
العرب والتحديات الاقتصادية الراهنة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
العرب والتحديات الاقتصادية الراهنة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير
ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي
ندوة حول
الشرق الأوسط الكبير والهوية العربية
القاهرة 8 – 12 كانون الأول 2005
العرب والتحديات الاقتصادية الراهنة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
جامعة دمشق – كلية الاقتصاد
الأخ الدكتور مصطفى الكفري
تحية طيبة
يسعدني أن أبلغكم بأن بحثكم المقدم تحت عنوان ” العرب والتحديات الاقتصادية الراهنة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير، للمشاركة في ندوة ” الشرق الأوسط الكبير والهوية العربية” التي يقيمها ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي بالقاهرة 8 ـ-12 /12/ 2005، قد تمت الموافقة عليه وقد أدرج على برنامج الندوة:
مع التحية وأطيب التمنيات
رئيس اللجنة الفكرية في الملتقى
علي عقلة عرسان
العرب والتحديات الاقتصادية الراهنة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير
الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
خلال الربع الأخير من القرن العشرين بدأت معظم الاقتصادات العربية مرحلة جديدة تسمى مرحلة الإصلاح الاقتصادي. وقطعت شوطاُ كبيراً في الاتجاه نحو إقامة اقتصادات تستند إلى ” اقتصاد السوق”. وقد رافق هذا التحول تضحيات كبيرة وعدم استقرار في الإنتاج والعلاقات الاقتصادية الخارجية، وتزايد عدد الأغنياء وعدد الفقراء، وازداد الأغنياء غناً والفقراء فقراً. وقد حاولت معظم الدول العربية الاستفادة من نصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تطبيق برامج التثبيت الهيكلي والإصلاح الاقتصادي، الذي كان هدفه الحد من النتائج المذكورة في البلدان العربية، لذلك ظلت التحديات كبيرة جداً كما توضحها المشاكل والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها معظم الدول العربية. ماذا تحقق من تقدم؟ وما هي أهم التحديات التي تواجه الدول العربية؟
تحديات اقتصادية ملحة تواجهها الدول العربية أهمها:
1 ـ تسريع وتائر التنمية الشاملة وتوسيع دائرة انتشارها.
2 ـ معالجة موضوع عدم المساواة في توزيع الدخل.
3 ـ توفير المناخ المناسب لتدفقات رؤوس الأموال.
4 ـ الحد من التضخم.
5 ـ الإصلاح الإداري والتنظيم وسياسات الأجور.
6 ـ إصلاح القطاع المصرفي، والسياسات المالية والنقدية.
7 ـ إصلاح المشروعات العامة وتطويرها.
8 ـ تطوير الميزانية وقيودها وإجراء الإصلاح الضريبي.
9 ـ الاهتمام بموضوع الاقتصاد الموازي والاقتصاد السري.
10 ـ دور الحكومة المتغير.
11 ـ الاهتمام بالتنمية البشرية.
12 ـ تحديات العقد الحالي من الألفية الثالثة.
انطلاقاً مما يمثله مشروع الشرق الأوسط الكبير وما تمثله التسوية بالنسبة إلى المشروع الصهيوني في فلسطين من جهة مقابل أوضاع العرب الاقتصادية والسياسية الحالية من جهة ثانية، والجهتان موضوعتان في سياق النظام العالمي الجديد في جانبه الاقتصادي المتطرف في ليبراليته، يبدو لنا أن السيطرة الاقتصادية الإسرائيلية على المنطقة هي الوجه الآخر للتسوية السياسية للصراع العربي – الإسرائيلي كيفما كانت هذه التسوية، عادلة أم مجحفة. لكن ذلك لا يعني أبداً أن النظام الإقليمي الاقتصادي الجديد الذي يسعى مشروع الشرق الأوسط الكبير لإعادة صياغته على النحو الذي ذكرنا هو قدر محتم أمام العرب لا مفر لهم منه.
1 – تحدي السكان:
مازال معدل النمو السكاني في الدول العربية عالي حيث من المتوقع أن يصل عدد السكان إلى ما بين 410 و 459 مليوناً في عام 2020، ضمن هيكل جديد للأعمار تزداد فيه نسبة المسنين وتقل فيه نسبة الأطفال. وبقدر ما تطرح السمات السكانية الجديدة تحديات متعددة بقدر ما توفر في الوقت نفسه فرصا كثيرة. فحجم السكان والنمو السكاني والتوزيع العمري، يمكن أن تكون نعمة أو نقمة ديمغرافية، وسيحسم أي السبيلين ستنتهج، قدرة البلدان العربية على بناء القدرات البشرية وإفلاحها في استخدامها لتلبية تطلعات الشعب لحياة كريمة. والسكان في الدول العربية أصغر سنا من المتوسط من سكان العالم بأسره. وتشكل الهجرة داخل البلدان العربية ومنها وإليها مظهراً ديموغرافياً هاماً، إضافة إلى التحضر، حيث نجد أن نصف عدد السكان يعيش اليوم في المدن بينما لم تتجاوز هذه النسبة الربع في عام 1950.
شكل 1 التوزيع العمري لسكان العالم العربي مقارنة ببلدان أخرى والعالم
ونلاحظ أن عدد الأطفال والشباب في الدول العربية أكبر من أية منطقة أخرى في العالم. فمعدل العمر السكاني أقل بكثير من المعدل العالمي، حيث نجد أن (38 %) من السكان تحت سن الرابعة عشر.
2 – البطالة وتحدي التشغيل الكامل:
تعد البطالة من أخطر المشكلات التي تواجه الدول العربية، حيث تعاني من أعلى معدلات البطالة في العالم. وحسب تقرير لمجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية، صدر عام 2004، قدّرت نسبة البطالة في الدول العربية ما بين 15 و 20%. وكان تقرير منظمة العمل الدولية قد ذكر في عام 2003، أن متوسط نسبة البطالة في العالم وصل إلى 6.2%، بينما بلغت النسبة في العالم العربي في العام نفسه 12.2%. وتتزايد سنويا بمعدل 3%. ومن المتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل في البلاد العربية عام 2010 إلى حوالي 25 مليون شخص. وما يجعل هذه القضية من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، هو أن 60% تقريبا من سكانها هم دون سن الخامسة والعشرين. [1]
ووصفت منظمة العمل العربية، في تقرير نشر في شهر مارس 2005، الوضع الحالي للبطالة في الدول العربية بـ”الأسوأ بين جميع مناطق العالم دون منازع”، وأنه “في طريقه لتجاوز الخطوط الحمراء”. ويجب على الاقتصادات العربية ضخ نحو 70 مليار دولار، ورفع معدل نموها الاقتصادي من 3% إلى 7%، واستحداث ما لا يقل عن خمسة ملايين فرصة عمل سنويا، حتى تتمكن من التغلب على هذه المشكلة الخطيرة، ويتم استيعاب الداخلين الجدد في سوق العمل، بالإضافة إلى جزء من العاطلين.
لذلك يتوجب على صناع القرار في الدول العربية، التخطيط لتوفير ما بين 80 و 100 مليون فرصة عمل حتى العام 2020، حيث يبلغ حجم القوى العاملة في الوطن العربي حاليا 120 مليون نسمة، يُضاف إليها كل عام ثلاثة ملايين و400 ألف عامل من الداخلين حديثاً إلى سوق العمل.
ويؤكد تقرير منظمة العمل العربية أنه لم تعد هناك دول عربية محصنة ضد البطالة كما كان يعتقد قبل سنوات، وبخاصة في دول الخليج العربي، حيث يبلغ معدل البطالة في السعودية ـ أكبر هذه البلدان حجماً وتشغيلاً واستقبالاً للوافدين– نحو 15%، وفي سلطنة عُمان 17.2%، وفي قطر 11.6%. أما في باقي الدول العربية، فلا يختلف الوضع كثيرا. [2]
هناك حاجة ماسة للتصدي لظاهرة تأنيث البطالة من خلال إزالة التمييز ضد المرأة في سوق العمل بما في ذلك فروقات الأجور وتوزيع الوظائف بينها وبين الرجل. وهذا يستند إلى إزالة الفروقات ما بين الذكر والأنثى في نظم التعليم والتدريب. ويتعين توفير قدرات مؤسسية وإنسانية إضافية لتوسيع انتشار التمويل الصغير لأكبر عدد من الأسر الفقيرة، حيث أن نسبة الأسر الفقيرة التي تستطيع حاليا الحصول على الخدمات المالية لا يتجاوز 2%. وينبغي أن تكون الأولوية للمرأة القادرة على العمل. وفوق ذلك، يجب توسيع شبكة الضمان والأمان الاجتماعي وزيادة الإنفاق عليها من 2,0% إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
3 – تحدي التنمية الإنسانية – التنمية الإنسانية في الدول العربية لا ترقى لمستوى غناها:
تتوافر للدول العربية قاعدة اقتصادية متينة لتحسين التنمية الإنسانية. فالمردود لكل فرد أعلى منه في معظم المناطق النامية. وفي حين يتفوق العرب على أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا في التنمية الإنسانية، ما زالوا أقل من أمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبي وشرق آسيا في مقياس التنمية البشرية حسب تقرير التنمية البشرية العالمي.
شكل 2
والمعروف أن الدول العربية الغنية تدين بثرائها للنفط، إن النفط هو نعمة ونقمة في الآن ذاته. حيث لا يعاد استثمار عوائد النفط بشكل دائم ومنتج في هذه البلدان أو في المنطقة العربية. لذلك نجد أن النمو الاقتصادي لبعض الدول العربية غير النفطية التي تملك اقتصاداً أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على النفط، كمصر أو سورية مثلاً، قد نمت أسرع نسبياً خلال العقود الثلاثة الماضية بالمقارنة مع الدول النفطية. والحقيقة أن الفكرة الشائعة عن ثراء المنطقة العربية، بسبب الثروة النفطية العربية، خاطئة.
هناك اختلافات كبيرة بين الدول العربية في مستوى التنمية البشرية، حيث حصلت الكويت على أعلى معدل بين الدول العربية في مقياس التنمية البشرية العالمي وهو أقل بقليل من كندا التي كان ترتيبها في قمة المؤشر مراراً. في حين نجد أن جيبوتي التي حصلت على أدنى علامات ليست أفضل من سيراليون التي حصلت على أقل قيمة بين بلدان العالم حسب مقياس التنمية البشرية.
شكل 3 قيم مقياس التنمية البشرية، البلدان العربية، 1998
المصدر: (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالإنجليزية، 2000)
حققت الدول العربية تقدم بين في إرساء قواعد متينة في قطاعات الصحة والسكن والتعليم. ويشهد على ذلك ما أنجزته في مجال الحد من الوفيات والتوسع الكمي الضخم في التعليم. فقد ارتفع مثلا، معدل توقع الحياة عند الميلاد بنحو 15 عاماً خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وانخفض معدل وفيات الأطفال بنحو الثلثين. لكن الأمر الذي يدعو للتفاؤل أن النمو في المنطقة العربية قد نزع إلى محاباة الفقراء، حيث أن مستويات الفقر المدقع في المنطقة العربية (المعرف بدخل يقل عن دولار واحد في اليوم) الأقل بين جميع مجموعات الدول النامية. [3]
رابط تحميل البحث بي دي اف: العرب والتحديات الاقتصادية الراهنة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير بحث
[1] – البطالة في العالم العربي.. أسباب وتحديات،
إعداد: أحمد الليثي.
[2] – “المنتدى الاستراتيجي العربي” الذي عقد في دبي في ديسمبر 2004.
[3] – تقرير للتنمية الإنسانية العربية 2002، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.