
هرمز يختنق والبدائل محدودة: كيف تعيد الجزائر حسابات الجباية البترولية؟
جلال لوز ، تاريخ النشر : السبت 28 فبراير,2026
هرمز يختنق والبدائل محدودة: كيف تعيد الجزائر حسابات الجباية البترولية؟

صناعة النفط والغاز في الجزائر الصورة: (تادامسا نيوز)
جلال لوز ، تاريخ النشر : السبت 28 فبراير,2026
تجد الجزائر نفسها، منذ الساعات الأولى للتصعيد العسكري الذي استهدف إيران اليوم السبت 28 فبراير 2026، أمام تطورات قد تنعكس مباشرة على سوق الطاقة العالمي. مع تصاعد الحديث عن احتمال تعطيل مضيق هرمز، الممر الذي ترتبط به تدفقات كبيرة من النفط والغاز. وبالنسبة للجزائر، يضع هذا السيناريو عائدات المحروقات ضمن مسار محتمل للارتفاع على المدى القصير، مقابل مخاطر أوسع إذا اتجهت الأزمة إلى اضطراب فعلي في الإمدادات بما يرفع كلفة الطاقة عالمياً ويغذي التضخم ويؤثر لاحقاً على الطلب والنمو.
مضيق هرمز
وحسب آخر التقارير الإعلامية فقد باشرت أسواق الطاقة تُسعّر الخطر قبل اتضاح مدى اتساعه. فوفق ما نقلته رويترز، أوقفت أو علّقت شركات نفط وتجارة ومالكو ناقلات شحنات من الخام والوقود والغاز الطبيعي المسال عبر المضيق. وسط مؤشرات على اضطراب حركة الناقلات وتكدّس سفن قرب موانئ رئيسية مثل الفجيرة. بالتوازي مع تحذيرات أمنية للملاحة في الخليج وخليج عُمان وبحر العرب.
وإلى جانب ذلك، أبلغ مسؤول في بعثة بحرية أوروبية بأن الحرس الثوري الإيراني بثّ عبر أجهزة اللاسلكي رسائل مفادها أن المرور “غير مسموح” عبر المضيق. وهو ما يكفي وحده لرفع كلفة التأمين وتعطيل قرارات الشحن حتى لو لم يُعلن إغلاق رسمي مكتمل الأركان.
في هذا السياق، تصبح “حساسية هرمز” بالغة لأن السوق لا تتعامل معه كنقطة عبور عادية، بل كنقطة اختناق عالمية. إدارة معلومات الطاقة الأميركية تصنّفه أهم ممر نفطي بحري. وتُقدّر تدفقات النفط والمنتجات عبره بنحو 20 مليون برميل يومياً (مستويات قريبة من خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية). ما يعني أن أي تعطيل ولو جزئياً يُنتج صدمة سعرية عبر علاوة المخاطر، ثم يتحول إلى صدمة إمدادات إذا طال أمده. ومن جهة أخرى، يمر عبره أيضاً جزء معتبر من تجارة الغاز الطبيعي المسال. مع اعتماد قطر على المضيق في معظم صادراتها. وهو ما يرفع احتمالات انتقال الصدمة من النفط إلى الغاز ثم إلى الكهرباء والتكاليف الصناعية عالمياً.
هرمز يهدد الاستقرار المالي العالمي
ومع ذلك، فإن أخطر ما في سيناريو “هرمز” ليس الإغلاق الكامل فقط. بل فكرة أن البدائل المتاحة أمام دول الخليج محدودة نسبياً ولا تُعادل الحجم الذي يمر عبر المضيق. وهنا تكتسب المعطيات التي أوردتها بلومبرغ وزناً إضافياً لأنها تُحوّل النقاش من “هل هناك بدائل؟” إلى “كم تستطيع هذه البدائل أن تُعوّض فعلياً؟”. فالسعودية تمتلك خيار تحويل جزء من الشحنات عبر خط أنابيب “الشرق–الغرب” الممتد نحو 746 ميلاً عبر أراضيها إلى محطة تصدير على البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تُقدّر بنحو 5 ملايين برميل يومياً.
وفي المقابل، تستطيع الإمارات تقليص الاعتماد على المضيق جزئياً عبر خط أنابيب حبشان–الفجيرة الذي يربط الحقول بميناء خارج الخليج على خليج عُمان. بطاقة نحو 1.5 مليون برميل يومياً. أمّا العراق، فيمتلك خطاً يمر عبر تركيا إلى ساحل المتوسط، وقد عاد جزء من تدفقاته من الحقول الشمالية بعد توقف، لكن غالبية صادراته تبقى مرتبطة بميناء البصرة وتخرج بحرياً عبر هرمز بحكم أن الخط لا يغطي كل الإنتاج العراقي. أما الكويت وقطر والبحرين، فلا تمتلك عملياً مسارات بحرية بديلة خارج هذا الممر، وهو ما يرفع هشاشة الإمدادات إذا دخل المضيق مرحلة تعطيل واسعة.
بالنتيجة، حتى لو استُخدمت خطوط الأنابيب البديلة بأقصى ما يمكن. فإنها لا تغطي سوى جزء من تدفقات هرمز. ما يعني أن نقطة الضعف ليست “غياب البديل”. بل “ضآلة البديل” مقارنة بالحجم المتدفق يومياً. ومن ثمّ، يتحول أي تصعيد إلى عامل قفزات سعرية محتملة. خصوصاً إذا ترافق مع سلوكيات سوقية معروفة مثل تباطؤ الناقلات أو توقفها أو إعادة تموضعها قرب مناطق أكثر أماناً، لأن مجرد ارتفاع المخاطر يُعطّل اللوجستيك قبل أن يُعطّل البراميل.
محكّ الجزائر بين مكسب السعر وصدمة التضخم
هذا هو المدخل الذي يهم الجزائر مباشرة، لأن كل دولار إضافي في سعر البرميل ينعكس على الجباية البترولية وإيرادات النقد الأجنبي. وهو ما يمنح الخزينة هامش مناورة في التمويل. ويُخفف ضغوط ميزان المدفوعات، ويدعم القدرة على إدارة الاستيراد وبرامج الإنفاق العمومي. لكن في المقابل، فإن “تحسن الإيرادات” إذا جاء من صدمة جيوسياسية حادة قد يحمل في داخله بذرة الخطر. ارتفاعٌ مفرط في أسعار الطاقة عالمياً يُغذي التضخم ويضغط على تكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد. وبالتالي يرفع فاتورة الاستيراد الجزائرية للمواد الغذائية والسلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج. بما يجعل جزءاً من المكسب يعود ليُستنزف عبر قناة الأسعار المستوردة.
في هذا المستوى تحديداً، يبرز تقييم هواري تيغرسي، الخبير الاقتصادي، في تصريح لـ”تادامسا نيوز”. بوصفه أقرب إلى القراءة الواقعية: الجزائر قد تستفيد من ارتفاع محتمل للأسعار بما يرفع عائدات العملة الصعبة والجباية البترولية. غير أن استمرار الحرب قد يربك الأسواق ويقود إلى تباطؤ عالمي وارتفاع تضخم يضغط على الطلب العالمي للطاقة لاحقاً. هنا لا يتحدث تيغرسي عن “مكسب” مطلق، بل عن وضع مزدوج يُلزم الدولة بميزان دقيق بين اغتنام الهامش المالي والتحوط من موجة ارتدادية عالمية قد تُضعف التجارة والنمو وتزيد كلفة الاستيراد. وهذه المفارقة تصبح أكثر حدة إذا تحولت السوق إلى ما يشبه “ذروة سعرية” قصيرة تتبعها دورة تصحيح.
وبلغة السوق، يتحكم عاملان في سقف الأسعار: مدة التعطيل ومدى انتقاله من مستوى التهديد إلى مستوى “المنع الفعلي”. بلومبرغ لخصت المسألة بوضوح عندما ربطت الضيق الجغرافي للمضيق وكونه قناة لقرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً بخطر “المنع” الذي يدفع الأسعار للارتفاع وقد يزعزع استقرار الاقتصاد العالمي. وفي حال أصبح المرور محفوفاً بالمخاطر، قد تلجأ الناقلات إلى العبور في قوافل محمية، ما يبطئ المرور ويرفع التكلفة حتى دون توقف كامل للإمدادات، بينما يبقى الإغلاق الكامل لأكثر من بضعة أيام السيناريو الأكثر كلفة على السوق. وفي هذا الباب، تتقاطع تقديرات محللين مع ما يُتداول عن نطاق 120 إلى 150 دولاراً للبرميل إذا وقع تعطيل حاد حتى لو كان قصيراً، وهو سقف تتحقق عنده “الصدمة” أكثر من “التوازن”.
الردع البحري وقانون العبور والتشويش الإلكتروني
غير أن التوازنات لا تتعلق بالسوق وحده، بل أيضاً بالقدرة على إدارة الملاحة والردع. تاريخياً، تولّت الولايات المتحدة عبر وجودها البحري في المنطقة حماية مسارات الشحن. كما ظهرت ترتيبات ائتلافية لحماية الملاحة بعد موجات توتر سابقة. وفي تطور اليوم، أصدرت جهات بحرية تحذيرات للملاحة في نطاق واسع يشمل الخليج وخليج عُمان وبحر العرب، بالتوازي مع توصيات لبعض الدول بتفادي مناطق معينة مؤقتاً، وهو ما يعكس أن إدارة المخاطر أصبحت جزءاً من الحدث نفسه.
ومن زاوية القانون الدولي، فإن الجدل حول قدرة إيران على “إغلاق” المضيق لا ينفصل عن نظام المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تُقرّ نظام “مرور العبور” (transit passage) في المضائق التي تُستخدم للملاحة الدولية، بما يضمن حق المرور للسفن والطائرات ضمن شروط محددة. وفي الوقت نفسه، تُطرح خصوصية أن إيران وقعت على الاتفاقية لكنها لم تُصدق عليها. وهو ما يفتح باب تأويلات سياسية وقانونية، مع بقاء واقع القوة البحرية وميزان الردع عاملاً حاسماً في التطبيق العملي. ولهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في كثير من نماذج المخاطر لا يقوم على “إغلاق رسمي كامل”، بل على رفع مستوى الخطر تدريجياً عبر مضايقات وتقييد الحركة ورفع كلفة العبور، لأن هذه الأدوات قد تُنتج أثراً اقتصادياً كبيراً دون أن تتطلب قراراً صدامياً نهائياً.
إضافة إلى ذلك، فإن أدوات التعطيل الحديثة لا تتوقف عند الاحتكاك المباشر، لأن بيئة الملاحة أصبحت حساسة للتشويش الإلكتروني على إشارات تحديد المواقع، ما يضاعف المخاطر التشغيلية في ممر ضيق وقريب من اليابسة، وهو ما يدفع شركات الشحن إلى اتخاذ قرارات تحفظية بسرعة. وعندما تتزامن هذه العناصر، ترتفع كلفة النقل البحري والتأمين، فتنتقل الصدمة إلى أسعار المشتقات والغاز ثم إلى تكلفة الإنتاج الصناعي عالمياً.
خطة الجزائر تحت الضغط
أما الجزائر، ففي إدارة هذا المشهد، لا تحتاج إلى خطاب تفاؤلي ولا إلى خطاب تهويل، بل إلى ثلاثية عملية. قراءة يومية للأسواق، تحوط مالي يمنع تحويل الفوائض إلى التزامات دائمة. واستغلال ظرفي لتعزيز مصداقية الإمدادات نحو الشركاء دون تعريض الالتزامات التعاقدية لأي مجازفة. فالمكسب السعري، إذا وقع، يكون أكثر فائدة عندما يُترجم إلى تعزيز هوامش الأمان في الميزانية وفي احتياطات النقد. وإلى دفع استثمارات تخفض فاتورة الواردات على المدى المتوسط، بدل أن يتحول إلى توسع إنفاقي سريع يبتلع المكاسب عند أول هبوط في الأسعار.
وفي المقابل، يجب إدخال سيناريو التضخم المستورد ضمن الحسابات بجدية. لأن أي قفزة في النفط والغاز ترفع تكاليف النقل البحري والمواد الأساسية عالمياً. ما يعني ارتفاع تكلفة واردات الجزائر من الحبوب والمواد الوسيطة والسلع الرأسمالية. وبالتالي ضغطاً على الأسعار الداخلية وعلى ميزانية الدعم إن اتسعت الفاتورة. ومع أن تحسن الإيرادات البترولية قد يمتص جزءاً من هذا الضغط، إلا أن الفكرة الأساسية هي أن الصدمات الخارجية لا تُقاس فقط بما تضيفه إلى الإيرادات. بل بما تُحدثه في بنية التكاليف العالمية وفي النمو، لأن الركود العالمي إذا وقع يقلص الطلب على الطاقة ويضغط على الأسواق بعد فترة قصيرة من الارتفاع.
وعليه، فإن ما يجري حول مضيق هرمز اليوم لا ينبغي أن يُقرأ في الجزائر كعنوان “سعر البرميل إلى أين”. بل كاختبار لإدارة اقتصاد يعتمد على المحروقات في بيئة دولية قابلة للانفجار السعري ثم للارتداد الكلي. وبين بدائل خليجية محدودة لا تعوض حجم التدفقات، وتحذيرات ملاحة وتعليق شحنات بدأت فعلياً. وتاريخ طويل من توظيف المضيق كورقة ضغط، يصبح السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار تسعير المخاطر إلى أن تتضح مدة التصعيد وحدوده. وفي كل الأحوال، يبقى المطلوب جزائرياً هو تحويل أي مكسب ظرفي إلى عنصر توازن واستقرار، لأن الصدمة، إذا اتسعت، لا تمنح الدول المنتجة “ربحاً مجانياً”. بل تفرض عليها إدارة دقيقة بين الإيرادات والتكاليف وبين الفرصة والمخاطر.
https://tadamsanews.dz/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D9%8A%D8%AE%D8%AA%D9%86%D9%82-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%85%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84/