كتاب “خطط الشام” محمد كرد علي

عرض وتقديم: الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كتاب “خطط الشام” محمد كرد علي

 

عرض وتقديم: الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

ولد محمد كرد علي في عام ميلادي 1876 بدمشق لأسرة كردية الأصل تنتسب لفرع الأيوبيين، أصلها من السليمانية. درس وأتقن اللغة العربية والتركية والفرنسية حين التحق بمدرسة الآباء العازاريين لمدة سنتين. كما دخل معترك النضال السياسي مدافعاً عن بعث فكري ونهضة للوعي القومي العربي. كان محمد كرد علي موسوعيّ الفكر والاهتمامات بدأ طريقه الأولى بالكتابة في الصحافة، وعانى كثيراً من عسف الأتراك، ما اضطره إلى الهجرة إلى مصر، حيث كتب وناضل وانتمى إلى مجلس الإمام محمد عبده. ثم عاد إلى دمشق عام 1908، تجول محمد كرد علي وسافر طويلاً في أوروبا وفي عدد من البلدان العربية… تولى وزارة المعارف في دمشق لفترة من الزمن، وكان إنتاجه الفكري الأكبر أبحاثه وكتبه التي أنجزها خلال سنوات حياته ومن أبرزها: خطط الشام، أمراء البيان، الإسلام والحضارة العربية، أقوالنا وأفعالنا، غابر الأندلس وحاضرها، المذكرات، كنوز الأجداد. توفي محمد كرد علي في عام 1953 ودُفِن بدمشق بجوار قبر معاوية بن أبي سفيان.

بدأت مؤلفات محمد كرد علي أوج شهرتها مع كتابه الموسوعي “خطط الشام” الذي جاء في ستة أجزاء بمجلدين، تضمن الكتاب وصفاً لتاريخ بلاد الشام منذ العصور القديمة وصولاً إلى العقد الثالث من القرن العشرين، ويُعد “كتاب خطط الشام” وثيقة أمينة لأحوال التمدن والعمران في بلاد الشام بنوع من السرد الذي مارسه المؤلف في مذكراته ونقد للأحوال السائدة آخر العهد العثماني.

يروي محمد كرد علي أن فكرة كتابه «خطط الشام» قد ولدت لديه، إثر النجاح والاستحسان اللذين كانا من نصيب تسعة فصول في عمران دمشق، نشرها في مجلة «المقتطف» عام 1899 ويقول: (فوقع في النفس يومئذ أن أتوسّع في هذا البحث، وأدرس عمران الشام كله، لأن صورة العاصمة وحدها لا تكفي للدلالة على حالة القطر)، مضيفا أنه من (الإشراف على الأطراف قد تُعرف صحة الجسم عامة والقلب خاصة ومن اهتم بالجزء كان حرياً أن يضاعف العناية بالكل).

أخذ محمد كرد علي يتصفح كل ما ظفر به من المخطوطات والمطبوعات بالعربية والتركية والفرنسية في مختلف دور الكتب الخاصة والعامة في الكثير من المدن العربية والعالمية، (كنت كلما استكثرت من المطالعة، تجلّت أمامي صعوبة العمل، هذا مع ما قام في سبيل نشر هذا المجموع من العقبات، منذ وطدت العزم على وضعه، وما نالني من الكوارث في العهد الماضي).

يحدّد لنا محمد كرد علي بالشام بـ (الأصقاع التي تتناول ما اصطلح العرب على تسميته بهذا الاسم، وهو القطر الممتد من سقي النيل إلى سقي الفرات، ومن سفوح طوروس إلى أقصى البادية، أي سورية وفلسطين في عرف المتأخرين)، ويبدأ بولوج مواضيع هذا الكتاب الذي استغرقه العمل عليه، كما يقول، حوالى خمسة وعشرين عاماً، إذ إن صدوره للمرة الأولى مكتملاً على النحو الذي نعرفه الآن، كان في عام 1925. [1]

الجزء الأول من خطط الشام‏:

تضمن الجزء الأول من كتاب محمد كرد علي الموسوعي “خطط الشام” عدة فصول:

الفصل الأول – “تقويم الشام” عرض فيه تعريف الأقدمين للشام، وما هو معنى الشام، وكيف يبدو وجه الشام، العلاقة مع مصر، مساحة الشام وصورته ومدخل الفاتحين إليه، كما استعرض مدن الشام وقراه وطبيعته وبحيراته وهواءه وماءه وخصائصه…

الفصل الثاني – تم تخصيصه لسكان بلاد الشام بجميع أجناسهم وشعوبهم، مع تركيز خاص على العرب في بلاد الشام.

الفصل الثالث – اللغات التي سادت بلاد الشام: منها الآرامية والسريانية والعبرانية والفينيقية والعربية والبابلية والكنعانية والكلدانية والحثية والآرية واليونانية واللاتينية، وأعطى أهمية خاصة للغة العربية وكيفية انتشارها كلغة كاملة وفصيحة، ليصل إلى الشاميين بلسانهم العربي.

الفصل الأكثر أهمية في الجزء الأول من الكتاب حول تاريخ الشام، وبدأه المؤلف بمرحلة ما قبل الإسلام والغزوات التي تعرض لها الشام وخاصة من الفرس والرومان، لينتقل بعدها إلى الفتح الإسلامي للشام وحتى العام 18 للهجرة، بعدها استعرض الكاتب الفتوحات الإسلامية لتبدأ مرحلة الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة الطولونية ثم الفاطمية والسلجوقية وصولاً إلى الحروب الصليبية.‏

الجزء الثاني من خطط الشام‏:

يشتمل الجزء الثاني من خطط الشام على موضوع الدولة النورية وحملات نور الدين وصلاح الدين أي الدولة الصلاحية ثم الأيوبية ودولة المماليك وظهور التتار، وصولاً إلى وقائع تيمورلنك واجتياحه المدن السورية ودخوله دمشق لينتهي عهد المماليك الأخير وتبدأ مرحلة الدولة العثمانية بجميع تفاصيلها ومراحلها.‏

الجزء الثالث من خطط الشام‏:

يتابع محمد كرد علي في الجزء الثالث من خطط الشام ما وصل إليه في نهاية الجزء الثاني حول تاريخ الدولة العثمانية حتى سقوط السلطان عبد الحميد الثاني وصدور الدستور معرجاً على منشأ الصهيونية في تلك المرحلة والحرب العالمية وما لحق بالشام من الحرب، وإعدام جمال باشا أحرار الشام والوقائع المهمة في فلسطين، وسقوط القدس وبلاد الشام بأيدي الحلفاء، واقتسام بلاد الشام بين فرنسا وإنكلترا، ومبايعة الملك فيصل ملكاً على الشام، ودخول المستعمرين الغربيين إليها، وتقسيم المنطقة إلى دويلات، ودور الصهيونية في تلك المرحلة خاصة هجرة اليهود إلى فلسطين تحت الحماية البريطانية، وتنفيذ معاهدة سايكس بيكو وصكوك الانتداب على سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن.‏

الجزء الرابع من خطط الشام‏:

عرض محمد كرد علي في الجزء الرابع من خطط الشام مواضيع حول الأدب والعلوم في بلاد الشام. خصص المؤلف الفصل الأول من الجزء الرابع لمناقشة موضوع العلم والأدب في بلاد الشام، بالتفصيل منذ القديم حتى نهاية القرن الرابع عشر خاصة ما يتعلق بالجامعات والمكتبات والصحافة والطباعة والكتب، وصولاً إلى الفنون الجميلة كالموسيقى والغناء والتصوير والنقش، والبناء، والشعر، والفصاحة، والرقص، والتمثيل، وكيفية الارتقاء بهذه الفنون.‏

في الفصل الثاني من الجزء الرابع نلاحظ عرضاً شاملاً حول الزراعة الشامية ومناقشة المشكلة الزراعية القائمة آنذاك المتمثلة بقلة العناية بالأنهار، وخراب الزراعة والمزارع وعوامل هذا الخراب، وآفة الهجرة على الزراعة، لينتقل للحديث حول خصب الأراضي ومعالجتها وما يزرع فيها، وتقسيم السهول والجبال، والطرق الجديدة في الزراعة، وأصناف الزرع، والأشجار، والتربة، والحراج، والري إلى الحيوانات والدواجن والصناعات الزراعية وطرق استثمار الأراضي والضرائب الزراعية وإقراض الزراع.‏

أما الفصل الثالث فقد خصصه محمد كرد علي للصناعات الشامية: الغزل والحياكة والنساجة، والدباغة وصناعات الجلود، وتربية دود الحرير أو النجارة، والقبانة، والحدادة، والنحاسة، وتصنيع الزجاج والدهان والفخار والقيشاني، والمرايا، والصباغة وصناعة الصدف والرخام والسجاد والحصير، وصولاً إلى الصناعات الحديثة.‏

أما الفصل الرابع والأخير فقد عرض فيه المؤلف موضوع التجارة، وموقع الشام في التجارة، وتجارة القدماء، ودور التجارة والاقتصاد في العهد الحديث، والنقود والأوراق النقدية، والحواجز الجمركية والتجارة الخارجية الواردات والصادرات.‏

الجزء الخامس من خطط الشام‏:

الفصل الأول – حول العسكر والجيوش قديماً وحديثاً، مع عرض تفاصيل عن الأسطول البحري، وعن الجباية والخراج والأوقاف والحسبة والبلديات، والترع والمرافئ والطرق والمساجد والمصانع والقصور وخاصة الجامع الأموي، والحرم القدسي، والمسجد الأقصى، والقصور الشامية والقلاع، وهندسة البيوت والجسور.‏

الجزء السادس من خطط الشام:‏

خصص المؤلف الجزء السادس من خطط الشام للبيع والكنائس والجوامع والمدارس والمستشفيات والبيمارستانات ودور الآثار ودور الكتب والأديان والمذاهب والعادات والتقاليد التي كانت تحكم بلاد الشام على مر العصور.‏

(تكاثرت الكنائس والأديار في الشام فلم يمض على انتشار النصرانية قرنان حتى زاد عدد الأديار و البيع على صورة مستغربة حتى إن الغسانيين ولعوا أيضا بعمارة الأديار في الجزء الذي ارتفع سلطانهم عليه في الجنوب على عهد ملوك الروم فشادوا دير حالي و دير أيوب و دير الدهناء و دير ضخم و دير النبوة. واشتهر الغساسنة بإقامة الديرة والبيع وكانوا كما قيل يعتمدون ببنائهم المواضع الكثيرة الشجر والرياض والمياه ويجعلون في حيطانها وسقوفها الفسافس والذهب ومثلهم كان شأن آل المنذر بالحيرة وبني الحارث بن كعب بنجران من بيوتات العرب). [2]

وهكذا نجد أن من الصعوبة تقديم دراسة تفصيلية عن هذه الأجزاء الستة الضخمة من (خطط الشام) لما تحتوي عليه من مادة غزيرة أعدها الباحث خلال ربع قرن من الزمن، ولم نكن نرغب أن يغيب التعريف بهذه الخطط عن قارئ سيرة محمد كرد علي، فآثرنا تقديم عرض مكثف لأهم العناوين التي اشتملت عليها الأجزاء الستة، فهذا يعين القارئ والباحث على استقراء كامل تاريخ بلاد الشام ويمكنه الرجوع إلى الأصل إذا أراد التوسع في الاطلاع.‏

ولا جرم أن موضوع الخطط موضوع جليل، تتعين الإحاطة به على كل من يحب أن يعرف أرضه ويخدمها، ويستفيد منها، وأحق الناس بمعرفة بلد أهله وجيرانه، ومن لم يرزق حظاً من الاطلاع على ما حوى موطنه من الخيرات وما أتاه أجداده من الأعمال لا ينهض بما يجب عليه ليؤثر الأثر النافع في المال والمآل، ومن أجدر من الأبناء والأحفاد بالرجوع إلى سجلات الآباء والأجداد، وكيف يحب المرء بلداً لا يعرفه ويحرص على سعادته ليسعد هو فيه، وهو لا علم عنده بما تعاقب عليه حتى صار إلى ماصار إليه، وهل يفهم الحاضر بغية الغابر، وهل تنشأ في الأمة روح وطنية إذا لم تدرس تاريخها حق الدراسة.‏ [3]

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار