الجامعات أمكنة تنوير ورافعة للتنمية الشاملة في الوطن العربي

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الجامعات أمكنة تنوير ورافعة للتنمية الشاملة في الوطن العربي

 

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

يعد التعليم واحدا من الأنشطة البشرية القليلة التي يتضح أنها لا تتحسن من جيل إلى الجيل الذي يليه، والأمر يجب ألا يكون على هذه الشاكلة. ذلك لأنه يترتب على الجامعات القيام بمراجعة مناهجها، وتحريك المقررات هنا وهناك في تشكيلات تختلف اختلافا ضئيلا. وعليها أن تفعل الكثير من أجل تحسين مضمون ومستوى هذه المقررات. ويجب أن تعمل الهيئة التدريسية على تحديد الأولويات وإعادة النظر فيها في الوقت المناسب. لان الجامعات هي التي تضع المعايير التي يتم من خلالها الحكم على التعليم العالي.وما لم تقنع إدارة الجامعة والهيئات التدريسية الجمهور من خلال أفعالها بأنها حقا قد جعلت التعليم العالي في سلم أولوياتها، والتعهد بالقيام بالتعليم في الجامعة على أرفع المستويات، فإنها ستظل عرضة للانتقاد والتجريح حول المناهج والمقررات وقيام الهيئات التدريسية بمهماتها. لقد كانت الجامعات العربية منهمكة بشكل واضح في مشروعين اثنين كانا يلقيان الدعم والترحيب من قبل الحكومة والشعب.

الأول: تزايد عدد الطلاب المقبولين في الجامعات والمعاهد (قانون الاستيعاب). وهذا يعني استيعاب أكبر عدد من الطلاب الذين حصلوا على الثانوية العامة وبخاصة الإناث.

والثاني: بناء جامعات ومؤسسات بحثية عظيمة لدعم مجهود الدفاع الوطني ومجاراة الدول المتقدمة في التسابق ببناء مؤسسات علمية كبيرة وضخمة.

وهذان المشروعان أديا إلى تحالف الجامعة مع الحكومة والجمهور لتحقيق الأهداف المرجوة.

أهم ما يحاسب عليه رؤساء الجامعات وعمداؤها وإدارتها هو مدى نجاحهم في تحسين سمعة جامعاتهم وكلياتها. وتلك السمعة تأتي حصرا من شهرة أعضاء الهيئة التدريسية وإنجازات البحث العلمي فيها ونجاح العملية التدريسية. على الجامعة وإدارتها أن تبذل كل جهد لاجتذاب أكثر الأساتذة قدرة وكفاءة للعمل كأعضاء في الهيئة التدريسية، كما    أن عليها السعي لإسعادهم، وتحول دون تركهم الجامعة للعمل في جامعات أخرى.

ولكي تكون الجامعات العربية موضوع إعجاب داخل الوطن وخارجه، فهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتحديد أولويات عملها وبخاصة فيما يتعلق بالبحث العلمي، وكذلك البحث عن طرق جديدة لخدمة الأمة والوطن.

والتحدي الذي يواجهه التعليم في المرحلة الجامعية الأولى هو قلة الجهد الذي يكرس لتقويم فعالية المناهج والبرامج التعليمية بهدف رسم طرائق تعليم جيدة وفعالة. ومن الأهمية بمكان دراسة أسباب معاناة بعض الطلبة من صعوبات في فهم بعض المواد الدراسية وإيجاد التقنيات التعليمية الجيدة القادرة على تجاوز مثل هذه الصعوبات. كما أن بعض أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات لا يبحثون عن مدى نجاحهم في التعليم أو عن مقدار ما تعلمه طلبتهم، فليس لديهم أية رغبة في إتباع طريق مستنير من التجربة والخطأ لتحسين طرائق التدريس التي يتبعونها.

الجامعات اليوم بحاجة إلى طرائق جديدة لخدمة الجمهور، وهي لابد أن تمتلكها، فإذا رغبت الجامعات في تحقيق ذلك فعليها أن تقوم بالمشاركة بشكل فعال في المساعي التي تبذل لحل المشكلات التي تهم الناس بالفعل ولاستعادة الثقة الجماهيرية، على إدارة الجامعات أن يجددوا ما يجب عمله في هذا المضمار ومن ثم عليهم أخذ زمام المبادرة. فالجامعات ليست أمكنة تنوير ومعرفة فحسب بل هي مؤسسات التعليم العالي المعول عليها كثيرا في تحقيق التنمية الشاملة في البلدان العربية والبلدان النامية وفي كل المجتمعات.

إذا أرادت الجامعات أن تكون مصدر إلهام الأمة، فعليها أن تشارك بشكل بارز في الجهود والمساعي المبذولة لحل المشكلات التي تواجه الناس بالفعل وتحسين أوضاع الدارسين فيها ونظام العناية بهم وبمفردات مقررات التدريس فيها. كما أن للجامعات دور هام في تحسين مستوى التعليم في المدارس ما قبل الجامعية، لأنها هي التي تدرب مدرسيها ومراقبيها ومفتشيها وإداراتها، وهي التي تقوم بتحسين المواد والمناهج التي تدرس فيها من خلال إسهامات أساتذة الجامعة المتنوعة في وضع ومناقشة وتدقيق المناهج. والجامعات أيضا تقوم باكتشاف الطرائق الجديدة لمساعدة الطلبة على التعليم، ويأتي دور كلية التربية بارزا في هذا المضمار.

للجامعات أيضا دور هام في تحسين نظام العناية الصحية بالمجتمع. فالجامعات تعد أطباء الأمة وتشرف على مستشفياتها الرئيسية. كما أن في الجامعات الآن نظام الدراسات العليا في الطب يخرج اختصاصيين على مستويات جيدة. ومن الممكن أن تسهم الجامعات في تخفيض النفقات الصحية عن طريق دراسة اقتصاديات العناية الصحية

كما يجب أن تهتم الجامعات بكليات ومعاهد الإدارة والاقتصاد لتتمكن من القيام بما تستطيع أو بما عليها أن تقوم به لخدمة المصالح المشروعة للأمة. لقد كانت كليات ومعاهد الاقتصاد والإدارة أكثر تجاوبا مع المعايير الداخلية لتخصصها بالذات من تجاوبها مع احتياجات المجتمع. وقد أهملت على الطريق العديد من المشكلات الأهم في مجال الفعاليات الاقتصادية والأعمال: كيف يمكن استخدام التكنولوجيا بكفاءة أكبر؟ ما هي أفضل السبل لنقل التكنولوجيا وتوطينها وتطويرها ؟، كيف يمكن تحسين نوعية ما ننتج؟ ما هي آلية العمل الأفضل والتي تعمل بصورة مجدية ضمن ثقافات وأسواق دولية؟ لماذا ترتفع نسبة دوران اليد العاملة في بعض قطاعات الإنتاج؟ ما هي السبل لتطوير وتحديث القطاع العام؟

يتوجب على كليات الإدارة والاقتصاد أن تكون المصدر الرئيسي للحلول التي تمكن المديرين من التغلب على المشكلات والصعوبات التي يواجهونها في مهماتهم المختلفة. والمصدر الرئيسي للأفكار الجديدة لتطوير الاقتصاد الوطني. وكذلك يتوجب على الهيئات التدريسية بكليات الاقتصاد والإدارة أن تبرز هذه الاتجاهات وتؤكدها، وان تسهم بفعالية أكثر لمواجهة ما يسميه الجمهور التحدي الاقتصادي الأعظم في بلادنا.

ومع ذلك تبقى الجامعات ضحية الكثير من المبالغات والتحريفات والانتقادات. ولكن يبقى للتعليم العالي الدور الأهم في بناء الإنسان الذي يبني الإنسان. وليس من المفيد أن يمتعض المرء أو أن يضع نفسه في موقف دفاعي تجاه الانتقادات. لان هذا لا يفيد العمل الأكاديمي في الجامعات. ويتوجب على الجامعات أن تحول الانتقادات إلى فائدة باستخدام ما يؤدي إليه النقد من أجل تسهيل إدخال التعديلات والتغييرات التي يقر معظم أعضاء الهيئة التعليمية وإدارة الجامعة أنها ضرورية تماما ولابد منها لأنها تؤدي في النهاية إلى تحسين نوعية التعليم في كافة مراحله.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار