
قصر غازي.. تحفة المرجة التي تروي قصة دمشق الحديثة
في قلب العاصمة دمشق، حيث تزحم الحجارة ذاكرة المكان، يقف قصر آل غازي شامخاً على ضفة نهر بردى، ملاصقاً لجامع البصروي، ليشكلا معاً لوحة معمارية فريدة تروي قصة تحول دمشق من المدينة القديمة المنكفئة على أفنيتها الداخلية، إلى عاصمة تنفتح على العالم بطراز معماري جديد.
هذا القصر العتيق، الذي بني عام 1814م في زاوية المرجة الغربية، ليس مجرد بناء حجري عادي، بل هو أول بيت يُبنى بالطوابق في دمشق، وأحد الشواهد القليلة التي ما زالت تنبض بالحياة بعد أكثر من قرنين من الزمان.
الموقع والحكاية
يقع قصر غازي في منطقة ساحة المرجة، تلك الساحة التي اختزلت تاريخ دمشق الحديث بحلوها ومرها. كان القصر يوماً ما يطل على نهر بردى الجاري، ويواجه سرايا الحكومة العثمانية (وزارة الداخلية لاحقاً)، في موقع استراتيجي جعله قلباً نابضاً للمدينة.
تقول السيدة أمل غازي، المالكة الحالية للقصر وأحد ورثة آل غازي، في حديث توثيقي: “لقد ورثت المنزل من أجدادي، وهي ثروة حضارية وتاريخية لا أستطيع الاستغناء عنها. محافظتي على المنزل إلى الآن هو من باب الحفاظ على التاريخ الذي يمثله المنزل بزخارفه وأعمدته وطراز بنائه”.
من بنى قصر غازي؟
يعود تاريخ القصر إلى العام 1229هـ، كما هو مسجل على اللوحة الرخامية في واجهة الطابق الأول. قام ببنائه أحمد شاكر غازي، أحد ملاك الأراضي الدمشقيين، على ضفاف نهر بردى. لكن اللافت في الأمر أن بناء هذا الصرح تم على يد معماريين فرنسيين وأتراك، بتكليف من الباني، ليكون مزيجاً فريداً يجمع بين الحداثة الأوروبية والروح الدمشقية الأصيلة. لاحقاً، أكمل ابنه واصف البناء ليأخذ القصر شكله النهائي الذي نراه اليوم.
العمارة.. حين يلتقي الشرق بالغرب
ما يميز قصر غازي هو كونه نموذجاً انتقالياً فريداً في تاريخ العمارة الدمشقية. فقد استغنى عن الفناء الداخلي الذي كان سمة البيوت الدمشقية القديمة، واعتمد على البناء الطابقي باستخدام الحجر والبلاط والجسور الحديدية، مما شكل ثورة معمارية في ذلك الزمن.
الطابق الأول: البساطة والأصالة
يتألف الطابق الأول من صوفة واسعة تبلغ أبعادها 15×4 أمتار. من خلال هذه الصوفة، يطل الزائر على ست غرف موزعة بتفاوت في المساحات، إضافة إلى مطبخ وحمام. يلفت النظر هنا حاجز رخامي بأعمدة أنيقة، تفصله واجهة خشبية عن الصالون الذي كان يطل يوماً على نهر بردى. وصف أحد المهندسين هذا التصميم بأنه “قصر من قصور القرون الوسطى”.
الطابق الثاني: التكرار بذات الروعة
الطابق الثاني مطابق تماماً في تصميمه للطابق الأول، مما يؤكد أن العائلة كانت تحتاج إلى مساحات واسعة لاستقبالاتها وحياتها اليومية.
الطابق الثالث.. “الطيارة”: عرش القصر
أما الطابق الثالث، فهو الأكثر إثارة للدهشة. يُدعى “الطيارة”، وهو عبارة عن فسحة سماوية تحيط بها ثلاث غرف فريدة:
- الغرفة الأولى: سطحها من القرميد المصفح بالرصاص (4×4 أمتار) ، ولها شرفة تطل على واجهة السراي القديمة (وزارة الداخلية).
- الغرفة الثانية: تقع فوق المدخل مباشرة (3×3 أمتار) ، ويعلوها برج هرمي من الخشب المغلف بمادة التوتياء، تتوجه كتلة نحاسية كانت تعمل كمانعة للصواعق. هذه الغرفة كانت بمثابة برج مراقبة للمنطقة المحيطة.
- الغرفة الثالثة: وهي الأجمل، مغطاة بالزجاج على شكل هرمي، وكانت تُستخدم كـ”غرفة عزلة” لإطلالة بانورامية خلابة على ساحة المرجة ونهر بردى والأبنية المحيطة.
الزخارف والأقواس
يقول المهندس محمد توفيق ملص في وصفه للقصر: “يعتبر منزل آل غازي شاهداً على تطور فن العمارة في سورية، فواجهته الرئيسية متنوعة الزخارف، أقواسها وشرفاتها تثير العجب”.
تتنوع الأقواس بين المقوس المدبب والمحدب العادي، وكلاهما يستند على أعمدة حجرية. الزخارف تتوزع فوق النوافذ وعلى أطرافها، لتؤكد أنه رغم التأثر بالطراز الفرنسي والفارسي في بعض العناصر الخارجية، تبقى المعالجة الداخلية دمشقية أصيلة، يشعر بها الزائر من خلال التفاصيل الصغيرة: المغاسل الرخامية، الزجاج الملون، الخشب المزخرف، وزخارف الأقواس الدقيقة.
سر المجسات على السطح
لطالما لفت نظر المارة جهاز غريب فوق سطح القصر. هذا الجهاز البديع الطريف قديم التصميم، وكان يستخدم لحساب سرعة الريح واتجاهها. وجود هذا الجهاز على قصر يعود للقرن التاسع عشر يؤكد أن البناء كان مهيأ ليكون نقطة مراقبة ليس فقط للمدينة، بل للطقس أيضاً، مما يفسر لماذا اختارت مديرية الآثار لاحقاً هذا الموقع ليكون مقراً لها، حيث لا تزال المجسات الحديثة تؤدي ذات الوظيفة القديمة.
قصر غازي في الذاكرة السورية
عبر تاريخه الممتد، لم يكن قصر غازي مجرد سكن عائلي، بل كان مزاراً للوجهاء والسياح الأجانب الذين كانوا يتوافدون للاطلاع على تاريخه وعراقته. وهو أيضاً شاهد حي على تطور دمشق؛ فالمكان الذي كان يحيط به “المنطقة الأثرية” التي ضمت مبنى البلدية والعادلية والبريد وجامع يلبغا، اندثرت معظمها، وبقي القصر صامداً بفضل غيرة أصحابه الذين سارعوا إلى تسجيله في دائرة الآثار لحمايته من محاولات الهدم والتطوير العشوائي.
اليوم، ما زال الطابق الثاني من القصر مستملكاً من قبل الدولة وتشغله دائرة آثار ريف دمشق، بينما تحتفظ العائلة ببقية أجزاء القصر، حريصة على صيانته كـ”متحف حي يصور حياة أهل الشام منذ 200 عام”.
خلاصة
قصر غازي ليس مجرد بناء قديم في ساحة المرجة. هو بداية قصة الحداثة في دمشق، وهو شاهد على عبقرية المعمار الدمشقي الذي استطاع أن يهضم التأثيرات الأجنبية ويصهرها في بوتقة الهوية المحلية. هو حكاية عائلة آثرت الحفاظ على التاريخ، وصرح لا يزال رغم الجراح والتغيرات، يطل على دمشق بكل فخر، حامياً في جدرانه سر تطور مدينة كانت وستبقى أم الدنيا.
“زينوا المرجة. والمرجة لينا.. شامنا فرجة وهي مزينة”.. وقصر غازي هو جوهرة هذه الفرجة التي تستحق أن تروى وتوثق.
الباحث والمصور خلدون عبد العزيز الخن
https://www.facebook.com/share/18HeW9eG59/
منقول كما وصلني من الصديق الأستاذ الدكتور نبيل أشرف بالووتساب.