استمرار عمل الآلة الصناعية والآلة العسكرية معاً، أي الرخاء والقوة، وبات النّفط يمثّل قطاعاً مهماً للاستثمار الرأسمالي، وهكذا كان النفط ومحوراً لصراع الرأسماليات والشركات والدول ومقاولي النقل، فضلاً عن العسكريين بالطبع[1].
كما أنّه من نافل القول، أن اكتشاف النفط قد أحدث ثورة هائلة في شكل الآلة وحجمها وقدراتها، وأصبح بمثابة الدم الذي يجرى في شـريان الصناعة والحرب والنقل والتكنولوجيا بل إنّ اكتشافه النفط شكَّل في حد ذاته حافزاً علمياً مهماً لتسهيل المزيد من الاختراعات، ويمكننا أن نقول: إن الطائرة والصاروخ والأقمار الصناعية، وغيرها من الآلات المتقدمة لم تكن لترى النور من دون النفط.
وعليه فقد ظل النفط أقل كلفةً، وأفضل مصدر معروف للطاقة حتى الآن، وكان من الطبيعي أن تحاول الدول الصناعية الكبرى السيطرة على منابع النفط بصورة أو بأخرى، والتأثير بكل الوسائل على المنتجين، وقد دخل المعادلة منذ ذلك الوقت ما يسمى بالدم مقابل النفط، أي استعداد تلك الدول لنشر جيوشها وخوض الحروب من أجل تحقيق تدفق آمن ورخيص لهذه المّادة الحيويّة.
ومنذ ذلك الوقت كان النفط هو العامل الأهم في مشهد الاقتصاد العالمي، الذي يشهد في هذه الأيام حالة من القلق والهلع لاستمرار انخفاض الأسعار، تزامناً مع تراجع الطلب عليه، ووفرة المعروض، هذه الأحوال التي تسيطر على دول العالم شهدت هبوطاً في مؤشرات الأسواق العالمية، بعد تراجع أسعار خام برنت منذ مطلع الصيف الماضي، والتي وصلت إلى أقل من 48 دولاراً للبرميل، مما يعني انخفاضاً نسبته 20 % مقارنة بشهر حزيران/يونيو الماضي.
ويبدو أن تراجع أسعار النفط إلى ما دون الأربعين دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ عام ونصف العام، محيّر لخبراء السوق مع الكثير من التكهنات حول أسباب التراجع ومدى استمراريته في المدى المنظور.
ولا بد من القول في هذا السياق المتصل بالبعد الجيوسياسي، أنّ هذه المنطقة هي منطقة متخمة بالأزمات القابل كل منها للاشتعال في أي لحظة، وما يجمع هذه الأزمات، وخصوصاً في الرقعة الممتدة بين شرق المتوسط والخليج، هو ارتباطها بالصراع الأميركي- الإيراني، الذي يختزل تناقضاً بين مشروعين لمستقبل المنطقة وهويتين مختلفتين لها. فأصبح هذا الصراع والتناقض هما المحرّك الأول للتفاعلات السياسية، وهذا ما يجعل شبح الحرب مخيماً في سماء هذه المنطقة، بعد أن كان الصراع العربي- الإسرائيلي مصدر توترها الوحيد ثم الرئيسي لعدة عقود[2].
رابط تحميل البحث بي دي اف: الصراع على النفـط والغـاز وأهمية منطقـة الشـرق الأوسط الإستراتيجية