الباحث والمترجم والأستاذ الجامعي الدكتور قاسم المقداد لروحه السلام

جمع وإعداد الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

توفي الباحث اللغوي والمترجم والأديب السوري قاسم المقداد، الجمعة 18/09/2026، عن عمر ناهز 75 عاماً، بعد معاناة مع المرض‎.‎ -المقداد من مواليد عام ‌‏1951 في قرية غصم بمحافظة درعا، وحصل على الدكتوراه ‏في

جمع وإعداد الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

Contents

1 – غصم وسوريا – فقيدها كبير وعظيم، الدكتور قاسم محمد حسن الحوشان المقداد  2

2 – في رحيل قاسم المقداد: بين التخصّص المعرفي والنزاهة الثقافية. 3

3 – الدكتور “قاسم مقداد”.. وسنوات من العلم والعمل.. 7

4 – رحيل قاسم المقداد: من هندسة المعنى إلى “سيدة المفاتيح”. 9

5 – الدكتور قاسم المقداد يُعد أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والثقافية. 12

6 – قاسم المقداد، ويكيبيديا 13

7 – الأستاذ الدكتور قاسم المقداد، نبذة بواسطة الذكاء الاصطناعي. 15

8 – رحيل الباحث والمترجم السوري قاسم المقداد عن عمر ناهز ‌‏75 عاماً 18

9 – رحيل المترجم والأديب قاسم المقداد. 20

 

توفي الباحث والمترجم والأستاذ الجامعي السوري الدكتور قاسم المقداد في 18 سبتمبر 2026، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي والأدبي. شغل الراحل منصب رئيس قسم اللغة الفرنسية في جامعة دمشق، وإدارة التأليف والترجمة بوزارة الثقافة، وقدّم للمكتبة العربية ترجمات فلسفية وأدبية بارزة.

قاسم المقداد - ويكيبيديا

رجالات من غصم، الأستاذ الدكتور قاسم المقداد رحمه الله

تعزية ومواساة بوفاة القامة الفكرية الأستاذ الدكتور قاسم المقداد

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أعزي نفسي، وأتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة لزوجة الفقيد ولأبنائه وعائلته، وإلى عموم آل المقداد وأهالي بلدة غصم الكرام، الذي وافته المنية يوم الجمعة 18 أيلول 2026، قضى حياة مديدة كرّسها لخدمة العلم، والترجمة، وإثراء الفكر الأدبي والإنساني.

برحيله خسرت الساحة الثقافية والأكاديمية قامةً علمية فذة، ومترجماً ترك بصمة لا تُمحى في الفكر واللسانيات. لقد نعت الأوساط الأكاديمية والثقافية في سوريا، فقيدنا الغالي المفكر والمترجم القدير والرئيس الأسبق لقسم اللغة الفرنسية في جامعة دمشق. وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب، ومدير المركز الثقافي العربي في باريس، وإدارة التأليف والترجمة بوزارة الثقافة، وقدّم للمكتبة العربية ترجمات فلسفية وأدبية بارزة.

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل علمه وعطاءه شفيعاً له.  نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والأبرار، وأن يلهم عائلته الكريمة، وزملائه وطلابه، ومحبيه الصبر والسلوان. (لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى).

غصم وسوريا – فقيدها كبير وعظيم، الدكتور قاسم محمد حسن الحوشان المقداد

موقع المستشار الاقتصادي

1 – غصم وسوريا – فقيدها كبير وعظيم، الدكتور قاسم محمد حسن الحوشان المقداد

رجالات غصم وسوريا – الكاتب المهندس جوزيف المزعل

غصم وسوريا – فقيدها كبير وعظيم، الدكتور قاسم محمد حسن الحوشان المقداد

غصم القرية الوادعة في رحم التاريخ الجنوبي السوري

البلدة التي تربعت. فوق صخورها على روادها وكوادرها وكبار قاماتها… في كل المجالات… أنجبت. بناة للوطن وربت سلسلة من المميزين المبدعين في كل المجالات…. استوطن بها العلم العالي وكثرت بها الإعلام المرموقة من الشخصيات التي مازالت الاجيال تذكرهم    وسيل الشهادات الرفيعة

كم فخورة غصم بأبنائها.. في كل الفترات منذ نشأة سوريا الحديثة.. ورحم الله الاباء والاجداد الذين كانوا ملحا. جيدا. وخميرة صالحة

مضى اسبوعا على فقدها علم من اعلامها واعلام سوريا…

حيث فاحت صفحات جليلة بعطر ذكر الدكتور المفكر الباحث المترجم. والأستاذ الجامعي العريق. الذي تبوأ ارفع المواقع بسوريا الثقافية… عضو اتحاد الكتاب العرب رئيس المركز الثقافي السوري بباريس قد يكون اولهم عضو في كل المحافل العلمية والثقافية. مربي فاضل خرج. خيرة طلاب سوريا من جامعة دمشق ورئيسا لقسم اللغة الفرنسية في جامعة دمشق….

كما أغنى المكتبات العمومية بسوريا بأغنى مترجماته الفكرية والثقافية…

كما سيرته في التواضع. الراقي يشهد له. بمحبة من التقاهم والتقوا به. وكثيرون من النخبة السورية عددت   مناقبه. وخصاله الحميدة في كل الاوساط، كما نهلت منه النزاهة العملية والوطنية. لمواقفه الجريئة حيث انسحب من مواقع كثيرة ذات قيمة في العهد السابق احتجاجا على الممارسات الاجرامية وانغماس الحزب والهيئات بالفساد العام…..

الدكتور قاسم. كان ركنا من أركان التميز السوري والعطاء دون كلل او ملل.. وواجهة سورية في الحضور العلمي والثقافي.

كان لي الشرف ان عرفته عن قرب. منذ سنوات…. وكنت معه في نفس مدرسة غصم الريفية يسبقني بالصف الخامس. وانا بالصف الأول.. ونلتقي. عند الانصراف ويمر من أمام بيتنا.. كما أنه جارنا. العزيز في بيوتنا بالقرية القديمة والنعم من منبته العريق بقريتنا… جده حسن الحوشان من حكماء القرية وكبير رجالها. ومازالت مضافة والده عامرة… تحكي حجارها قصة غصم وتاريخها ويفوح الهيل ونغمة الَمهباج. من جدرانها وقناطرها

2 – في رحيل قاسم المقداد: بين التخصّص المعرفي والنزاهة الثقافية

سمر شمة 29 سبتمبر 2026

قاسم المقداد

ترك إرثاً غنياً في نقل العديد من المؤلفات المهمة في اللسانيات والفلسفة والأدب من الفرنسية إلى العربية، وتميزت مسيرته بالتوازن بين التأليف الفكري التخصصي، والكتابة الأدبية الروائية. كان ناقداً ساخراً لنظام الأسد البائد، وصارع المرض الخبيث بشجاعة وتحدٍ، لكنه فارق عالمنا في الثامن عشر من الشهر الحالي عن عمر ناهز 75 عاماً، بعد إنجازات ومواقف إنسانية وسياسية ترفض الظلم والفساد والاستبداد. إنه الباحث اللغوي والمترجم والأديب السوري الدكتور قاسم المقداد، المولود عام 1951 في قرية غصم في الريف الشرقي لدرعا. درس في كلية الآداب -جامعة دمشق- وتولى رئاسة قسم اللغة الفرنسية فيها، كما شغل منصب مدير التأليف والترجمة في وزارة الثقافة، ومدير المركز الثقافي في فرنسا، التي نال من جامعتها (السوربون) درجة الدكتوراه في علم اللغة واللسانيات.

أصدر الراحل عشرات الكتب والمؤلفات المترجمة والبحوث النقدية والأكاديمية، ومن أبرزها في التأليف:

– “هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي: جلجامش”: يمثل محطة أكاديمية هامة في إدخال وتطبيق المناهج النقدية الحديثة على النصوص الشرقية القديمة، وفيه تعامل مع “ملحمة جلجامش” التي تُعد أقدم طبقات السرد الإنساني في منطقة بلاد الرافدين والشرق القديم لا كنص خرافي أو حكاية تاريخية مغرقة في القِدم بل كبنية فكرية ولغوية متكاملة، أراد تفكيك النص الملحمي فيها للكشف عن الآليات الداخلية التي تُنتج الدلالة وكيفية انتظام عناصر الأسطورة (مثل الشخصيات والمكان والزمان) لتشييد هندسة متماسكة للمعنى. يُعتبر هذا الكتاب مغامرة منهجية لتطبيق “السيميائيات السردية” والبنيوية (المتأثرة بالمدرسة الفرنسية) على نص شرقي قديم، وإنجازاً جريئاً كسر النمط التقليدي السائد المعتمد على المنهج التاريخي أو المقارن بقراءة الملاحم القديمة، ونقل التعامل مع “ملحمة جلجامش” من مجرد حكاية أثرية إلى نص أدبيّ خاضع للتشريح البنيوي المعاصر من خلال دراسة سيميائية عربية مبكرة. لكن المؤلف غرق في التجريد والجفاف اللغوي كما ذكر بعض النقاد الكلاسيكيين، لاعتماده على المصطلحات السيميائية الجافة والمترجَمة بكثافة، الأمر الذي غيّب جمالية وشاعرية الملحمة الأصلية وحوّلها إلى معادلات رياضية وجداول جامدة، وعزل النص عن سياقه الحضاري والتاريخي مستبعداً الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية لبلاد الرافدين القديمة.

– رواية “سيدة المفاتيح”: جسد فيها جانبه الإبداعي والروائي. قامت على تداخل السرد والحوار وصراع الحاضر والماضي والمستقبل في رحلة سورية مثقلة بالتيه والبحث عن مأوى وأمل وسط الدمار ورصدت المعاناة الإنسانية الكبيرة الناتجة عن الحرب السورية في السنوات الأخيرة، والتحوّلات السياسية والاجتماعية الصعبة التي حوّلت البلاد إلى “معتقل كبير” لا يرحم والسوريين إلى مشاريع شهداء وضحايا. لكن رغم كل ما حدث تمسك أبطالها بالأمل رافضين الانكسار، باحثين عن المفاتيح التي ترمز إلى الوعي والخلاص والوطن والمنفى. كانت ذاكرة لبلد كامل، غاص الكاتب فيها في الدلالات النفسية والتاريخية للشخصيات، ودفع القارئ إلى التأمل وطرح الأسئلة الكبيرة من دون الوصول إلى إجابات جاهزة، ونجح في الجمع السلس بين السرد العميق والحوار المعبّر المستوحى من الوجع والبيئة المحلية، رغم السوداوية بالطرح والإغراق في تفاصيل الخوف والاعتقال والدمار النفسي.

وهناك مؤلفات أخرى للراحل منها “قواعد اللغة الفرنسية المعاصرة”، الكتاب الأكاديمي التعليمي، وعشرات البحوث والدراسات المتخصصة في مجالات لغوية وأدبية مُحكمة، وكتابات حول الوضع السوري الداخلي والبدايات المُبكرة لتغلغل الفساد في سورية منذ عهد الأسد الأب، وتخلي “حزب البعث” الحاكم عن مهامه التاريخية وتحوّل قياداته إلى مجموعات تصفق للسلطة وتبحث عن المال والمنازل الفخمة والسيارات الفارهة، وتحوّل الوطن إلى مزارع شخصية وإقطاعات أصبحت كل واحدة منها دولة داخل الدولة.

“يُنظر إلى نتاجه بوصفه واحداً من الجسور المتينة التي نقلت المناهج التحليلية والفلسفية والأنثروبولوجية الغربية المعقدة إلى اللغة العربية بدقة وتدفق لغوي جمع بين التخصص المعرفي العميق والنزاهة الثقافية”

وفي مجال الترجمة لم يكن المقداد ينقل الكلمات من لغة إلى أخرى فقط بل كان لسانياً تفكيكياً غاص في أعماق النص وآمن بأن الترجمة هي حوار حضاري رفيع، فكرّس حياته لتقريب الفلسفة واللسانيات الفرنسية المعاصرة من القارئ العربي. ومن أبرز ما قدمه للمكتبة العربية:
– ترجمته البارعة لكتاب “أسطوريات: أساطير الحياة اليومية” للفيلسوف الفرنسي رولان بارت الذي تحدث فيه عن تفاصيل الحياة اليومية والثقافة الشعبية المعاصرة محولاً إياها إلى أساطير حديثة يتم تفكيكها ونقدها. ووضّح أن الأسطورة ليست قصصاً قديمة وخرافات تاريخية، بل صناعة ثقافية وإعلامية يومية ترتدي لباس الطبيعة بينما هي في الحقيقة أيديولوجيا خفية للطبقة البرجوازية. ومن الظواهر اليومية التي ركز عليها: المصارعة الحرة التي اعتبرها عرضاً درامياً للمشاعر لا رياضة تنافسية، وفكك الخطاب الإعلاني وصور السلع الاستهلاكية وطريقة تقديم الوسائل الإعلامية للأحداث والشخصيات العامة. ولذلك يُعتبر هذا الكتاب مرجعاً أساسياً في تفكيك الثقافة الجماهيرية وكشف الأبعاد الخفيّة لوسائل الإعلام والحياة اليومية. وقد تعامل الراحل معه كمترجم لا كناقد، قدّم أحد أبرز النُسخ العربية المعتمَدة له قائلاً: “لقد دلّنا بارت على أننا نعيش في عالم يغص بالمعاني. كأنه يقول لنا لا تعودوا إلى الماضي للبحث عن الأساطير. فللحاضر أساطيره مثلما كان للماضي أساطيره الخاصة به”. وقد وصف النقاد ترجمة الكتاب بأنها متماسكة للغاية، لا عيوب فيها أبداً، نظراً لدقتها في نقل المصطلحات المعقدة التي استخدمها بارت.

– “مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية”: للباحث الفرنسي دوني كوش والذي قدم فيه عرضاً مبسطاً وعميقاً لمسارات تطوّر مفهوم الثقافة واستعمالاته المختلفة داخل حقل العلوم الاجتماعية وأهميته في فهم وحدة البشرية وتنوعها، وكيف تحول لفظ “الثقافة” من مجرد دلالة لغوية أو فلسفية عامة إلى أداة ومفهوم علمي مركزي في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. وميّز بين الثقافة كواقع مُعاش والهوية الثقافية كاستراتيجية وعي وانتماء، ودرس مجالات تطبيقية حديثة للمفهوم مؤكداً في النهاية على أن الإنسان كائن ثقافي بالأساس، وأن التطوّر البشري تميّز بالتراجع التدريجي للغريزة البيولوجية وحلول التكيّف الثقافي محلها، مما منح الإنسان مرونة وقدرة أعلى على تغيير الطبيعة بدلاً من الاكتفاء بالتكيّف معها. وصُنفت ترجمة الراحل المقداد لهذا المؤلّف كواحدة من الترجمات الأكاديمية المرجعية للشباب لسلاسة لغتها العربية وسياقها الإنشائي البعيد عن الإغراق في تعقيدات المصطلحات الجافة.

– “رذائل المعرفة”: يقوم على فكرة محورية مفادها أن الممارسات الفكرية والاعتقادات ليست مجرد عمليات إدراكية محايدة، بل هي خاضعة للتقييم الأخلاقي، وفيه ربط مؤلفه الفيلسوف الفرنسي باسكال إنجل بين علم المعرفة والأخلاق والسياسة، موضحاً كيف يهدد غياب “الأخلاق الفكرية” المجتمعات الديمقراطية. بينما تُعتبر ترجمة الراحل المقداد لهذا الكتاب واحدة من الترجمات الرصينة والمحترفة التي جسدت الخلفية الأكاديمية القوية التي يتمتع بها، وخبرته العميقة في نقل الفكر الفرنسي إلى العربية. وهي إضافة حقيقية للمكتبة الفلسفية خالية من العيوب الشائعة في الترجمات التجارية.

– “رقصة الحياة: الزمن الثقافي والزمن المعيش” لعالم الأنثروبولوجيا الأميركي إدوارد ت. هول: يبحث هذا الكتاب في موضوع الزمن بوصفه عنصراً أساسياً في الثقافة الإنسانية، وكيفية تعبير الشعوب عنه بوعي أو من دون وعي، ويقدمه وفق فهم ثوري له لا ككمية فيزيائية مطلقة بل كلغة وعنصر ثقافي يتحكم في سلوك البشر وعلاقاتهم. تُعتبر ترجمة الراحل له من أهم الترجمات الرصينة التي نجحت في نقل فكر المؤلف المعقد بسلاسة وعمق، وفك معاني المصطلحات الدقيقة الخاصة بعلم الإنسان التي استخدمها وصياغتها بقالب عربي دقيق بدون الإخلال بالمعنى العلمي لها، وهذا ما جعلها من أهم المراجع الموثوقة في مجال علم الإنسان وثقافة التواصل الفكري في المكتبة العربية.

تركت تجربة الدكتور قاسم المقداد أثراً عميقاً في تكوين جيل كامل من الباحثين والمترجمين الشباب. ويُنظر إلى نتاجه بوصفه واحداً من الجسور المتينة التي نقلت المناهج التحليلية والفلسفية والأنثروبولوجية الغربية المعقدة إلى اللغة العربية بدقة وتدفق لغوي جمع بين التخصّص المعرفي العميق والنزاهة الثقافية الشديدة، مما جعل ترجماته مراجع موثوقة تُدرّس في كليات الآداب والمعاهد العليا. لكن ورغم الحفاوة النقدية التي حظيت بها نتاجاته، هناك انتقادات تشير إلى ميله للتعقيد اللغوي والإغراق في التجريد البنيوي بالترجمة والبحث، وإلى التداخل بين التخصص اللساني والكتابة الروائية وسيطرة ذهنية الأكاديمي والباحث على مخيلته.

اتخذ مواقف واضحة ومعارضة للنظام البائد مع بدايات الثورة السورية. قدّم استقالته عام 2012 من عضوية المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب الذي انحاز إلى السلطة الدموية التي انتهجت الحل العسكري الأمني ضد الشعب السوري. واعتبر أن “ذلك الخيار دمّر البلد”. وأعلن اعتزاله الكتابة في الشأن العام بعد تعرضه لمضايقات وضغوطات وتهديدات أمنية شديدة: “كنتُ دائماً أكتب كما يقال اليوم تحت سقف الوطن، إلى أن اكتشفت أن هذا السقف يتحرك بكبسة زر فتراه يرتفع حتى لا نراه أحياناً. ويهبط حتى يصطدم برأسك”.

ويُحسب له تصريحه العلني من قلب دمشق بأنه يرفض الاستمرار في اتحاد الكتاب العرب التابع لنظام الأسد، كشاهد زور “في منظمة مشلولة وعاجزة ومُفسِدة”.

 https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/revisions/2026/9/29/%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D8%B5%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9

رحيل قاسم مقداد.. مسيرة فكرية في التأليف والترجمة واللسانيات - صحيفة الثورة السورية

 

3 – الدكتور “قاسم مقداد”.. وسنوات من العلم والعمل

هيثم العلي، 4 كانون الثاني 2009، درعا

«طموحاتي دائماً منذ تشكل وعيي الأول، هي أن أرى بلدي مزدهراً، وذا شأن عظيم، وبالتالي فإن أي شخص يحقق لي هذه الطموحات، فأنا سأشاركه العمل».

هذا ما ذكره الدكتور “قاسم مقداد” المؤلف والباحث والمفكر الذي التقاه موقع eDaraa بتاريخ 1/1/2008 ليحدثنا عن مشواره مع دراسة اللغة الفرنسية وآدابها حيث قال لنا: «اتجهت لدراسة الأدب الفرنسي، بعد تسجيلي في كلية الطب البشري في “حلب” لمدة شهر، عدت بعدها إلى جامعة “دمشق” وسجلت في قسم اللغة الفرنسية، ولدى التحاقي في القسم فوجئت لكوني ابن قرية، بالمستوى العالي للطلاب، والذين كان أغلبهم من أبناء الطبقة الغنية فقررت المغامرة مرة أخرى، والسفر إلى فرنسا وكان ذلك عام /1970/م لتعلم اللغة الفرنسية، بالرغم من معارضة جميع أفراد أسرتي، وبقيت في فرنسا ثلاث سنوات لكن في السنة الأخيرة، وقبل أن أحصل على الإجازة في اللغة الفرنسية، أتيت في إجازة إلى سورية، ولم أتمكن من العودة إلى فرنسا فاضطررت لإكمال دراستي في جامعة “دمشق” /1974 – 1975/، وكان السبب في عدم قدرتي للعودة، هو صدور قرار يسمح بدراسة الفروع العلمية فقط في الجامعات الفرنسية.

قريتي و”درعا” تمثلان لي الذاكرة، بمعنى أنني أراهما بذاكرتي الحقيقية أكثر مما هي عليه الآن، وكنت دائماً أقول لا تهدموا البيوت القديمة أبداً

وفي عام /1978/م درست كمعيد في جامعة “دمشق”، سافرت بعدها عام /1979/م إلى فرنسا في بعثة دراسية، وحصلت على الدكتوراه الأولى في علوم اللغة الفرنسية، ثم الدكتوراه الثانية في نفس الاختصاص/1987/م انتهيت من الدراسة وعدت إلى “دمشق” بعد /15/ عاماً، لكنني أوفدت إلى فرنسا من جديد مكلفاً بإدارة المركز الثقافي السوري في باريس».

ويضيف الدكتور “قاسم”: «سبب توجهي لدراسة الأدب الفرنسي، في فترة كان تدريسها محدوداً على مستوى القطر، لكوني كنت مطلعاً منذ صغري على ما ترجم من الأدب الفرنسي إلى الأدب العربي، وبالتالي تأثرت بالأدب والشعر الفرنسي والثورة الفرنسية، وما ترجم في تلك الأيام من روايات بالرغم من قلة تلك الترجمات، فقررت دراسة الأدب الفرنسي عن رغبة راودتني منذ الطفولة. الخبرة التي حصلت عليها من خلال ترؤسي للمركز الثقافي السوري في فرنسا، تلخصت في عدة أمور منها، الحوار وهو أن تعرف كيف تحاور الآخر وأن تفتح معه نوافذ للحوار، لأن الآخر لا يمكن أن يكون بعيداً عنك مئة بالمئة، وتعلمت أن أكون صبوراً في التعامل مع الآخرين، وأن أبحث عن نقاط الخير والجانب الإيجابي في الإنسان، ونقاط التلاقي مع الآخر. تعلمت أن الإنسان كلما تعرف على شيء ازداد جهله، وأن أكون موضوعياً في الإدارة بحيث لا أكون عاطفياً ولا مستبداً».

وينهي الدكتور “قاسم” حديثه عن الرابط الذي يربطه بمحافظة “درعا” وبقريته “غصم” فيقول: «قريتي و”درعا” تمثلان لي الذاكرة، بمعنى أنني أراهما بذاكرتي الحقيقية أكثر مما هي عليه الآن، وكنت دائماً أقول لا تهدموا البيوت القديمة أبداً».

ومن الجدير بالذكر أن الدكتور “قاسم مقداد” مواليد قرية “غصم” عام /1951/م تلقى علومه الابتدائية في مدرسة القرية، والإعدادية والثانوية في مدارس مدينة “درعا”. وهو متزوج ولديه ثلاثة أولاد “اقنيا – يزيد – سوار”.

شغل العديد من المهام الإدارية والسياسية منها عضو قيادة منظمة فرنسا لحزب البعث الاشتراكي- وعضو مؤسس في اتحاد المترجمين العرب- عضو في قاموس الإعلام التابع لجامعة الدول العربية – عضو مكتب تنفيذي في اتحاد الكتاب العرب. مسؤول تحرير عدة دوريات قبل سفره إلى الخارج ومنها الموقف الأدبي- الآداب الأجنبية- أمين تحرير مجلة الفكر السياسي- محرر أسبوعي لزاوية حديث الصباح في جريد البعث لمدة خمس سنوات- معد برامج باللغة الفرنسية في القناة الثانية لمدة سنتين.

والمهام الإدارية: رئيس قسم اللغة الفرنسية في جامعة “دمشق” لمدة سنتين- مدير للتأليف والترجمة في وزارة الثقافة، وأخيراً مديراً للمركز الثقافي السوري في فرنسا- ومنذ ثلاثة أشهر عاد إلى الوطن، ويعمل حالياً مدرساً في قسم اللغة الفرنسية بجامعة “دمشق”.

https://www.esyria.sy/2009/01/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84

4 – رحيل قاسم المقداد: من هندسة المعنى إلى “سيدة المفاتيح”

علي سفر، الأحد 2026/09/20

اشتغل المقداد على الفكر والنقد الفرنسيين، ونقل إلى العربية أعمالاً في اللسانيات والنقد والسينما وتحليل الخطاب

برحيل الكاتب والمترجم د. قاسم المقداد يفقد الوسط الثقافي والأكاديمي السوري واحداً من أبرز الأساتذة الجامعيين السوريين، الذين عملوا على نقل المنهجيات الجديدة في التحليل الأدبي إلى اللغة العربية، وإلى الأوساط العلمية سواء في كلية الآداب بجامعة دمشق، أو في المعهد العالي للفنون المسرحية. بالإضافة إلى تكريس جهدٍ غير قليل في الترجمة من الفرنسية إلى العربية.

ولد المقداد في عام 1951 في قرية غصم بمحافظة درعا. وبدأ مساره الأكاديمي في اللغة الفرنسية، ثم نال إجازة في اللغة الفرنسية وآدابها من جامعة دمشق عام 1977. وتابع دراساته في فرنسا، وحصل على دبلوم الدراسات العليا في اللغة الفرنسية من جامعة بواتييه، ونال من السوربون دكتوراه الحلقة الثالثة في اللسانيات والصوتيات عام 1983، ثم الدكتوراه المحدثة في علوم اللغة واللسانيات عام 1986.

انطلق المقداد في دراساته من اكتشاف المناهج التحليلية الجديدة، وفي مقدمتها السيميائيات السردية، التي أتاحت له الاقتراب من النص من زاوية مختلفة، والبحث في آليات تشكل المعنى داخله. وفي هذا السياق جاءت رسالة الدكتوراة التي صدرت لاحقاً ككتاب حمل عنوان “هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي: جلجامش”، لتغدو محطة أساسية في تجربته. وفيها حاول الاستفادة من أدوات النقد الحديثة عبر توظيفها في قراءة نص يتضمن أقدم طبقات السرد في المنطقة، كاشفاً الطريقة التي تنتظم بها عناصره وتتولد منها الدلالة.

شغل بعد عودته من الدراسة في فرنسا موقع أستاذ مساعد في كلية الآداب، ثم عمل أستاذاً في مجال اللسانيات، وتولى إدارة مركز تعليم اللغة الفرنسية في جامعة دمشق المخصص للدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه.

اشتغل المقداد على الفكر والنقد الفرنسيين، ونقل إلى العربية أعمالاً في اللسانيات والنقد والسينما وتحليل الخطاب. وكانت ترجمته كتاب “أسطوريات” لرولان بارت واحدة من أكثر تجاربه دلالة، إذ اختار مؤلَفاً يفكك الأساطير التي تصنعها الحياة اليومية الحديثة، ويقرأ الإعلان والصورة والصحافة والسينما بوصفها أنظمة لإنتاج المعنى. وقد ظلت هذه الفكرة، على ما يبدو، حاضرة في مساره اللاحق، أي البحث في ما وراء المعنى الظاهر للنصوص والصور والخطابات.

وفي لحظة الثورة السورية، خرج هذا الاشتغال من المجال الثقافي المحدد إلى الموقف العام. فقد انسحب المقداد عام 2012 من المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب، مع الراحلين الشاعر إبراهيم الجرادي والروائي غازي حسين العلي، احتجاجاً على مواقف الاتحاد وبياناته إزاء الأحداث السورية. وكشفت هذه الخطوة عن توجه مثقفين رأوا أن موقع الكاتب لا ينفصل عن موقفه مما يجري حوله، وأن المؤسسة الثقافية لا تستطيع أن تبقى محايدة أمام حدث بهذا الحجم.

وفي لحظة من لحظات اشتداد الضغط الأمني على الحراك، وعلى آراء السوريين المغايرة لتوجهات النظام في الحل الأمني، أعلن المقداد عن توقفه عن الكتابة في الشأن اليومي، وكتب قائلاً: ” سأتوقف عن الكتابة في الموضوع الداخلي السوري اعتباراً من الأسبوع القادم لأسباب كثيرة. لم أتوقف عن الكتابة في هذا الشأن منذ عشرين عاماً. بدأت بزاوية ” حديث الصباح” في جريدة البعث منذ عام 1990، وتوقفت في عام 1996 تقريباً، ثم انتقلت إلى “جريدة الثورة”، وتناوبت على الكتابة فيها مع أحد الأصدقاء الذي كان لتحليله آنذاك عمقاً ونكهة لا يخفيان على أحد. في تلك الفترة بدأت بوادر الفساد تتسلل إلى الحياة العامة، واختراق القانون، والمحسوبية، والاستزلام، وفشل المنظمات التي تسمى شعبية، في تمثيل جماهيرها لأن قياداتها أصبحت تفرض من علٍ فصار ولاؤها لمن عينها وليس لمن ينبغي أن تكون ممثلة لهم، وكتبت عن دور حزب البعث الذي راح يتضاءل، فاستقال من مهامه التاريخية، وبدأ ينسى أنه جاء على أكتاف الجماهير الكادحة من عمال وفلاحين ومثقفين وصغار كسبة، فانسلخ عنها وراحت قياداته تشكل نوعاً من المجموعات التي لا تحسن سوى الهتاف وركوب السيارات الفارهة واقتناء البيوت الفخمة في أرقى شوارع العاصمة، واستراحات لم تبق للمواطن العادي من الشاطئ السورية سوى مساحات قليلة.

وكنت دائماً أكتب، كما يقال اليوم” تحت سقف الوطن” إلى أن اكتشفت أن هذا السقف يتحرك بكبسة زر فتراه يرتفع حتى لا تراه أحياناً، ويهبط حتى يصطدم برأسك حينما كان يراد له أن يكون كذلك. ونبهت إلى أن عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب يحول الوطن إلى مجموعة من المزارع الشخصية، تحولت تدريجياً إلى إقطاعات تكاد تصبح كل منها دولة ضمن الدولة. وتحدثت عن ضرورة احترام الرأي الآخر وتقديره والأخذ به وعدم الاستئثار بأي نوع من أنواع السلطة بدءاً بالعائلة وانتهاء بأعلى مراتب الحكومة. وطالبت رفاقي البعثيين بأن يكونوا ديمقراطيين مع أنفسهم طالما أنهم ليسوا كذلك مع الآخرين. تعرضت للمساءلة، وتساءل كثيرون عما إذا كنت أكتب يومها بدفع من جهة ضد جهة أخرى (كما اتهمني يومها أحد المسؤولين الكبار) أو أني أسعى إلى منصب أو جاه، كما قالها لي أحد الرفاق. وقد أثبتت الأيام أني لم أكن أسعى إلى أي واحد منها، بل كانت تلك الكتابات تسبب لي المشاكل، ودعيت إلى أحد المكاتب (فرع أمني) لتناول ” فنجان قهوة” واستمر انتظاري لهذا الفنجان ساعات وساعات، لم أحظ خلالها إلا بكأس شار بارد “تحسّن” به أحد الحراس اللطيفين بعد أن عرف بأني أستاذ جامعة! نسي “المعلم” مقابلتي فخرج مع مرافقته من دون أن يتحرى عن وجودي، ولم يهمه أني تأخرت عن طلابي بسبب فنجان القهوة هذا”.

بقي المقداد في سوريا طيلة سنوات الثورة بعيداً عن الأضواء، منكباً على الترجمة، فظهرت له أعمال عدة، وفي عام 2025 صدرت له عن دار نينوى رواية “سيدة المفاتيح”، وهي عمل يتخذ من التجربة السورية، بما حملته من خوف واعتقال وتيه ورغبة في الخلاص، ويظهر من قراءة الرواية أنها تحكي بأسلوب غرائبي عن البحث عن النجاة في رحلة خاضها السوريون هرباً من الخوف الأزلي، يقول: “فركت عيني، وأمسكت بعصاي، وقبضت على عنق كيسي، ومسدت لحيتي الطويلة ولما كنت مستعداً للكلام، اندفع أحدهم نحوي بقوة، وأمسك بذراعي الحاملة للعصا، وشدني إليه، وقال بلهجة الأمر الواثق

– هل صدقت أوهامك وصرت تلعب لعبتها؟

لكن كيف يكون هؤلاء الناس أوهاماً؟ وقد سمعت أصواتهم، وألمني وخز شكاويهم وأحزنني نشيدهم، ورق قلبي لضعف حالهم. فإذا لم يكن ما أراه حقيقياً، فنظرة واحدة نحو الأعلى تكفي لكي يكون الأمر كذلك نحو الأعلى أليست تلك الجحور المحفورة في جانبي الوادي حيث تلمع على مداخلها عيون متعبة، وأفواه ناشفة، وأثداء معصورة، ووجنات غائرة، وشعور متناثرة، حقيقية؟ لم يكن الناجي وهماً أو رؤيا. فقد رأيت كل شيء. صحيح أنه قال لي إنه ليس هو، بل أنا، لكني لست مضطراً لتصديقه. وحكاية ذات الوشم الأزرق لم تكن وهماً، ورأيت الأمير، وتلك الصبية، والفرسان والمدينة المضيئة، وفانوسه. فهل يمكن أن أكون هؤلاء كلهم”؟

https://www.almodon.com/culture/2026/09/20/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AD

 

في رحيل قاسم المقداد: بين التخصّص المعرفي والنزاهة الثقافية

 

5 – الدكتور قاسم المقداد يُعد أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والثقافية

منشور ‏قــضــايــا اســتــراتــيــجــيــة‏

قــضــايــا اســتــراتــيــجــيــة، 19 سبتمبر الساعة 1:20 م ·

لم يكن قاسم مقداد بالنسبة إلى طلابه مجرد أستاذ، بل كان من ذلك النوع من الأساتذة الذين تتحول العلاقة معهم من قاعة الدرس إلى مساحة أوسع من الحوار والصداقة والثقافة. في تسعينيات القرن الماضي، كان بيته مكاناً للقاءات والنقاشات حول المسرح والأدب والسياسة، وكان يستمع إلى الآراء المختلفة ويتقبل النقد والنقاش حتى عندما يصل الاختلاف إلى قضايا سياسية حساسة.

ظلّ مقداد في ذاكرة كثير ممن عرفوه مثالاً لـ«الأستاذ الصديق»، محافظاً على روابط المودة الإنسانية رغم مرور السنوات واختلاف المواقف والظروف.

وحين اشتد عليه المرض، بقي متمسكاً بقوته، وقال لمن سأله عن حاله إنه قوي ويصارع المرض بشجاعة… لكن رحلته انتهت اليوم، وبقي ما لا يستطيع المرض أن يأخذه: الأثر والكلمة وذاكرة الطلاب والأصدقاء.

الدكتور قاسم المقداد (1951 – 2026) يُعد أحد أبرز الوجوه الأكاديمية والثقافية في سوريا

شغل منصب رئيس قسم اللغة الفرنسية في جامعة دمشق لمدة سنتين، كما تولى إدارة التأليف والترجمة في وزارة الثقافة السورية، وأدار المركز الثقافي العربي في كفرسوسة

كان عضواً مؤسساً في اتحاد المترجمين العرب وعضواً في هيئة تحرير مجلة “الموقف الأدبي”. ترجم العديد من المؤلفات الهامة عن اللغة الفرنسية، ومن أبرزها كتاب “رذائل المعرفة: بحث في الأحكام المسبقة”

عُرف بموقفه عام 2012 عندما قدّم استقالته علناً من المكتب التنفيذي لـ اتحاد الكتاب العرب في سوريا رفقة عدد من الأدباء احتجاجاً على موقف الاتحاد من الأحداث السورية آنذاك و انحيازه للنظام.

التقينا به ذات يوم في المركز الثقافي و كان مثالاً في الخلق و الدماثة و طيب النفس.

رحم الله الأستاذ والمترجم قاسم مقداد، وألهم أهله ومحبيه وطلابه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

6 – قاسم المقداد، ويكيبيديا

معلومات شخصية

الميلاد – سنة ، 1951   ، غصم  ، تاريخ الوفاة- 18 سبتمبر 2026 (74–75 سنة)

بوابة الأدب

قاسم المقداد (1951- 18 سبتمبر 2026 م) باحث لغوي لساني، ومترجم وأديب وكاتب سوري، وأستاذ جامعي. ترجم الكثير من الأعمال عن اللغة الفرنسية، من أبرزها كتاب “رذائل المعرفة بحث في الأحكام الأخلاقية الفكرية” للفيلسوف باسكال إنجل، و”أسطوريات: أساطير الحياة اليومية” للفيلسوف الفرنسي رولان بارت. كان عضواً في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتَّاب العرب في دمشق، ولكنَّه انسحب منه في أوَّل الثورة السورية احتجاجاً على فساد رئاسة الاتحاد وموقفها السلبي من الثورة.

سيرته:

استقالته من اتحاد الكتَّاب:

انتسب إلى اتحاد الكتَّاب العرب في سورية، وانضمَّ إلى عضوية جمعية الدراسات والنقد، ثم أصبح عضواً في المكتب التنفيذي للاتحاد، إلى أن قدَّم استقالته من المكتب مع زميليه الدكتور إبراهيم الجرادي والدكتور غازي حسين العلي في الشهر السابع من عام 2012؛ احتجاجاً على الأحداث الدامية في الثورة السورية وعلى موقف الاتحاد السلبي من الأحداث.

وكتب المستقيلون الثلاثة من عضوية الاتحاد على إيقاع الزلزلة السورية (الحَراك، الانتفاضة، الثورة): “لم نعُد قادرين على الاستمرار في لعب دور شُهود زُور في منظمة مشلولة وعاجزة ومفسدة”.

إصداراته:

المؤلفات:

الإصدار سنة النشر
هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي، جلجامش 1984
قواعد اللغة الفرنسية المعاصرة 1995
سيدة المفاتيح (رواية) 2025

الترجمات – أصدر عدداً كبيراً من الترجمات، من أشهرها:

الإصدار المؤلف سنة النشر
مقدمة إلى علم الدلالة الألسني هربيرت بركلي 1990
اللسانيات التطبيقية شارل بوتون 1991
النقد في القرن العشرين جان إيف 1994
فن كتابة السيناريو 1995
أسطوريات: أساطير الحياة اليومية رولان بارت 1995
القرن الإسرائيلي 1996
الكتابة السينمائية بيير مايو 1997
الملفوظية جان سيرفوني 1998
أبطال الرواية الحقيقيون: مشهورون مغمورون باتريك بينو 2010
عشيقة شارل بودلير ميكائيل برزان 2011
عطور (رواية) فيليب كلوديل 2012
مقدمة إلى الترجمية (علم الترجمة) ماتيو غدير 2015
المتعصبون جنون الإيمان برنار شوفييه 2017
اللسانيات والفلسفة: دراسة في الثوابت الفلسفية للغة إيتين جيلسون 2017
النساء واللغة: التصورات الاجتماعية للاختلاف فيرينا آبيشير 2019
حضارة كيف تأمركنا ريجيس دوبريه 2019
الحجاج الدعائي: بلاغة التقريظ والإقناع مارك بونوم – جان ميشيل آدم 2019
رسام الحياة الحديثة شارل بودلير 2019
اللغة مقاربة فلسفية فريديريك نف 2020
العلامة والاتصال فيليب فيرهاغن 2020
كيف نتحدث عن وقائع لم تحدث؟ بيير بايار 2021
رذائل المعرفة: بحث في الأحكام الأخلاقية الفكرية باسكال إنجل 2021
مراسم الوداع وحوارات مع جان بول سارتر سيمون دو بوفوار 2021
الحب والعدوان: بين الغريزة والتسامي بيير بيرني – غابرييل موزير 2022

قالوا عنه:

كتب صديقه رئيس اتحاد الكتَّاب العرب الدكتور أحمد جاسم الحسين، قائلاً: خسارتي بك كبيرة يا أبا سوار، الصديق الغالي الأستاذ الجامعي والمترجم النبيل د. قاسم المقداد في ذمَّة الله، الله يرحمه. قبل أسبوع كان في ضيافة اتحاد الكتَّاب وتحدَّثنا وتحدَّثنا واتفقنا أن يكتب بشكل دوري، كان متفائلاً على الرغم من ألم الجُرعات. بيني وبين الرجل حكايات وحكايات عمادها الحبُّ والحوار والعمر وتقلُّباته. تربطني عَلاقة صداقة عمرها أكثر من 30 عاماً؛ من دُمَّر البلد، إلى نادي العمَّال، إلى كلِّية الآداب، إلى باريس، إلى الفرات، إلى درعا. وقد قدَّمت لأحد كتبه قبل 25 عاماً. انسحب من المكتب التنفيذي في اتحاد الكتَّاب العرب أوَّل الثورة 2012 برفقة إبراهيم الجرادي وغازي حسين العلي؛ احتجاجاً على فساد رئاسة الاتحاد وموقفها السلبي من الثورة.

وفاته:

توفي قاسم المقداد من جرَّاء إصابته بمرض السرطان، يوم الجمعة 7 ربيع الآخِر 1448هـ الموافق 18 أيلول (سبتمبر) 2026م، عن عمر بلغ سبعاً وسبعين سنة.

ونعاه اتحاد الكتَّاب العرب ببيان على صفحته الرسمية قائلاً: بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدَره، يَنْعَى اتحاد الكتَّاب رحيلَ الدكتور والمترجم والأديب قاسم المقداد، الذي غيَّبه الموت بعد مسيرة حافلة بالعطاء الثقافي والفكري، كان خلالها عضواً في اتحاد الكتَّاب، وعضواً في جمعية الدراسات والنقد، وعضواً سابقاً في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتَّاب. رحل قاسم المقداد، تاركاً في ذاكرة زملائه وأصدقائه ومحبِّيه أثراً عميقاً، وفي المشهد الثقافي العربي حضوراً لا يُنسى، بما قدَّمه من إسهامات علمية وأدبية وترجمية. إن اتحاد الكتَّاب، إذ يَنعَى فقيد الثقافة الدكتور قاسم المقداد، يتقدَّم بأحرِّ التعازي إلى أُسرته وذَويه وأصدقائه وطلَّابه وزملائه، وإلى الوسط الثقافي والأكاديمي، سائلاً الله أن يتغمَّده بواسع رحمته، وأن يُلهمَ أهله ومحبِّيه الصبر والسُّلوان. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

قاسم المقداد – ويكيبيديا

 

7 – الأستاذ الدكتور قاسم المقداد،

نبذة بواسطة الذكاء الاصطناعي

الأستاذ الدكتور قاسم المقداد (1951 – 18 سبتمبر 2026) هو باحث لغوي لساني، ومترجم، وأديب، وأكاديمي سوري بارز، يُعد أحد القامات الفكرية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي السوري والعربي من خلال نقل المنهجيات النقدية واللسانية الحديثة من الفكر الفرنسي إلى اللغة العربية.

لمحة عن حياته ونشأته:

الولادة والنشأة: ولد عام 1951 في قرية غصم بمحافظة درعا.

التعليم الأكاديمي: حصل على إجازة في اللغة الفرنسية وآدابها من جامعة دمشق عام 1977، ثم تابع دراساته العليا في فرنسا، لينال درجة الدكتوراه في علوم اللغة واللسانيات من جامعة السوربون العريقة عام 1986.

الوفاة: غيبه الموت في 18 سبتمبر 2026 عن عمر ناهز 75 عاماً بعد معاناة مع المرض.

المسيرة المهنية والأكاديمية:

شغل الراحل عدة مناصب أكاديمية وثقافية بارزة خلال مسيرته الحافلة، منها:

أستاذ جامعي في كلية الآداب بـ جامعة دمشق ورئيس قسم اللغة الفرنسية فيها.

التدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية.

مدير التأليف والترجمة في وزارة الثقافة السورية.

مدير المركز الثقافي السوري في باريس.

عضو في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، وشغل عضوية مكتبه التنفيذي قبل أن يستقيل منه.

أثرى المكتبة العربية بعشرات البحوث والكتب المترجمة، ومن أهمها:

في التأليف: كتاب “هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي: جلجامش”، وهو دراسة رائدة طبقت المناهج النقدية الحديثة على النصوص الشرقية القديمة.

في الترجمة: نقل العديد من أمهات الكتب الفلسفية واللسانية الفرنسية إلى العربية، مثل كتاب “أسطوريات” للفيلسوف رولان بارت، وكتاب “رذائل المعرفة” للفيلسوف باسكال إنجل.

أبرز ترجماته، مؤلفاته النقدية، مسيرته الأكاديمية:

تفاصيل شاملة حول المسيرة المعرفية للأستاذ الدكتور قاسم المقداد، مقسمة بحسب اهتماماته الأكاديمية والنقدية والترجمية:

  1. المسيرة الأكاديمية والمهنية:

تلقى الدكتور قاسم المقداد تعليماً أكاديمياً رفيعاً مكّنه من الربط بين الثقافتين العربية والفرنسية:

التأهيل الأكاديمي: بعد نيله إجازة الأدب الفرنسي من جامعة دمشق عام 1977، سافر إلى فرنسا وحصل على دبلوم الدراسات العليا من جامعة بواتييه، ثم نال دكتوراه الحلقة الثالثة في اللسانيات والصوتيات عام 1983، وأتبعها بالدكتوراه المحدثة في علوم اللغة واللسانيات من جامعة السوربون عام 1986.

التدريس والتعليم: عمل أستاذاً في كلية الآداب بـ جامعة دمشق وتولى رئاسة قسم اللغة الفرنسية فيها، كما نقل خبراته المنهجية لطلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق لسنوات طويلة.

الإدارة الثقافية: تولى إدارة التأليف والترجمة في وزارة الثقافة السورية، وعُيّن مديراً لـ المركز الثقافي السوري في باريس، مما أتاح له لعب دور دبلوماسي ثقافي لتقريب الرؤى بين المشهدين السوري والفرنسي.

  1. أبرز مؤلفاته النقدية والأدبية:

تميزت مؤلفاته بالعمق البنيوي واللساني، حيث حاول إسقاط المناهج النقدية الحديثة على الآداب والنصوص الشرقية القديمة والحديثة:

  • هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي (جلجامش): يُعد من أبرز دراساته النقدية التطبيقية، حيث فكك من خلاله بنية ملحمة جلجامش وفق منظور لساني حديث تفكيكي.
  • النساء واللغة: التصورات الاجتماعية للاختلاف: دراسة سوسيولسانية تبحث في علاقة الجندر باللغة.
  • أشكال تصور النفسية في الرواية: دراسة نقدية متخصصة في البناء النفسي للشخصيات الروائية.
  • سيدة المفاتيح: عمل روائي اتجه فيه لتوظيف مخيلته الأدبية بعيداً عن صرامة المنهج الأكاديمي الجاف.
  • الحب والعدوان بين الغريزة والتسامي.
  1. أبرز ترجماته (نقل الفكر الفرنسي):

يُنظر إلى الدكتور المقداد كأحد الجسور المتينة التي نقلت المناهج التحليلية والفلسفية والأنثروبولوجية الغربية إلى العربية. من أهم ترجماته:

  • النقد الأدبي في القرن العشرين للباحث الفرنسي جان إيف تادييه (صادر عن وزارة الثقافة السورية 1993).
  • أسطوريات: أساطير الحياة اليومية للفيلسوف البنيوي رولان بارت.
  • رذائل المعرفة: بحث في الأحكام الأخلاقية الفكرية للفيلسوف باسكال إنجل.
  • رسام الحياة الحديثة للشاعر والناقد الفرنسي شارل بودلير.
  • الشفافية الداخلية ورقصة الزمن والزمن المعيش.

منهجه في ترجمة الفكر الفلسفي:

ارتكز منهج الأستاذ الدكتور قاسم المقداد في ترجمة الفكر الفلسفي واللساني على خلفيته الأكاديمية الصارمة كمتخصص في اللسانيات من جامعة السوربون. لم تكن ترجماته مجرد نقل آلي للكلمات، بل كانت بمثابة إعادة بناء معرفي للنصوص الفرنسية المعقدة لتوطينها في البيئة الفكرية العربية.

تميز منهجه بالسمات المعرفية والأسلوبية التالية:

  1. التخصص المعرفي والنزاهة الثقافية

كان المقداد يرى أن ترجمة الفلسفة واللسانيات تتطلب تخصصاً موضوعياً عميقاً في الحقل المعرفي المترجَم منه. عند ترجمته لأعمال مثل “اللسانيات والفلسفة” لإتيان جلسون أو “رذائل المعرفة” لباسكال إنجل، كان ينطلق من فهمه الشامل للروابط الخفية بين البُنى اللغوية والكيانات الميتافيزيقية، مما جعل ترجماته مراجع موثوقة تُدرّس في المعاهد العليا والجامعات العربية.

  1. الانحياز للمعنى والبعد اللساني للخطاب

طبق الدكتور المقداد النظريات “الترجمية” (علم الترجمة) التي كان يدرّسها؛ حيث ركز على معنى الخطاب وسياقه بدلاً من الانكفاء على الترجمة الحرفية الجافة. كان يؤمن بأن محاولة التطابق الشكلي التام بين اللغتين تؤدي إلى تشويه النص الفلسفي، لذا كان يفكك البنية الفكرية الفرنسية ويعيد صياغتها بتدفق لغوي عربي سلس دون الإخلال بالمضمون.

  1. تدقيق المصطلحات ونحتها

واجه المقداد معضلة ندرة المصطلحات الفلسفية واللسانية الحديثة في المكتبة العربية. لذا، تميز منهجه بـ الدقة الشديدة في نحت وتعريب المصطلحات البنيوية والسيميائية (كما فعل مع كتاب “أسطوريات” لرولان بارت و*”الملفوظية”* لجان سيرفوني)، معتمداً على الهوامش الشارحة والمقدمات التقديمية الطويلة التي تضع القارئ العربي في السياق التاريخي والمعرفي للنص الأصلي.

  1. التوازن بين التجريد والتدفق اللغوي

رغم الحفاوة النقدية الكبيرة التي حظيت بها أعماله، إلا أن منهجه لم يخلُ من مآخذ نقدية؛ حيث أشار بعض الباحثين إلى ميله أحياناً إلى التعقيد اللغوي والإغراق في التجريد البنيوي. وكان هذا انعكاساً طبيعياً لسيطرة ذهنية الأكاديمي الصارم على أسلوبه، رغبةً منه في الحفاظ على الأمانة الفكرية للنصوص الفلسفية الفرنسية التي تتسم بالتركيب والعمق.  نبذة بواسطة الذكاء الاصطناعي

 

رحيل قاسم المقداد: من هندسة المعنى إلى "سيدة المفاتيح"

 

8 – رحيل الباحث والمترجم السوري قاسم المقداد عن عمر ناهز ‌‏75 عاماً

درعا-سانا‏، تاريخ النشر: 2026/09/19 12:30 مساءً، اخر تحديث: 2026/09/19

توفي الباحث اللغوي والمترجم والأديب السوري قاسم المقداد، ‏أمس الجمعة، عن عمر ناهز 75 عاماً، بعد معاناة مع المرض‎.‎

المقداد الذي نعاه اتحاد الكتاب العرب في سوريا من مواليد عام ‌‏1951 في قرية غصم بمحافظة درعا، وحصل على الدكتوراه ‏في علوم اللغة، باختصاص اللسانيات، من جامعة السوربون ‏الفرنسية عام 1986م.‎

ودرّس الراحل في كلية الآداب بجامعة دمشق، وتولى رئاسة ‏قسم اللغة الفرنسية فيها، كما شغل منصبي مدير التأليف ‏والترجمة في وزارة الثقافة، ومدير المركز الثقافي السوري في ‏فرنسا‎.‎

وترك المقداد نتاجاً متنوعاً في البحث اللغوي والأدب والترجمة، ‏ونقل من الفرنسية إلى العربية عدداً من المؤلفات في اللسانيات ‏والفلسفة والأدب، من أبرزها “أسطوريات أساطير الحياة ‏اليومية” لرولان بارت، و”رذائل المعرفة” بحث في الأحكام ‏الأخلاقية الفكرية لباسكال إنجل، الذي بلغ القائمة القصيرة ‏لجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الترجمة ضمن دورتها ‏السادسة عشرة عام 2022.‎

وكان الراحل عضواً في اتحاد الكتّاب العرب وجمعية الدراسات ‏والنقد، وسبق أن شغل عضوية المكتب التنفيذي للاتحاد، قبل أن ‏يستقيل منها في حزيران عام 2012 مع الكاتبين إبراهيم ‏الجرادي وغازي حسين العلي، احتجاجاً على موقف المكتب من مجريات الثورة السورية آنذاك‎.‎

ونعى اتحاد الكتّاب العرب المقداد، وقال في بيان نشره عبر ‏صفحته الرسمية على فيسبوك: “إن الراحل قدّم خلال مسيرته ‏إسهامات علمية وأدبية وترجمية أغنت المشهد الثقافي العربي، ‏وترك أثراً عميقاً في ذاكرة زملائه وطلابه ومحبيه، وحضوراً ‏مميزاً في الحياة الثقافية والأكاديمية”، وأعرب عن تعازيه لأسرة ‏الراحل وذويه وأصدقائه وطلابه وزملائه، وللوسطين الثقافي ‏والأكاديمي‎.‎

يشار إلى أن الراحل كان عضواً مؤسساً في اتحاد المترجمين ‏العرب، وعضواً في هيئة تحرير مجلة الموقف الأدبي، وأسهم ‏على مدى عقود في الحياة الثقافية والأكاديمية السورية، تدريساً ‏وبحثاً وتأليفاً وترجمة‎.‎

https://sana.sy/culture-and-arts/2584481/

 

9 – رحيل المترجم والأديب قاسم المقداد

19/09/2026|دمشق

نعى اتحاد الكتّاب العرب في سوريا، المترجم والأديب د. قاسم المقداد، الذي غيّبه الموت اليوم السبت عن عمر ناهز 75 عاماً، بعد معاناة مع المرض‎، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الثقافي والفكري، تاركاً في ذاكرة زملائه وأصدقائه ومحبّيه أثراً عميقاً، وفي المشهد الثقافي العربي حضوراً لا يُنسى، بما قدّمه من إسهامات علمية وأدبية وترجمية.
وُلد الراحل عام ‌‏1951 في قرية “غصم” بمحافظة درعا، وحصل على الدكتوراه ‏في علوم اللغة، باختصاص اللسانيات، من جامعة “السوربون” ‏الفرنسية عام 1986م.
درّس الراحل في كلية الآداب بجامعة دمشق، وتولى رئاسة ‏قسم اللغة الفرنسية فيها، كما شغل منصبي مدير التأليف ‏والترجمة في وزارة الثقافة، ومدير المركز الثقافي السوري في ‏فرنسا‎.‎
ترك المقداد نتاجاً متنوّعاً في البحث اللغوي والأدب والترجمة، ‏ونقل من الفرنسية إلى العربية عدداً من المؤلفات في اللسانيات ‏والفلسفة والأدب، من أبرزها “أسطوريات أساطير الحياة ‏اليومية” لرولان بارت، و”رذائل المعرفة” بحث في الأحكام ‏الأخلاقية الفكرية لباسكال إنجل، الذي بلغ القائمة القصيرة ‏لجائزة الشيخ زايد للكتّاب في فرع الترجمة ضمن دورتها ‏السادسة عشرة عام 2022.‎
وكان الراحل عضواً في اتحاد الكتّاب العرب وجمعية الدراسات ‏والنقد، وسبق أن شغل عضوية المكتب التنفيذي للاتحاد، قبل أن ‏يستقيل منها في حزيران عام 2012 مع الكاتبين إبراهيم ‏الجرادي وغازي حسين العلي، احتجاجاً على موقف المكتب من مجريات الثورة السورية آنذاك‎.‎
كما كان عضواً مؤسّساً في اتحاد المترجمين ‏العرب، وعضواً في هيئة تحرير مجلة الموقف الأدبي، وأسهم ‏على مدى عقود في الحياة الثقافية والأكاديمية السورية، تدريساً ‏وبحثاً وتأليفاً وترجمة‎.

أسرة التحرير

 

اتحاد الكتاب - دمشق بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ينعى اتحاد الكتّاب رحيل الدكتور والمترجم والأديب قاسم المقداد، الذي غيّبه الموت بعد مسيرة حافلة بالعطاء الثقافي والفكري، كان خلالها عضواً في اتحاد

 

منقول من صفحة أميه قاسم المقداد

‎‏maya Mekdad‎‏ مع ‏‎Kassem Almekdad‎‏.

انهض من موتك.

ليس لأنني لا أصدّق أنك متّ، ولا لأنني أبحث عن حيلة لغوية أُخفي بها عجز الجسد أمام التراب؛ بل لأنني، كلما حاولت أن أضعك في الجملة التي يضع الناس فيها موتاهم، شعرت أن اللغة ترتكب بحقك جريمةً إضافية: تختصرك في صفة، وتحوّل عمراً من الأسئلة إلى جواب، ورجلاً ظلّ ينازع العالم على معناه إلى خبرٍ انتهى.

لا أريد أن أقول: كان أبي.

هذه الـ«كان» مقصلة صغيرة. لا تقطع الرأس، بل تقطع الزمن. تجعل الرجل الذي ملأ الأمكنة احتمالاً مغلقاً، وتجعل الذين أحبّوه شهوداً على غيابه، ثم تطلب منهم أن يتعلّموا النطق بهدوء.

ولا أريد أن أقول: أبي، الله يرحمه.

ليس اعتراضاً على الرحمة، بل على أن تكون هذه العبارة آخر ما يُقال عنك؛ أن تنتهي حياتك، بكل ما حفرت فيها من طرق، عند باب التعزية، وأن يصطفّ الناس حول اسمك كما يصطفّون حول قبرٍ اكتمل.

أنت لم تعش كل هذا العمر كي تصبح صيغةً مهذبة للماضي.

يا قاسم، انهض.

انهض كما كنت تنهض من بين الكتب، لا لأنك وجدت جواباً، بل لأن سؤالاً آخر كان قد بدأ يزعجك. انهض ببدلتك الأنيقة، بيدك التي تعرف موضع الصفحة، وبذلك الهدوء الذي كان يجعل الأشياء تبدو أقل ضجيجاً مما هي عليه، وأكثر تعقيداً مما يظن أصحاب الأصوات العالية.

انهض، فقد تركت العالم في منتصف جملة.

وأنا لا أقبل أن يضع أحدٌ نقطةً في مكان لم تنتهِ فيه الجملة.

أعرف ما سيقوله العقل: إن الموت لا يتفاوض، وإن التراب لا يردّ أحداً، وإن الجسد الذي توقّف لن يعود لأن ابنه أتقن استعارةً أو أفرط في الحنين. أعرف ذلك كله. أنا لا أطلب من العدم أن يتراجع، ولا أخلط بين المعجزة والرغبة.

لكن مَن قال إن الموت، لمجرد أنه انتصر على الجسد، صار مالكاً للمعنى؟

منحه الناس سلطةً أكبر مما يستحق. تركوا له أن يحدّد الماضي، وأن يعيد تسمية الأحياء، وأن يحوّل كل شيء إلى ذكرى. كأن الذي يغيب يأخذ معه حقّه في أن يظلّ فاعلاً، وكأن الأحياء لا يملكون إلا أن يقفوا عند الحافة، يلوّحون لما مضى.

أنا أرفض هذه القسمة.

ليس لأنني أقوى من الموت، بل لأنني أرفض أن أكون أضعف من تعريفه.

أنت، الذي قضيت عمرك تفكّك المعاني، هل كنت ستقبل أن نأخذ كلمةً واحدة، «الموت»، ونتركها تبتلع كل ما عداها؟ أن نضعها فوق وجهك، ثم نغادر، مطمئنين إلى أننا سمّينا ما حدث؟

لقد مات جسدك، نعم.

لكن لا تجعلوا هذه الـ«نعم» تبتلع بقية الكلام.

ثمة فرقٌ بين أن يموت الإنسان وأن يُسلَّم كل ما كانه إلى الموت. الأول حدثٌ لا أملك رده؛ والثاني اتفاقٌ لا أوقّع عليه.

لن أوقّع.

سأبقيك في خلافك مع العالم، في الكتب التي لم تنتهِ أسئلتها، في الكلمات التي لن تكفّ عن مساءلة أصحابها، في ذلك الجزء من عقلي الذي لا يطمئن إلى المعنى الجاهز، وفي يدي حين أرسم شيئاً ثم أمحوه لأن الصورة، على الرغم من اكتمالها، تكذب.

سأبقيك هناك، لا بوصفك شبحاً يزورني، ولا ملاكاً أعلّقه فوق رأسي، ولا رجلاً معصوماً من أخطائه؛ بل إنساناً عاش، وأخطأ، وأحبّ، وعاند، وفكّر، وترك في العالم ما يكفي كي لا ينتهي عند حدود جسده.

فأنا لا أريد منك أن تعود ملاكاً.

أريدك أن تعود قاسم.

بكل ما فيك من لحمٍ وعناد وتناقض. بذلك الرجل الذي لم يكن يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يغيّر اتجاه الحديث، والذي استطاع أن يجعل من مكتبه مملكةً صغيرة لا لأن العالم كان ملكه، بل لأنه عرف أن الإنسان، إذا لم يصنع لنفسه موضعاً يقف فيه، ابتلعته المواضع التي يصنعها الآخرون له.

كم كنتَ محقاً، وكم كنتَ مخطئاً، وكم كان علينا أن نكبر كي نرى الاثنين معاً.

الآن أفهم أن العناد ليس أن ترفض النهاية؛ العناد أن ترفض أن تتحوّل إلى ما تقوله النهاية عنك.

وأنا أعاندك أنت أيضاً، يا أبي.

أعاند صورتك الأخيرة، ذلك الجسد الذي أرهقه المرض حتى بدا كأنه اعتذر عن كل ما حمله طوال السنين. أعاند المشهد الذي يريد أن يختصر الرجل في ضعفه الأخير، كأن الجسد حين يتعب يمحو بأثر رجعي كل ما فعله حين كان قوياً.

لا.

لن أسمح للمرض أن يصبح سيرتك، ولا للمستشفى أن يكون عنوانك الأخير، ولا للقبر أن يملك حقّ تفسير حياتك.

أنت أكبر من المشهد الذي انتهيت فيه، لا لأنك فوق البشر، بل لأن الإنسان أكبر من آخر ما حدث له.

وأنا أيضاً أكبر من ابنيّتي هذه أمام موتك؛ أكبر من أن أُختصر في رجل فقد أباه، وأكبر من أن أُطالب بإثبات حزني كلما ذكرت اسمك، وأكبر من أن أحتاج إلى أن أبدو مكسوراً كي يصدّق الناس أنني أحببتك.

قد أبكيك، وقد أضحك في اليوم نفسه. قد أشرب، وقد أرسم، وقد أذهب إلى عملي، وقد أنسى للحظة أنني لن أسمع صوتك، ثم يردّني تفصيلٌ صغير إلى الحقيقة كأنني اصطدمت ببابٍ لم أره.

لن تكون أيٌّ من هذه الأشياء خيانةً لك.

أنا لا أريد أن أجعل حزني ضريحاً أقيم فيه إلى الأبد. لا أريد أن أقدّم حياتي قرباناً لموتك كي أثبت أن مكانتك لا تُعوَّض. أنت لم تربّني كي أتحوّل إلى شاهدٍ على غيابك؛ وأظنّ أنك كنت تريدني أن أجد طريقي، حتى لو قادني إلى مكان لم تكن لتختاره لي.

وهنا تكمن المفارقة التي لا أعرف كيف أغفرها للعالم: أنك قضيت عمرك تعلّمني، من حيث تدري ولا تدري، كيف أفكّك الأشياء وأعيد النظر فيها، ثم تركتني أمام أكثر الحقائق عناداً، حقيقةٍ لا أستطيع تفكيكها إلى أجزاء، ولا إعادتها إلى شكلٍ آخر.

أستطيع أن أفهم الموت.

لكنني لا أستطيع أن أجعله عادلاً.

ولا أريد أن أتظاهر بأن الفهم عزاء.

يا قاسم، انهض من موتك.

ليس من القبر؛ من الصورة التي صنعوها لك بعده.

انهض من الأفعال الماضية، من النعوات التي تضع حياتك بين تاريخين، من الكلمات التي تبدأ باسمك وتنتهي بعبارة «رحمه الله». انهض من تلك المسافة التي سيحاول الزمن أن يبنيها بيننا، حتى يصبح صوتك حكايةً عن رجلٍ لم نعد نعرفه إلا من الصور.

انهض في الحاضر، ولو بوصفك سؤالاً لا أستطيع إغلاقه.

أريد أن أقول اسمك من دون أن أتبعه باعتذارٍ للزمن. أريد أن أقول: قاسم، فأرى رجلاً يتحرك، لا صورةً تستدعي الدموع. أريد أن أستعيدك من اللغة التي تضع الموتى في مكانٍ منفصل عن الحياة، كأن بين الأحياء والأموات حدوداً أشدّ صلابةً من الحدود التي رسمها البشر بين البلدان.

لعلّ الموتى لا يعودون.

لكن مَن قال إنهم لا يغيّرون شكل عودة الأحياء إلى العالم؟

منذ رحيلك، لم تعد الأشياء هي الأشياء نفسها. البيت ليس بيتاً تماماً، والكتب ليست كتباً فقط، والطريق إلى غصم لم يعد طريقاً ينتهي عند القرية. كل مكان صار يحمل سؤالاً عن الذي مرّ منه، وكل شيءٍ عاديّ صار قابلاً لأن ينكشف فجأةً على هاوية.

لقد غيّرتَ العالم برحيلك، يا أبي، وهذه أقسى مفارقات الغياب: أن يختفي شخصٌ من المكان، فيتغيّر المكان كله، لا لأن شيئاً خارقاً وقع فيه، بل لأن عيناً كانت ترى الأشياء بطريقةٍ معينة لم تعد تجلس في موضعها.

ومع ذلك، لن أجعل العالم مقبرةً كبيرةً لك.

سأعود إليه.

سأعود إلى الرسم، إلى الألوان التي لا تعرف شيئاً عن الأنساب، إلى الوجوه التي لا تشرح نفسها، إلى الأسئلة التي لا تمنح أصحابها راحةً نهائية. سأعود إلى رغد ولور، إلى البيت الذي كنت تقول لي ألّا أتأخر عنه، وإلى أمي التي لا ينبغي أن يصبح حزننا سبباً في أن نتركها وحيدةً مع حزنها.

سأعود، لا لأنني تجاوزتك، بل لأنني لا أريد أن أسيء فهمك.

ولعلّ هذه هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها أن أعاند موتك من دون أن أكذب على نفسي: ألّا أتركه يسرق مني الحياة التي ما زالت ممكنة.

أما أنت، فلن أطلب منك أن ترقد بسلام.

هذه العبارة لا تشبهك كثيراً.

سأطلب منك شيئاً آخر.

ابقَ صعباً كما كنت.

ابقَ سؤالاً يزعجني حين أطمئن أكثر مما ينبغي، واختلافاً يعيدني إلى التفكير حين أستسهل الحكم، ونافذةً أفتحها كلما ضاق العالم بتفسيرٍ واحد. ابقَ ذلك الرجل الذي لا أستطيع أن أختصره في حبّي له، ولا أن أختصر نفسي في فقده.

فأنا ابنك، نعم.

لكنني لست خاتمة كتابك.

وأنت أبي، نعم.

لكنّك لست ماضياً أُحسن الحداد عليه ثم أضعه في الرف.

بيننا حياةٌ حدثت بالفعل، وحياةٌ لم تحدث بعد، وكلماتٌ لم نقلها، وأسئلةٌ لن نعرف إن كانت ستجد جواباً. هذه ليست أبواباً إلى عالمٍ آخر؛ إنها الشقوق التي يتركها وجود الإنسان في العالم، ولا يستطيع غيابه أن يسدّها تماماً.

يا قاسم، انهض.

ليس كي تعود إلى الحياة التي انتهت، بل كي تمنعنا من إساءة فهم الحياة التي بقيت.

انهض، لأنني تعبت من رؤية الموت يأخذ الجسد ثم يطالبنا بالمعنى أيضاً.

انهض، لأنك لم تكن رجلاً عاش كي يموت، بل رجلاً عاش كي يرى، ويفهم، ويكتب، ويختلف، ويترك الأشياء أقلّ بداهةً مما وجدها.

انهض، لأن الموت لا يليق بعنادك.

ثم لا تنهض.

ابقَ في ترابك إن كان التراب قد صار حقّك الأخير، واترك لي هذا العناد، فأنا أحتاجه أكثر مما أحتاج إلى يقينٍ مستحيل.

سأترك جسدك للموت، يا أبي.

لكنني لن أترك له حقّ تأليفك.

لن أسمح له بأن يكتب الفصل الأخير، ثم يضع اسمه على الغلاف.

فليكن الموت قد امتلك آخر لحظةٍ من حياتك؛ أمّا حياتك كلّها، فلن أمنحه حقّ امتلاكها.

هذه المرة، يا قاسم، لن أطلب منك أن تدلّني على الطريق.

سأمشي.

وحين أصل إلى مكانٍ لا تعرفه، سأترك فيه أثراً لا يشبه أثرك تماماً.

فربما يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي يستطيع الابن أن يفعله أمام موت أبيه: ألّا يعيده إلى الحياة كمعجزة، وألّا يسلّمه إلى الموت كحقيقةٍ مكتملة؛ أن يواصل ما بدأه من دون أن يصبح نسخةً منه، وأن يترك العالم، حين يغادره يوماً، أقلّ يقيناً بأنه فهم الإنسان.

يا قاسم…

لم أعد أريد أن أنتصر على موتك.

أريد أن أنزع عنه هذا الغرور القديم، غرورَ مَن يظنّ أن آخر ما يحدث للإنسان هو الحقيقة النهائية عنه.

لقد أخذ منك ما يستطيع أخذه.

أما أنا، فسأبقى أختلف معه على ما تبقّى.

أنت انتهيت من الحياة، يا أبي؛ لكنّ الحياة لم تنتهِ منك.

 

منقول من صفحة أميه قاسم المقداد

Siwar Kassem Al Mekdad

5 أكتوبر الساعة 12:46 ص ·

سيدة المفاتيح: من الحجر إلى المعنى

قراءة ابنٍ لأبيه

قبل أشهر من صدورها، أرسل لي أبي نسخة من روايته سيدة المفاتيح. قرأتها على عجل وأعطيته رأياً مقتضباً، كما يفعل الأبناء غالباً حين يظنون أن الوقت ما زال متسعاً. واليوم، بعد رحيله، أعود إليها من جديد، لا كقارئ يفتش عن تقنيات السرد، بل كابن يحاول أن يجد بين الصفحات ما لم يُقَل مباشرة.

صدرت الرواية عام 2025 عن دار نينوى. كنت يومها في ألمانيا، وكان هو في دمشق يتنقل بين جلسات العلاج وأوراقه. كان يرسل إليّ الفصول تباعاً، قبل أن تخضع للتدقيق أو المراجعة النهائية، كما لو أنه يخشى أن يسبقه الوقت إلى النهاية، أو كأنه أراد أن يتأكد أن شيئاً من روحه قد وصل.

في ظاهر الرواية، الحكاية بسيطة: امرأة عجوز تجلس وحيدة مع مفاتيح قديمة تعدّها كل صباح. مفتاح البيت الكبير، مفتاح الخابية، مفتاح صندوق الجدة. مفاتيح لم تعد تفتح شيئاً. لكن الرواية لا تسأل عمّا تفتحه المفاتيح، بل عمّا يبقى حين لا يبقى شيء تفتحه.

كلما أعدت القراءة شعرت أن السيدة لم تكن تحرس أبواباً مغلقة، بل ما تبقى من الذاكرة.

أتذكر الآن عبارة كان أبي يرددها أحياناً: “لا تهدموا البيوت القديمة أبداً.”

كنت أظنها حنيناً عادياً إلى الماضي. أما اليوم فأفهمها بصورة مختلفة. لم يكن يبكي الحجارة، بل الأسماء التي سكنت بينها. كان يعرف أن البيت ليس جدراناً فقط، بل الكلمات التي قيلت فيه، والنداءات التي عبرت غرفه، والوجوه التي مرّت من بابه. حين ينهدم البيت لا تضيع الحجارة وحدها؛ تضيع معها أجزاء من اللغة التي صنعتنا.

من يعرف ترجمات أبي سيعرف لغته الروائية من السطر الأول. فقد أمضى حياته مصاحباً للنصوص الكبرى؛ من بودلير إلى سارتر، ومن رولان بارت إلى غيرهم من الكتّاب الذين كانوا يرون العالم بوصفه شبكة من العلامات والمعاني. لذلك جاءت لغته مقتصدة، دقيقة، لا تبحث عن الزينة. كان يعرف أن الكلمة الثقيلة تفسد الفكرة كما يفسد الحجر الزائد توازن القوس.

حتى حزنه كان يمر عبر جمل قصيرة.

في أثناء القراءة كنت أرى آثار الذين أحبهم بين السطور. كنت أسمع شيئاً من بودلير الذي رأى الجمال في ما يهمله الآخرون، وألمح شيئاً من سارتر الذي كان يؤمن بأن الإنسان لا يُعرّف بما ورثه، بل بما يختار أن يفعله بما ورثه.

ولهذا لم تعد المفاتيح في الرواية مجرد أشياء معدنية. تحولت إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة. مقاومة النسيان.

كل مفتاح بدا وكأنه اسمٌ لمكان اختفى، أو ذكرى لم تعد تجد من يرويها.

ولعل أكثر ما أثر فيّ أن شخصيات الرواية لا تتمسك بالمفاتيح لأنها تملك البيوت، بل لأنها فقدتها. كأن الفقد نفسه هو ما يمنح الأشياء معناها الأخير.

هذا ما جعلني أتذكر أبي في سنواته الأخيرة.

كان يملك مكتبة ضخمة تمتد على الجدران، آلاف الكتب التي رافقته طوال حياته، لكنه لم يعد قادراً على الوصول إلى الرفوف العليا أو إنزال ما يشاء منها بيده. يومها فهمت شيئاً من المفارقة التي تملأ روايته: أحياناً لا نتمسك بالأشياء لأننا نملكها، بل لأننا نشعر بأنها تبتعد عنا.

ولو أردت أن أوجه نقداً صغيراً للرواية، كابن قبل أن أكون قارئاً، لقلت إن الأستاذ الجامعي فيها ينتصر أحياناً على الروائي. ففي بعض الفصول يتوقف السرد فجأة ليشرح أو يفسر أو يحلل أكثر مما ينبغي.

كنت أقول له دائماً: “دع القارئ يضل الطريق قليلاً.”

فيبتسم.

واليوم أظن أنني أعرف سبب تلك الابتسامة. كان يخشى على القارئ من الضياع كما يخشى على البلاد من الضياع.

في أحد أكثر فصول الرواية شجناً، تسلم سيدة المفاتيح حفيدها المهاجر مجموعة المفاتيح القديمة وتقول له:

“هذه ليست مفاتيح بيوت، هذه مفاتيح لكي لا تنسى أنك كنت هنا.”

كلما قرأت هذه العبارة شعرت أنه لم يكن يخاطب حفيده وحده. ربما كان يخاطب أبناءه جميعاً. وربما كان يخاطب جيلاً كاملاً خرج من البلاد حاملاً معه أسماء المدن والقرى ورائحة البيوت أكثر مما حمل من حجارتها.

سيقرأ كثيرون سيدة المفاتيح بوصفها رواية عن الذاكرة أو الهجرة أو الفقد. وأنا لا أعارض أياً من هذه القراءات. لكنني حين أقرأها اليوم أراها شيئاً آخر.

أراها وصية.

لا وصية تقول: تذكروا البلاد.

بل وصية أكثر عمقاً:

تذكروا كيف كنّا نسمي الأشياء.

لأن الأسماء هي البيوت الأخيرة للذاكرة. فإذا ضاعت الأسماء ضاعت الحكايات، وإذا ضاعت الحكايات صارت المفاتيح قطعاً من معدن بلا معنى.

ليست سيدة المفاتيح رواية مكتملة من الناحية الفنية. فيها بعض الإطالة، وبعض التكرار، وبعض الحنين الذي يتجاوز أحياناً حدود السرد. لكنها تملك ما هو أندر من الاكتمال.

تملك الصدق.

والصدق في الأدب، كما في الحياة، نادر بما يكفي ليُغفر له الكثير.

الآن، بعد أن رحل أبي، تبدو لي صورة المفاتيح أوضح مما كانت عليه عند القراءة الأولى. أراها مستقرة على طاولة من البازلت الأسود، إلى جوار سنابل يابسة، تلمع بخفوت في ضوء المساء.

وكأنها لا تنتظر من يفتح باباً.

بل تنتظر من يتذكر.

رحمك الله يا أبي.

تركت لنا المفاتيح.

وسنحاول، ما استطعنا، ألّا نضيّعها.

 

منقول من صفحة أميه قاسم المقداد

Omaya Mekdad‎‏ مع ‏‎Kassem Almekdad‎‏.

25 سبتمبر الساعة 11:33 م ·

(ما تبقّى لي من أبي )

لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يشكر هذا العدد من القلوب.

خلال الأيام الماضية، جاءني أبي من جهات لم أكن أعرف أن له فيها كل هذا الحضور.

جاءني في رسالة على واتساب، وفي اتصال من رقم لم أعرفه، وفي تعليق تحت نص، وفي قصة على شاشة، وفي كلمة كتبها صديق لم أره منذ سنوات، وفي يد امتدت إليّ في مجلس العزاء في غصم، ثم في دمشق.

جاءني في الذين قطعوا مسافة طويلة ليجلسوا دقائق، وفي الذين لم يستطيعوا الوصول فاكتفوا بكلمة، وفي الذين لم يعرفوا أبي شخصياً لكنهم قرؤوا ما كتبت عنه، ثم كتبوا لي كأنهم عرفوه.

وجاءني أيضاً في الذين لم يجدوا الكلمات.

وأعرف أن بعض المحبة لا تحتاج إلى كلمات.

لذلك، قبل أي شيء:

شكراً.

شكراً لكل من عزّاني، أينما كان وبأي طريقة فعل.

شكراً لمن شاركني تعليقاً، أو قصة، أو صورة، أو رأياً، أو ذكرى عن أبي.

شكراً لمن كتب عنه شيئاً لم أكن أعرفه.

وشكراً خصوصاً لمن أعاد إليّ رجلاً كنت أظن بانني أعرفه كله، فإذا بي أكتشف أن لكل إنسان نسخةً من أبي لا أملكها.

بين مجلس العزاء في غصم ومجلس العزاء في دمشق، حدث شيء لم أكن أتوقعه.

لم أعد أرى الناس وهم يعزّونني بأبي فقط.

رأيتهم يعيدونه إليّ.

كل واحد جاء ومعه قطعة من قاسم المقداد.

أستاذ جامعي جاء بذكرى.

صديق جاء بحكاية.

قريب جاء بتفصيل صغير من زمن العائلة.

رجل لم أعرفه إلا في مجلس العزاء تحدث عنه كما لو أنه يحتفظ بجملة منه منذ سنوات.

وآخر كتب لي أنه رأى فيه شيئاً لم أره أنا.

وهكذا، من دون أن أشعر، بدأت أكتشف أن أبي، بعد موته، لم يعد ملكاً لعائلته وحدها.

وربما لم يكن كذلك في حياته أصلاً.

لهذا كتبت.

لم أكتب لأنني أردت أن أصنع من أبي شخصية أدبية، فهو من شخص الادب بعبقرية.

ولم أكتب لأنني أريد أن أضيف اسماً آخر إلى ما كتب عنه، كانت الاسماء على كثرتها لاتهمه، بل معناها.

ولم أكتب كي أقول للناس إن أبي كان عظيماً، فكل الاباء عظماء.

كنت أعرف ذلك بطريقتي.

لكنني شعرت، في أيامه الأخيرة، أنني أصبحت مؤتمناً على شيء.

كنت أراه من مكان لا يراه منه أحد سواي.

رأيت أبي وهو يواجه جسده، ورأيت الرجل خلف الجسد.

رأيت سموه، وعناده، وتعبه، وزهده ، وتحمله ، ومقاومته ، وثباته الذهني ، وكبريائه ، وبساطته ، وتفكيكه وتجميعه لكل حدث وتفصيل من فوق ، وايضا رايت حرصه على أن يطمئن أمي الى حد الوصية، وإصراره على العودة إلى مكتبته، وحرصه حتى في أكثر أيامه قسوة على ألا يتحول إلى مريض فقط، وانما ان يبقى سيدا في مملكته ، بين كتبه وصحن السجائر ، موسيقاه ، وكل طقوسه التي بنت داخل منزله مملكة لم يكن معنيا بالخروج منها لتفقد الرعية ، فلا رعية عنده ، بل اشخاص بقيم ، حيث ان كل انسان وقعت عيناه عليه كان بالضرورة يحمل قيمة ينتظرها على ابواب مكتبه لمن يرغب ، كان اللاتواصل عنده ليس مرادفا لقلة التواصل او الانعزال، وكان لا يحاول ان يتواصل لكي يرضي احد ، لان انقطاعه كان لايضعه تحت مسمى اللاتواصل ، بل طقسا من طقوس تعتيق التواصل في ليالي مقمرة كما يتم تعتيق الخمر كي ينتج تواصلا نقيا صافيا الى حد الثمالة.

كانت له طريقته الخاصة في التواصل ، ويبدو ان طريقته حلت علي بقوة الجينات.

رأيت الأيام الأخيرة من حياة رجل ظل ملطخ بالنور، حتى النهاية.

وشعرت أن من حق الذين أحبوه، ومن حق الذين عرفوه، ومن حق الذين سيقرأون اسمه يوماً ولا يعرفون وجهه، أن يروا شيئاً من تلك النهاية.

لذلك كتبت.

كتبت عن الثالثة فجراً.

وعن الطريق إلى غصم.

وعن التراب الذي حمله.

وعن القبر.

وعن فنجان قهوته الأخير.

وعن مجلس عزائه حين جلس، في خيالي، إلى جواري.

لم تكن تلك النصوص سيرةً لأبي.

كانت محاولة مني لأستوعب انتقاله من رجل أجلس معه إلى رجل لا أستطيع أن أجلس معه إلا باللغة.

وإذا كان بعض ما كتبته قد وصل إلى أحدكم، أو حرّك فيه ذكرى او شعور، أو جعله يرى في أبي شيئاً لم يكن يعرفه، فهذا يكفيني.

بل أكثر مما كنت أريد.

لكنني أشعر الآن أن عليّ أن أتوقف عن الكتابة عنه.

لا لأن الكلام انتهى.

بل لأنني قلت ما شعرت أنني مؤتمن على قوله.

أما حياته، فلم تعد ملكي كي أحتكرها أو أكتبها وحدي.

قاسم المقداد يعود الآن إلى الجميع.

إلى أصدقائه.

إلى طلابه.

إلى زملائه.

إلى قرائه.

إلى الذين اختلفوا معه.

إلى الذين أحبوه.

إلى الذين عرفوه عن قرب، وإلى الذين لم يعرفوه إلا من كتاب أو موقف أو كلمة.

فليأخذه كل واحد كما عرفه، وليقرأ حياته بالطريقة التي تنفعه.

أما أنا، فأملك شيئاً خاصا.

أملك أبوتَه.

وهذه ليست سيرة تُكتب.

هذه حياة عشتها، ورائحة مازلت اشمها ، وصوت دافئ سيوقظني كل نهار وليلة.

وأعرف الآن أنني، حين كنت أظن أن أبي يعلّمني، لم يكن يضع لي طريقاً لأتبعه.

كان يدفعني، بهدوء، كي أجد طريقي.

لم يقل لي يوماً: اقرأ الكتاب الذي قرأته.

ولم يقل: كن مثلي.

ولم يحاول أن يصنع مني نسخة منه.

حتى حين كان يرى ما أرسم، كان يترك لي مساحةً تكفي كي أكون أنا.

كانت وصيته الأعمق، التي لم يحتج يوماً إلى إعلانها، بسيطة وصعبة في الوقت نفسه:

اعثر على طريقك.

وحين تجده، امشِ فيه بهدوء.

فكّر.

افهم.

فكك ما يبدو جاهزاً.

واختر ما تراه أصلح.

ثم عد إلى منزلك.

إلى زوجتك وابنتك.

إلى حياتك.

إلى المكان الذي تستطيع فيه أن تستريح دون أن تضطر إلى إثبات شيء لأحد.

ولا تنسَ أمك.

رفيقة دربه التي لم تكن شاهدة على حياته فقط، بل كانت جزءاً اساسيا من بنائها، والتي بقيت الآن تحمل غيابه بطريقة لا يستطيع أحد أن يحملها عنها.

وهذه، ربما، أكثر وصاياه إيلاماً وجمالاً.

لم ينتظر أبي موته كي يوصيني بهذه الأشياء.

كان يقولها بالحياة نفسها.

حين كان يطلب مني أن أعود إلى البيت.

حين كان يتركني أرسم بطريقتي.

حين كان يختلف معي دون أن يحاول أن ينتصر .

وحين كان يقول، بصمته قبل كلامه:

عش حياتك، ولكن عشها بوعي.

لذلك، حين يتحدث الناس عن إرث أبي، لا أفكر في مشعل يتناقله العدّاؤون من مدينة إلى مدينة حتى يبلغ نقطةً محددة.

ولا أفكر في مجموعة كتب ينبغي أن يحملها الابن على ظهره.

الإرث، كما أراه الآن، أقل صخباً وأكثر عمقاً.

هو طريقة في النظر.

طريقة في السؤال.

شيء من الهدوء قبل الحكم.

شيء من الشك قبل التصديق.

والقدرة على تفكيك ما يبدو جاهزاً، ثم اختيار ما تراه أصلح لحياتك.

وربما يكون أعظم ما تركه لي أبي أنه لم يطلب مني أن أحمل حياته.

طلب مني أن أعيش حياتي.

ولهذا سأستمر.

لا بعيداً عنه، ولا بدلاً منه، ولا خلفه.

بل إلى جواره بالطريقة الوحيدة التي بقيت ممكنة.

سأجلس في مكتبه.

سألمس الأشياء في أماكنها.

سأترك بعضها حيث تركها.

سأشرب قهوتي.

سأرسم.

سأختلف.

سأخطئ.

سأعود إلى البيت.

سأجلس مع زوجتي وابنتي.

مع اخوتي، الاقوياء معي بوجود حارسة نور أبي : أمي .

سأفعل أشياء كثيرة كان يفعلها معي، لا لأستحضر غيابه، بل لأن الحياة التي عشناها معاً لم تكن بروفةً للموت.

كانت حياة.

وأنا سأكملها.

وربما، في يوم ما، سأكتب.

لكنني قد أكتب مثله، له ، لا عنه.

قد أكتب في الأشياء التي كان يحب أن يفكر فيها، أو في الأسئلة التي كان يفتحها، أو في الحياة نفسها، بالطريقة التي أجدها أنا مناسبة كما كان يحب.

أما النصوص التي كتبتها عنه، فقد وصلت الآن إلى نهايتها.

ليس لأن أبي انتهى.

بل لأنني قلت ما كان عليّ أن أقوله.

ومن هنا، يحق للآخرين أن يكتبوا عنه.

ويحق لي أن أتركه لهم.

أن يتذكروه كما عرفوه.

أن يختلفوا حوله.

أن يضيفوا إليه ما عاشوه معه.

أن يفتحوا كتبه من جديد، أو يتذكروا موقفاً، أو جملة، أو محاضرة، أو جلسة، أو حتى ابتسامة عابرة.

أما أنا فسأحتفظ بذلك الجزء الثمين الذي كان يلمع حين ينظر إليّ كأب و كقاسم.

العبقري في ان يكون هو نفسه داخل وخارج المنزل ، في بطن الارض وفي السماء.

ولهذا، لكل من كتب لي، واتصل بي، وزارني، وعزّاني، وشارك نصوصي، وكتب رأياً، أو حكى لي حكاية عن أبي، أو حتى اكتفى بالصمت والجلوس إلى جانبي:

شكراً.

شكراً لأنكم لم تتركوني وحدي في هذه الأيام.

وشكراً لأنكم لم تجعلوا موت أبي خاتمة رجل.

جعلتموه، من دون أن تقصدوا، عودة رجل إلى أماكن كثيرة لم أكن أعرف أنه ما زال يسكنها.

والآن…

سأغلق هذه الصفحة.

لا لأغلق باب أبي.

بل لأتركه مفتوحاً.

سأعود إلى مكتبه.

وستبقى أمي هناك.

وسأعود إلى بيتي.

وستكون زوجتي وابنتي هناك.

وسأعود إلى لوحتي.

وستكون الحياة هناك.

وسأمشي ،بالطريقة التي علّمني إياها:

هادئاً.

منتبهاً.

حراً.

وكلما التفتُّ إلى الخلف، لن أبحث عن رجلٍ لأتبعه.

سأبحث عن أبٍ لأطمئن أنه راضٍ.

وربما، في مكان ما بين غيابه وحياتي، سأسمعه كما سمعته طوال العمر:

«اذهب يا بني…

اعثر على طريقك.

ولا تتأخر عن البيت.»

وسأذهب.

لا لأنني تركته.

بل لأنني، أخيراً، فهمت أنه كان يريدني أن أصل.

هذا ليس وعدا وعهدا مني له ، وانما استمرارا لعاداتنا سوية في مكتبه :

-صباح الخير ،شلونك اليوم ابو السوس؟

– مشتاقلك ابو الأم ، قبل ماتقعد وتشغل سيجارتك ، جيب قهوة من المطبخ ،بعدها سخنة.

 

منقول من صفحة أميه قاسم المقداد

maya Mekdad‎‏ مع ‏‎Kassem Almekdad‎‏.

25 سبتمبر الساعة 4:56 ص ·

(أبي الأنيق حضر لتعزيتي)

لم أرتدِ بدلة.

لم أحبّها يوماً، على خلاف أبي الذي كان يعرف كيف يجعل من البدلة شيئاً أكثر من ثوب؛ هيئةً كاملة لرجل قرر أن يحترم المكان الذي سيدخله، حتى لو كان المكان مجلس عزائه.

وصلت إلى الصالة باكراً.

كنت أرتدي بنطالاً أسود وقميصاً رمادياً فقط.

ولم تكن هناك نعوة على الباب.

فذهبت مسرعاً إلى الطباعة، وطلبت أربع نسخ.

كنت أطبع نعي أبي بلهفة غير مفهومة؛ كأنني أريد أن أنقذ اسمه من أن يصل إلى الناس شفوياً، أو كأنني، للمرة الأولى، مضطر إلى أن أقدّم دليلاً مادياً على أن رجلاً بهذا الاسم عاش فعلاً.

عدت.

وضعت الورقة في مكانها.

كان اسمه أنيقاً على حائط من الحجر الأبيض، أكلته سنوات دمشق ودخانها وغبارها.

قاسم المقداد.

حدقت في الاسم.

فجاء صوته من جانبي:

— هل وجدت أن الورقة تكفي؟

التفت إليه.

كان أبي جالساً إلى جواري، ببدلته الأنيقة، هادئاً كما لو أنه جاء إلى موعد لا إلى عزائه.

قلت:

— لا.

قال:

— إذن لماذا علّقتها؟

قلت:

— لأن الناس يحتاجون إلى اسم كي يعرفوا من جاءوا لأجله.

قال:

— الناس يحتاجون إلى الاسم.

أما أنت، فلا.

نظرت إليه.

كان يراقب الداخلين.

قلت:

— أنا لا أحتاج اسمك.

أنا أحتاج الشخص الذي كان وراءه.

قال:

— وهل كان اسمي منفصلاً عنه؟

قلت:

— في حياتك كنت أستطيع أن أناديك يا أبي دون أن أفكر في معنى الاسم. الآن صار الاسم هو أول ما يصلني منك.

سكت.

ثم قال:

— لهذا كانت الأسماء دائماً أقل من أصحابها.

جلسنا إلى جانب أخي الأكبر والأقارب.

بدأ أصدقاء أبي القدامى يدخلون.

بعضهم أعرفه منذ كنت صغيراً.

كنت ألعب قريباً من مجالسهم، بينما كان أبي يتحدث معهم في أشياء لا تعنيني آنذاك.

اليوم دخلوا إلى مجلسه، ورأوني جالساً في مكانه.

قلت:

— غريب أن أراك بينهم الآن.

قال:

— ولماذا؟

— لأنني كنت أراهم دائماً وهم ينظرون إليك.

قال:

— والآن ينظرون إليك.

— وهذا ما يربكني.

— لا ينبغي أن يربكك.

— لأنني ابنك؟

قال:

— لأنك لم تصبح أباك.

نظرت إليه.

قال:

— لا تحمل عني المكان الذي شغلته.

يكفي أن تعرف لماذا شغلته.

قلت:

— وهل كنت تعرف أنت لماذا؟

ابتسم.

— في بعض الأيام كنت أعرف.

وفي أيام أخرى كنت أتظاهر بأنني أعرف.

— وهذا اعتراف كبير منك.

— الموت يجعل الإنسان كريماً في اعترافاته.

توالت الوجوه.

جامعيون قدامى.

أصدقاء.

زملاء.

رجال من مراحل مختلفة من حياته.

ثم بدأ أصدقائي بالدخول؛ من عملي الحالي، ومن أعمالي السابقة.

بعضهم لم أره منذ عشر سنوات.

وبعضهم رأيته قبل أسبوع.

ومع ذلك بدا لي أن الفارق بينهما لا يساوي شيئاً.

قلت:

— كأن الزمن في هذه الصالة لا يعمل.

قال:

— بل يعمل.

— كيف؟

— لكنه لا يعمل على الوجوه وحدها.

انتظرت.

قال:

— يعمل على العلاقة بين الوجوه.

ثم أضاف:

— قد لا ترى رجلاً عشر سنوات، ثم تكتشف أنك لم تفقد منه يوماً واحداً.

قلت:

— وأحياناً ترى شخصاً كل يوم ولا يبقى منه شيء.

قال:

— الآن بدأت تفهم.

دخل أحد أصدقائه القدامى.

احتضنني واحتضن أخي.

ثم قال الجملة التي سمعتها أكثر من مرة بعد ذلك:

«في الزمن الذي انبطح فيه الجميع، ظل أبوكم واقفاً.»

التفت إلى أبي.

قلت:

— هل يهمك أن يتذكروك بهذه الصورة؟

قال:

— لا.

— لماذا؟

— لأن الوقوف ليس صورة.

— ماذا كان إذن؟

فكر قليلاً.

— نتيجة.

— نتيجة ماذا؟

— أن يكون ثمن الجلوس أثقل من ثمن الوقوف.

سكت.

قلت:

— وهل دفعت الثمن؟

قال:

— كل شخص يدفع شيئاً.

— وأنت؟

نظر إلى الناس.

— أنا دفعت بالأشياء التي لم أستطع أن أستعيدها.

لم أطلب منه أن يشرح.

عرفت أنه لن يفعل.

كان القرآن يتلى.

والشيوخ يتعاقبون.

والقهوة المرة تمر بين الناس بلا انقطاع.

عرضوا عليّ الكمون والليمون.

حلقي كان يؤلمني، فأخذت القهوة وحدها.

رفعت الفنجان.

قال أبي:

— ما زلت تفضّل المرارة حين تكون اختياراً.

قلت:

— وأنت ما زلت ترى في كل شيء معنى.

قال:

— لا.

— لا؟

— أنا فقط لا أصدق الأشياء التي لا تحتمل سؤالاً.

نظرت إليه.

قلت:

— حتى الآن؟

قال:

— خصوصاً الآن.

دخل رجل درويش.

لم يكن يعرف أين هو، ولا من الميت.

كان سعيداً فقط.

يسلم على الناس بحماسة، ويضحك، ويتصرف كأنه وجد نفسه فجأة في مكان يحبه.

تابعته طويلاً.

قلت:

— هو لا يعرف أنك مت.

قال:

— أعرف.

— ولم يسأل حتى.

قال:

— ربما لأن شيئاً فيه لم يحتج إلى أن يعرف.

— هذا يزعجني.

— لماذا؟

— لأنني قضيت عمري أحاول أن أعرفك.

ابتسم.

وقال:

— ومن قال إن المعرفة هي الطريق الأقصر إلى المحبة؟

سكتُّ.

ثم قلت:

— لكنه لا يعرف عنك شيئاً.

قال:

— وأنت تعرف عني أشياء كثيرة.

— نعم.

— وهل ساعدك ذلك الآن؟

لم أجب.

قال:

— بعض الناس نحبهم لأننا عرفناهم.

وبعضهم نحبهم رغم أننا لم نستطع أن نعرفهم تماماً.

ثم نظر إلى الرجل الدرويش.

وقال:

— لا تحاسبه لأنه جاء إليّ بلا تاريخ.

كلما دخل شخص جديد، كنت أرى طبقة أخرى من أبي.

واحد يتحدث عن الأستاذ.

آخر عن الصديق.

ثالث عن الرجل الذي عرفه في الجامعة.

رابع عن موقف قديم.

وكان أبي يستمع.

قلت:

— ألا تشعر أن هؤلاء يصنعون منك رجالاً كثيرين؟

قال:

— كنت رجالاً كثيرين.

— أيهم الحقيقي؟

قال:

— السؤال خاطئ.

— لماذا؟

— لأن الإنسان ليس نسخة واحدة حتى تكون هناك نسخة أصلية.

قلت:

— لكنني أعرفك أكثر منهم.

قال:

— أنت تعرف أباك.

ثم سكت.

وأضاف:

— وهذا ليس الشيء نفسه الذي يعرفه الآخرون.

فهمت ما يقوله.

أصدقاؤه يعرفون قاسم.

وأنا أعرف الرجل الذي كان يعود من قاسم إلى البيت.

وهناك مسافة بين الاثنين لا يستطيع مجلس عزاء أن يردمها.

مع مرور الوقت، بدأ بعض الحاضرين يوصيني أنا وأخي بالاستمرار.

لم يكن كلامهم متشابهاً، لكن المعنى كان يلتقي في مكان واحد.

قالوا لنا، كل بطريقته:

لا تتركوا ما بدأه.

تابعوا.

اكتبوا.

احملوا شيئاً منه.

نظرت إلى أبي.

قلت:

— يحمّلونني ما لا أعرف إن كنت أملكه.

قال:

— ماذا قالوا؟

— يريدون أن أواصل ما بدأتَه.

قال:

— لا تفعل.

نظرت إليه.

— لماذا؟

— لأنك إن واصلت ما بدأتُه، ستقضي عمرك تنظر إلى الخلف.

— وماذا أفعل إذن؟

— ابدأ شيئاً لا أعرف كيف أفعله.

قلت:

— أهذا ما كنت تريده مني؟

قال:

— كنت أريدك أن تصل إلى مكان لا أستطيع أن أساعدك فيه.

— وهل وصلت؟

نظر إليّ طويلاً.

— أنت تسألني الآن من هناك.

في تلك اللحظة، لم يعد المجلس بالنسبة إليّ مجلس عزاء.

كان أبي يجلس أمامي.

لا شبحاً.

ولا صورة.

ولا ذكرى.

كان الرجل نفسه الذي عرفته؛ طريقته في الإصغاء، ميل رأسه قليلاً، تلك النظرة التي تسبق الجواب، وكأنه يزن الكلمة قبل أن يسمح لها بالخروج.

قلت:

— هل تعرف ما أكثر ما يؤلمني في هذا المساء؟

قال:

— أعرف بعضه.

— أنني أسمع الناس يتحدثون عنك بصيغة الماضي.

قال:

— وأنت؟

— ما زلت أتكلم معك بالمضارع.

قال:

— إذن لا تدعهم يحددون لك زمنك معي.

قلت:

— لكنك مت.

قال:

— هذه حقيقة جسدي، لا قواعد حديثك معي.

بقيت صامتاً.

ثم قلت:

— وهل تعتقد أن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بمن يحب بعد أن يفقد حضوره؟

قال:

— لا.

توقفت.

فقلت:

— لا؟

قال:

— لا يحتفظ به.

ثم نظر إليّ:

— يتحول به.

كانت هذه الكلمة أعمق من أن أطلب منها شرحاً.

بدأ الناس يغادرون.

واحداً تلو الآخر.

العناق الأخير.

جملة عزاء.

دعاء.

باب يفتح.

باب يغلق.

وبقيت الصالة تنقص ببطء.

قلت:

— كنت أتمنى ألا ينتهي المجلس.

قال:

— كنت تعرف أنه سينتهي.

— نعم.

— فلماذا تمنيت العكس؟

قلت:

— لأن وجودهم كان يمنح غيابك شكلاً أستطيع احتماله.

نظر إلي طويلاً.

قال:

— هذا أول شيء قلته الليلة عني.

حين خلت الصالة تقريباً، بقيت ورقة النعوة على الباب.

قلت:

— غداً ستنزع الورقة.

قال:

— طبعاً.

— وبعدها؟

قال:

— سيبقى الحجر.

— وبعد الحجر؟

قال:

— سيبقى الاسم.

— وبعد الاسم؟

سكت.

ثم قال:

— هنا يبدأ عملك.

نظرت إليه.

— أي عمل؟

قال:

— أن تمنع الاسم من أن يتحول إلى قبر.

لم أفهم فوراً.

فقال:

— الاسم إذا لم يجد من يحاوره، يصبح حجراً.

ثم نظر إليّ.

— لا تكتب عني كي تحفظني.

— ولماذا أكتب؟

— اكتب لأن بيننا كلاماً لم ينتهِ.

نهض.

عدّل سترته.

لم يكن هناك أحد يراه غيري.

قلت:

— هل ستذهب الآن؟

قال:

— هذه المرة نعم.

قلت:

— إلى أين؟

قال:

— إلى المكان الذي لن تستطيع أن تتبعني إليه.

قلت:

— وهل هذا هو معنى الموت؟

قال:

— لا.

— فما معناه؟

قال:

— أن يصبح السؤال عن مكانك أقل أهمية من السؤال عمّا ستفعل بما تركه غيابك فيك.

اقترب مني.

وقال:

— لا تجعلني موضوعاً لكتابتك.

قلت:

— وماذا أكتب إذن؟

قال:

— اكتب إليّ.

ثم وضع يده على كتفي.

كانت يده كما أعرفها.

قلت:

— وإذا لم أجد الكلمات؟

ابتسم.

— كنت تعرف أنني لا أحب الكلمات السهلة، ولكن البسيطة.

ثم ابتعد.

بقيت وحدي.

أمام الباب.

أمام اسمه.

أمام الورقة التي طبعتها بيدي قبل ساعات، ولم أعرف أنني كنت أطبع شيئاً أكبر من نعي.

لم أنزعها.

خرجت.

ثم التفتُّ مرة واحدة.

كان الكرسي الذي جلس عليه أبي خالياً.

لكنني لم أشعر أنني تركته خلفي.

فهمت فقط أن الأب، حين يموت، لا يأخذ مكانه معه.

يتركه فارغاً.

كي تتعلم، متأخراً، كيف تجلس فيه دون أن تصبح هو.

بعض الآباء لا ينتهون حين يغيبون؛

يتحوّلون من رجلٍ كان يجلس قبالتك، إلى جهةٍ متنقلة بين اربع جهات.

ابي جاء ليعزيني اليوم ، ليس لمواساتي ، وانما فقط كي لايضيع جهدي الذي بذلته في طباعة ورقة كانت يوما طريقه الى الحياة.

 

منقول من صفحة أميه قاسم المقداد

maya Mekdad‎‏O مع ‏‎Kassem Almekdad‎‏.

24 سبتمبر الساعة 12:45 ص ·

( فنجان قهوته الاخير )

لا أدري لما قررت ان التقط صورة سيلفي لنا الثلاثة ، وكما هو واضح في الصورة ، لم يكن احدنا يطيق مثل هكذا نوع من الصور ، ربما اردت ارسالها الى اخوتي في الخارج لاجعلهم مطمئنين ان ابي مازال يمارس عاداته كما هي.

لم أكن أعرف أنه كان فنجانه الأخير.

وهذه، ربما، هي الطريقة التي يخفي بها الموت نفسه عنّا؛

لا يأتي دائماً بوجهه، ولا يطرق الباب معلناً موعده،

بل يترك لنا مساءً عادياً،

وطاولةً نعرفها،

وفنجان قهوة،

وأباً يجلس أمامنا كأنه سيجلس غداً.

كان قد خرج من المشفى الليلة السابقة بإصرار رجل يريد أن يستعيد مملكته قبل أن تضيق به الحياة أكثر.

كانت مكتبته تنتظره.

ذلك المكان الذي لم تكن الكتب فيه أشياء موضوعة على رفوف، بل أجزاء من عمره؛

وكان هو، رغم كل ما أصاب جسده، لا يريد أن يتحول إلى رجل يعيش بين سرير المشفى ومواعيد الأطباء.

في ذلك المساء أراد قهوته.

فذهبت قبله إلى المقهى وجلست في مكاننا المعتاد.

جاء مع أمي ، التي لم تخفي عيونها قلقا شديدا وكانها تتوسل لي وتقول : ارجوك ، اعده الى المشفى.

كان التعب قد بدأ يأخذ من وجهه الجميل شيئاً،

لكنّه كان لا يزال يعرف كيف يخفيه.

كانت عيناه متعبتين، ووجهه أكثر انتفاخاً من المعتاد.

فقال لأمي قبل ان ياخذ مكانه على الطاولة، بانه سيذهب إلى الصيدلية الملاصقة للقهوة لقياس ضغطه،

فعل ذلك فقط لكي يطمئنها.

ذهبنا.

كان الضغط لا يزال منخفضاً.

عدنا إلى الطاولة.

أمي أخفت خوفها خلف جملة مطمئنة:

سيعود إلى طبيعته.

وهو أخفى احباطه خلف الجملة نفسها تقريباً.

كان كل واحد منا يعرف أن الآخر يعرف.

ومع ذلك، تظاهرنا جميعاً بأننا لا نعرف.

ربما كانت تلك آخر شجاعة مارسناها معاً.

جلس أبي أمام فنجان قهوته،

وتحدثنا.

عن المرض،

عن ذلك الالتهاب اللعين الذي بدأ كأنه مجرد إنفلونزا قاسية،

ثم أخذ يفتح أبواباً أخرى:

خزعة،

ثم علاج،

و محاولة جديدة.

قالها بثقة تشبهه:

سننتصر عليه كالعادة ، لاتقلقوا.

لم تكن هذه الجملة تخص مرضه وانما مدخلا للحديث عن البلد،

وعن الحروب التي لا تنتهي،

وعن المنطقة التي تبدو كأنها لا تتعلم من جراحها،

وعن أشياء كثيرة لا أتذكرها الآن إلا كأصوات متداخلة حول فنجان قهوة.

وكان، كالعادة، يجد نافذة صغيرة للأمل.

قال إن ما يحدث، مهما كان،

لن يكون أسوأ من الذي مضى.

وربما لم يكن متفائلاً تماماً.

ربما كان فقط يرفض أن يمنح اليأس حق تعريف المستقبل.

وهذا ما كان يفعله طوال حياته:

كان يرفض الكلمات الجاهزة.

حتى المرض لم يسمح له أن يختصره.

كان لا يزال يريد أن يكون هو،

لا أن يصبح «مريضاً».

وأنا، في تلك الأمسية، لم أكن أريد أن أكون ابناً يعرف.

كنت أريد أن أكون ابناً يجلس مع أبيه فقط.

بدأ التعب يظهر أكثر.

طلب مني أن أعود إلى البيت لارتاح، إلى زوجتي وابنتي.

سألته:

هل أنت متعب؟

أسند ظهره إلى الكرسي وقال:

أنا مرتاح وسعيد جداً.

كان يستطيع، حتى في تلك اللحظة، أن يجعل الكذبة تبدو كأنها نوع من العناية.

فقررت ألا أترك الجلسة ما دام هو مرتاحاً.

ربما كنت أظن أن الوقت ملكنا.

وهذه واحدة من أكثر أوهام البشر قسوة:

أننا نملك الوقت ما دمنا لا نرى نهايته.

استمر التعب.

واستمر أبي في إصراره أن أعود.

كأنه كان يعرف أن للأب وظيفة أخيرة لا يتخلى عنها حتى وهو يتعب:

أن يعيد ابنه إلى بيته.

أنهى قهوته.

أنهينا قهوتنا.

وانتهت الجلسة.

هكذا ببساطة.

لا موسيقى.

لا علامة.

لا كلمة تقول لنا:

احفظوا هذه اللحظة،

فلن تتكرر.

خرجنا.

كان يمشي إلى السيارة بخطوات يحاول أن يجعلها أقوى مما كانت.

قلت له:

أوصلك.

قال:

لم أصل إلى السيارة بعد.

ومشى.

قطع الشارع.

صار مشيه أبطأ.

قلت له مرة أخرى:

دعني أقود.

قال:

لم أجلس خلف المقود بعد.

ثم جلس.

شغّل السيارة.

وللحظة، رأيته يحدق أمامه كأنه نسي الطريق، أو كأن الطريق نفسه ابتعد قليلاً.

عرضت عليه للمرة الثالثة أن أقود.

ابتسم.

ثم قال:

سلّم على زوجتك وابنتك وقبّلهما.

تصبح على خير.

لم أعرف أنني كنت أسمع آخر جملة يقولها لي في تلك الحياة.

وهنا أفهم شيئاً لم أفهمه يومها:

لم تكن آخر كلماته هي «تصبح على خير».

كانت وصيته الصغيرة بأن أعود إلى الحياة.

كان يعرف أنني أستطيع أن أبقى إلى جانبه،

لكنه أرسلني إلى بيتي.

إلى زوجتي.

إلى ابنتي.

إلى الأشياء التي لا تزال تنتظرني خارج ذلك المساء.

كأن الأب، حتى عندما يوشك أن يغادر،

لا يفكر في الباب الذي سيخرج منه،

بل في الباب الذي يريد لابنه أن يعود إليه.

ذهبت.

وذهب هو.

وفي اليوم التالي ذهب إلى المشفى.

ثم جاء الليل الذي لم يعد منه.

—

الآن، حين أفكر في ذلك الفنجان،

لا أتذكر القهوة.

أتذكر يده.

أتذكر الرجل الذي كان يعرف كيف يتكلم عن الأشياء الكبيرة،

ثم يختصر كل ما تبقى من العالم في جملة صغيرة:

سلّم عليهم.

أتذكر أنه كان متعباً،

ومع ذلك كان آخر ما فعله أن حمل عنّا تعبنا.

وأفكر:

كم مرة نجلس إلى جوار أحبّتنا ونحن نملك اللحظة ولا نملك معناها؟

كم مرة نقول «إلى اللقاء»

بينما تكون الحياة قد كتبت في الهامش:

هذا آخر لقاء؟

نحن لا نعرف اللحظة الأخيرة حين نعيشها.

ولهذا ربما تكون أقسى لحظات الفقد ليست تلك التي رأينا فيها الموت،

بل تلك التي لم نرَ فيها شيئاً.

الفنجان الذي وضعته يده على الطاولة.

الكرسي الذي أسند إليه ظهره.

الطريق القصير إلى السيارة.

يده على المقود.

ابتسامته.

ثم:

تصبح على خير.

كلها أشياء صغيرة جداً.

لكنني الآن أعرف أن الحياة لا تودّعنا دائماً بالأشياء الكبيرة.

أحياناً تضع يد أبي على فنجان قهوة،

وتخفي النهاية في قاعه.

وأنا، منذ ذلك المساء،

كلما رأيت فنجاناً على طاولة،

لا أفكر في القهوة.

أفكر في أبي.

وأفكر أنني كنت أجلس أمامه في آخر مرة،

وأملك كل شيء كي أقول له ما أريد،

إلا الشيء الوحيد الذي لم أكن أعرف أن عليّ قوله:

ابقَ قليلاً.

لكنني لم أقلها.

وهو لم يبقَ.

ومع ذلك،

كلما أغمضت عيني الآن،

أراه كما كان في تلك الليلة:

متعباً،

مبتسماً،

يمسك فنجانه،

ويطلب مني أن أعود إلى البيت وهو يعلم انه قد لا يملك خيار العودة الى مكتبه مجددا.

كأنه لم يكن يقول:

تصبح على خير.

كأنه كان يقول، بطريقته الأخيرة:

اذهب يا بني…

الحياة ما زالت هناك.

أما أنا

سأبقى هنا…. قليلا ، وطويلا جدا.

 

منقول من صفحة أميه قاسم المقداد

maya Mekdad‎‏ مع ‏‎Kassem Almekdad‎‏.

22 سبتمبر الساعة 11:36 م ·

( ليلة الرحيل ، الثالثة فجرا في السيارة خارج المشفى في انتظار تحسن أبي)

قلت له:

أعرف أنك هنا.

لا تختبئ خلف الجسد، فقد طال اختباؤك، وظهرت نواياك من خلال جلده الرقيق.

قال:

وأنت؟

ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟!

قلت:

أنتظر.

قال:

ماذا تنتظر؟

قلت:

الفجر.

ضحك.

قال:

الفجر لا يغير شيئا.

قلت:

ربما.

لكنه يكشف الأشياء التي تفعلها العتمة.

قال:

وماذا كشف لك؟

قلت:

كشف لي كم يمكن لشيء صغير أن يكون جشعا.

خلية واحدة.

ثم خلية أخرى.

ثم جيش كامل لا يعرف لماذا يحارب،

ولا يعرف لمن ينتصر.

على عكس خصمك ، الذي يحارب من اجل الحياة.

قال:

أنا لا أحارب ،أنا أنمو فقط

قلت:

وهذه هي خطيئتك، ونبله.

كل شيء في هذا العالم ينمو،

لكن الأشجار تنمو نحو الضوء،

والأنهار تنمو نحو البحر،

والأطفال ينمون نحو الحياة.

أما أنت،

فاخترت أن تنمو نحو الهدم.

قال:

ومع ذلك فقد وصلت إليه.

قلت:

وصلت إلى جسده، نعم.

أما إليه… فلن تصل ، وقد يفاجئك بانتصار بارد ، كأن يترك لك الجسد ساخرا ويمضي.

قال:

ما الفرق؟

قلت:

الفرق هو كالفرق بين الجسد وصاحبه حيث لاتستطيع ان تنمو وتتوسع.

أنت تعرف كيف تجفف الدماء في الاوردة ، ولاتعرف كيف ينام ابي داخل وريدي.

تعرف كيف تنهش العضلات وتضعفها،

ولا تعرف يده التي كانت تمسك يدي بقوة.

تعرف كيف تبرز العظم،

ولا تعرف الكتف الذي غفوت عليه بكامل راحتي.

تعرف كيف تبعثر الخلايا،

ولا تعرف الرجل الذي قضى عمره يصنع من جسده كتبا وروايات مرتبة.

قال:

كل البيوت تهدم.

قلت:

لكن ليس كل من يسكنها يموت حين تنهدم.

قال:

أنا أقوى منك.

قلت:

لم أقل إنني أقوى، وانما لست اضعف،

أنا فقط جئت لأراك.

للمرة الأولى

أراك من دون أن تختبئ وراء اسم المرض وصور اشعته.

أراك كما أنت، خوف صغير

تضخم وانتشرحتى صدق انه مرض لايمكن تسميته.

سكت طويلا.

ثم قال:

وماذا لو كان الغد لي؟

قلت:

وماذا لو كان له؟

لا أدري.

لهذا نحن ننتظر.

نحن الآن في تلك المسافة الغريبة

بين نبضة ونبضة، نفس واخر

بين ليل وفجر،

بين كلمة الطبيب الأولى

والكلمة التي ستأتي بعدها.

قال:

أنت خائف.

قلت:

نعم.

قال:

إذن فقد انتصرت.

نظرت إليه وقلت:

لا.

خوفي ليس انتصارك، وانما ادراك كم هو غالي.

سألني:

وإن أخبرك الفجر أنني انتصرت؟

نظرت من نافذة السيارة.

الليل ما يزال في مكانه،

لكن شيئا ما يتغير في حافة السماء.

بوادر مطر في غير موعده

قلت:

لن أعرف حينها من انتصر.

سأعرف فقط

أن أبي كان هنا.

وأنني كنت هنا.

وأن بيننا من الحب

ما يكفي لأن يجعل غيابه

أثقل من حضور الموت نفسه ، واخف من قطرات المطر المحتملة.

وانت ستبقى مجرد اسم

على ورقة تحليل جامدة في غرفة عناية باردة،

بينما سيبقى أبي

في آلاف الصفحات التي لن تعرف كيف تصل اليها، اسال سيدة المفاتيح عن ذلك!

سيبقى

في صوته.

في يديه.

في ذاكرة البيت ومكتبه.

في الأشياء التي علمني إياها دون أن يدري.

وفيني انا.

ساد الصمت.

لم أعد أسمعه.

أو ربما لم يعد لديه ما يقوله.

مازلت في السيارة هذه الليلة ، كما كنت امام باب العناية هذا الصباح.

يبدو ان الفجر لا يزال بعيدا ، لذلك اسمعني ان كنت مازلت هنا :

إن أخذت جسده، فلن تستطيع ان تاخذ ماتركه داخلي دون ان يعرف كم ترك منه خارجي.

أبي هو العمر الذي مشى أمامي قبل ان امشي.

هو اليد التي تركت يدي ليس لاني كبرت ، بل لان الريشة تنتظره.

هو الصوت الذي قد يصمت في غرفة العناية، ليعتني بي.

أنت تستطيع أن تطفئ قلبا، ورئة .

لكنّك لا تستطيع أن تطفئ المعنى عندما قال لي : الله يرضى عليك.

الأب، يا سيد سرطان،

لا يموت كله حين يموت.

يموت منه شيء …

ويولد منه شيء .

لذلك لا تقل إنك جئت لتأخذ أبي.

فقد جئت متأخرا.

لقد أخذ أبي مكانه في انتظاري

ولن تستطيع الوصول إليه هناك.

الفجر يقترب.

وللمرة الأولى منذ دخل أبي العناية،

لم أعد اشعر اني خائف مما سيقوله الصباح.

أنتظر الفجر.

وأنتظر أبي.

وأنا لا أعرف أيهما سيصل أولا…

لايهم

لاني ساناديه عند اول شروق الشمس : ابي

وسيرد علي ان كان حاضرا ام غائبا بابتسامة : اذهب الى عائلتك يابني واسترح ، فقد اتعبتك اليوم.

 

منقول من صفحة أميه قاسم المقداد

maya Mekdad‎‏ مع ‏‎Kassem Almekdad‎‏.

22 سبتمبر الساعة 2:39 ص ·

(ما لم يستطع القبر أن يدفنه)

وصلنا إلى غصم ظهراً.

ولم أعرف، وأنا أنظر إلى النعش يُنزَل من سيارة الإسعاف، هل نحن الذين وصلنا إلى القرية، أم أن أبي هو الذي عاد أخيراً إليها.

وُضع النعش في باحة المضافة العتيقة لبيت جدي.

كُشف وجهه.

جاءت النساء.

أخواته، قريباته، ونساء القرية اللواتي عرفنه كل واحدة بطريقتها. اقتربن منه، وارتفع البكاء، ثم اعتلت عمته العجوز حافة التابوت، وانحنت عليه، وأخذت تلقي شعراً موجعاً، كأنها تحاول بالكلمات أن تسترد رجلاً من الصمت.

نظرت إلى وجه أبي.

كان هادئاً.

هادئاً كأنه نائم بعد الظهر، في الموعد الذي اعتاد أن ينسحب فيه من العالم قليلاً.

قلت له:

— أبي، هل تسمعهم؟

لم يجب.

قلت:

— لماذا تبدو نائماً؟

جاءني صوته، كما كان يأتي دائماً من وراء نظارته:

— لأنك ما زلت تحتاج إلى أن يكون هذا نوماً.

قلت:

— أريدك أن تستيقظ.

قال:

— أعرف.

— إذن استيقظ.

صمت قليلاً، ثم قال:

— هذه أول مرة تطلب مني شيئاً لا أستطيع أن أفعله.

—

نُصب فوق النعش سقف من الشعر.

كانت الشمس في منتصف السماء، وبدأ أهل القرية والأقارب يتوافدون.

أيدٍ تمتد إليّ.

وجوه تقترب.

عبارات عزاء تتكرر.

كنت أنظر إلى النعش ولا أفهم.

قلت له:

— لماذا يعزّونني بك وأنت أمامي؟

قال:

— لأنهم يرون ما لا تريد أنت أن تراه.

— ماذا يرون؟

— النهاية.

قلت:

— وأنا لا أراها.

قال:

— لأنك ابني.

ثم سكت قليلاً:

— الابن لا يرى أباه بالطريقة التي يراه بها الآخرون.

قلت:

— وكيف يرونه؟

قال:

— كل واحد يرى جزءاً منه.

نظرت إلى الناس.

قلت:

— وأنا؟

قال:

— أنت كنت ترى الرجل.

— وهل هذا أقل من كل ما رأوه؟

قال:

— بل أكثر إرباكاً.

—

حين نقلوا النعش، ذهب أبي في سيارة، وذهبت أنا في سيارة أخرى.

وللمرة الأولى منذ المستشفى شعرت بمسافة بيننا.

قلت:

— الآن ابتعدت عني.

قال:

— لا.

— كيف لا؟

— أنت الذي أصبحت في السيارة الأخرى.

— وما الفرق؟

قال:

— أن المسافة لم تكن بيننا يوماً في المكان.

— أين كانت؟

قال:

— في الجسد.

ثم قال:

— ما دمتَ ترى الإنسان في جسده، ستظن أن موته يأخذه كله.

—

في الطريق إلى المقبرة كان السهل مفتوحاً.

التراب أحمر.

والغيوم بيضاء.

قلت:

— هل كنت تعرف أن نهايتك ستكون هنا؟

قال:

— كل من يولد في مكان ما يحمل في داخله احتمال العودة إليه.

قلت:

— كنتَ تغادر غصم دائماً.

قال:

— نعم.

— دمشق، باريس، الجامعة، الكتب، اللغات…

قال:

— المكان الذي يغادره الإنسان لا يعني أنه غادر نفسه.

نظرت إلى التراب.

قلت:

— وهل ستعود الآن إلى نفسك؟

قال:

— ربما.

ثم أضاف:

— لكن لا تجعل من القبر جواباً عن سؤال أكبر منه.

—

حملنا النعش.

كانت الخطوات سريعة.

نتعثر بأقدام بعضنا، ثم نتابع.

قلت:

— لماذا نمشي بهذه السرعة؟

قال:

— لأن الأحياء يستعجلون كل شيء.

— حتى دفن موتاهم؟

— خصوصاً موتاهم.

— لماذا؟

قال:

— لأنهم يريدون أن ينتهوا من الموت كي يعودوا إلى الحياة.

قلت:

— وأنا لا أريد العودة.

قال:

— ستعود.

— لا أريد.

قال:

— ستعود، وستغضب مني لأنني تركتك، ثم ستفهم بعد وقت طويل أنني لم أتركك بالطريقة التي تظن.

—

صُلّي عليه عند طرف المقبرة.

وقفت خارجاً وأشعلت سيجارة.

قلت:

— أبي، أنا أدخن في جنازتك.

قال:

— كان يمكن أن يكون أسوأ.

ضحكت.

ثم بكيت.

قلت:

— حتى الآن تسخر.

قال:

— لو توقفت عن السخرية لأنني مت، فهذا يعني أنني مت مرتين.

سكت.

ثم قلت:

— هل أنت خائف؟

قال:

— من ماذا؟

— من الموت.

قال:

— الخوف ليس من الموت.

— من ماذا إذن؟

قال:

— من أن نكتشف أن كل ما عرفناه عنه كان مجرد استعارة.

نظرت إليه.

قلت:

— وأنت، ماذا تعرف عنه؟

قال:

— الآن؟

— نعم.

قال:

— أعرف أنني لم أعد أستطيع أن أشرح لك.

—

أنزلوا النعش إلى الحفرة.

اختبأت خلف الرجال.

كنت أنظر من بين أرجلهم إلى الأسفل.

لم أرَ أبي.

رأيت غباراً.

أيدي تتحرك.

خشباً يهبط.

حجارة.

وحركة لا تشبه شيئاً من الحياة التي عرفتها.

قلت:

— أين أبي؟

قال:

— هنا.

— لا أراك.

قال:

— لأنك تبحث عني في المكان الذي انتهيت فيه.

قلت:

— وأين أبحث؟

قال:

— في المكان الذي بدأت فيه.

— أين؟

قال:

— في السؤال.

—

دفعني أحدهم إلى الأمام.

اقتربت.

نظرت إليه.

وانتظرت أن أعرفه.

لم أعرفه.

قلت:

— هذا ليس أبي.

قال:

— الآن فقط صدقت.

— ماذا؟

— أنني لست هذا الجسد.

قلت:

— لكنه وجهك.

— كان وجهي.

— ويداك.

— كانتا يدي.

— وصوتك؟

صمت.

قلت:

— أين صوتك؟

قال:

— هنا.

وأشار، في خيالي، إلى شيء لا أراه.

قلت:

— أين؟

قال:

— في كل مرة ستختلف معي فيها.

—

بدأ التراب يسقط فوقه.

ابتعدت.

أبعدني الناس.

لكنني أردت العودة.

قلت:

— اتركوني.

لم يتركوني.

قلت له:

— هناك غبار عليك.

قال:

— دعه.

— لا أستطيع.

— كنتَ تفعل ذلك دائماً.

— ماذا؟

— كنت تريد أن تزيل الغبار عن كتبي.

قلت:

— والآن أريد أن أزيله عنك.

قال:

— هذه المرة لن تستطيع.

قلت:

— لماذا؟

قال:

— لأنك لا تستطيع أن تنقذ أباك من كل شيء.

كانت الجملة أقسى من التراب.

قلت:

— كنتُ أستطيع أن أفعل أي شيء من أجلك.

قال:

— أعرف.

— فلماذا لم أستطع هذه المرة؟

قال:

— لأن الحب ليس قوةً تمنع الموت.

ثم سكت.

— الحب هو الشيء الذي يبقى بعد أن تعجز القوة.

—

أخرجوني إلى الخارج.

بدأت سلسلة الناس.

يد تمتد.

سلام.

تعزية.

وجه.

يد أخرى.

كأن القرية كلها كانت تمر أمامي لتقول لي إن أبي كان هنا.

قلت له:

— لماذا يحتاج موت الإنسان إلى كل هؤلاء الشهود؟

قال:

— لأن الإنسان يترك نفسه موزعة بين الآخرين دون أن يعرف.

— وهل يعرفونك؟

قال:

— كل واحد منهم يعرف نسخة.

— وأنا؟

— أنت تعرف أكثر.

قلت:

— هل أعرفك حقاً؟

قال:

— أنت تعرفني كأب.

— أليست هذه المعرفة كافية؟

قال:

— هي أعمق المعارف وأعجزها في الوقت نفسه.

—

حين ذهب الناس، عدت إلى القبر.

وحدي.

وقفت أمامه.

كان التراب لا يزال طرياً.

قلت:

— الآن نستطيع أن نتحدث.

قال:

— الآن لا يوجد أحد.

جلست.

قلت:

— ماذا أقول لك؟

قال:

— لا شيء.

— كيف لا شيء؟

— لقد قلنا كل شيء.

قلت:

— لا.

قال:

— بلى.

قلت:

— كان لدينا وقت.

قال:

— كلنا نعتقد ذلك.

نظرت إلى القبر.

قلت:

— كنت سأخبرك بأشياء كثيرة.

قال:

— أخبرتني بأشياء لم تكن تعرف أنك أخبرتني بها.

—

تذكرت مكتبك.

كنت أجلس أمامك بين الكتب.

تنظر إليّ من تحت نظارتك.

وفي يدك سيجارة تكاد لا تنطفئ.

كنت أجيء إليك بسؤال، فنبدأ من السماء.

ثم نهبط إلى المضائق.

ومنها إلى الحروب والأزمات.

ثم إلى الأنبياء.

ثم إلى كسرى.

ثم، بطريقة لا أعرف كيف كنت تفعلها، نصل إلى كسرة خبز.

قلت:

— أبي، كنا نفكك العالم كله.

قال:

— لم نكن نفككه.

— ماذا كنا نفعل إذن؟

قال:

— كنا نحاول أن نرى ما يخفيه.

قلت:

— والآن؟

قال:

— الآن أنت أمام الشيء الذي لا يستطيع التفكيك أن يكشفه.

— الموت؟

قال:

— لا.

— فما هو؟

قال:

— حدود المعرفة.

سكت.

ثم قال:

— هذه أكثر الأشياء التي يخدع الإنسان نفسه بشأنها.

—

قلت:

— وأنت الذي عشت مع اللغة، كيف لم تجد كلمة واحدة لهذا؟

قال:

— لأن اللغة عظيمة، لكنها ليست إلهاً.

— كنتَ تترجم للناس كلماتهم.

— نعم.

— لماذا لا تترجم لي ما يحدث الآن؟

قال:

— لأن بعض الأشياء لا تُترجم.

— ماذا تفعل بها إذن؟

قال:

— تعيشها.

قلت:

— أنا لا أعرف كيف.

قال:

— لهذا أنت ابني.

—

نظرت إلى قبرك.

قلت:

— جلجامش بحث عن الخلود.

قال:

— نعم.

— ولم يجده.

— لأنه كان يبحث عنه في المكان الخطأ.

— وأين هو؟

قال:

— في الشيء الذي يتركه الإنسان حين يعرف أن جسده لن يبقى.

قلت:

— الكتب؟

قال:

— ليست الكتب وحدها.

— ماذا إذن؟

قال:

— الإنسان الذي جعله وجودك مختلفاً.

—

قلت:

— وماذا تركت فيّ؟

قال:

— لا تستعجل الإجابة.

— لماذا؟

— لأنك إذا عرفت الآن، ستغلق السؤال.

— وأنت كنت تكره الأسئلة المغلقة.

قال:

— كنت أكره كل معنى يدّعي أنه الأخير.

ثم قال:

— لا تجعل موتي معنىً نهائياً أيضاً.

—

مددت يدي إلى التراب.

سوّيته قليلاً.

كان التراب الأحمر بين أصابعي.

قلت:

— هذا كل ما بقي منك هنا.

قال:

— لا.

— ماذا بقي؟

— ما لم تستطع أن تدفنه.

قلت:

— وما هو؟

قال:

— أنا.

—

أشعلت سيجارة.

وضعتها فوق قبرك.

ثم أخذتها.

قلت:

— هذه لك.

قال:

— لا.

— لماذا؟

— لأنك تعرف أنني أريدها.

— إذن؟

قال:

— لأنك أنت الذي تحتاجها.

دخنت.

تصاعد الدخان.

قلت:

— كنت ستطلب سيجارة الآن.

قال:

— وكنت ستعطيني إياها.

— نعم.

قال:

— إذن لا تغير عاداتنا كلها دفعة واحدة.

ابتسمت.

ثم بكيت.

قلت:

— أريدك أن تكون هنا.

قال:

— أنا هنا.

— لا.

— إذن قل لي: ماذا تريد تحديداً؟

قلت:

— أريد أن أجلس معك.

قال:

— اجلس.

— وأنت؟

صمت.

ثم قال:

— تحدث.

—

قلت:

— أبي، ماذا أفعل بعدك؟

قال:

— لا تفعل شيئاً بعدي.

— ماذا يعني؟

— افعل شيئاً لك.

قلت:

— كنت دائماً تريد مني أن أفكر.

— ما زلت.

— وأن أختلف.

— خصوصاً معي.

— وأن أبحث عن المعنى.

قال:

— حتى لو قادك إلى مكان لم أذهب إليه.

—

وقفت.

نظرت إلى القبر.

قلت:

— هل انتهى حديثنا؟

قال:

— لا.

— كيف لا؟

— لأنك ستعود.

— إلى هنا؟

قال:

— لا.

— إلى أين؟

قال:

— إلى حياتك.

قلت:

— وكيف أعود إليها وأنت لست فيها؟

قال:

— ومن قال إنني لست فيها؟

قلت:

— أنا لا أراك.

قال:

— أنت ترى الأشياء التي خلفتها.

قلت:

— هذا ليس أنت.

قال:

— ربما.

ثم قال:

— وربما كنت طوال حياتي أعلّمك ألا تبحث عن الحقيقة في ظاهر الأشياء.

—

أطفأت السيجارة.

وضعتها فوق التراب.

وقلت:

— سأشتاق إليك.

قال:

— أعرف.

— سأغضب منك.

قال:

— أعرف.

— سأختلف معك.

قال:

— أتمنى ذلك.

— سأحتاجك.

صمت طويلاً.

ثم قال:

— عندما تحتاجني، لا تبحث عني في الماضي.

— أين أبحث؟

قال:

— في السؤال الذي كنت ستأتي به إلى مكتبي.

–  –  –

خرجت من المقبرة.

ركبت السيارة.

ولم أنظر خلفي.

كان السهل يبقى هناك.

التراب الأحمر.

الغيوم البيضاء.

القبر.

وغصم التي أخذت أبي إلى الأرض التي خرج منها.

لكن شيئاً واحداً لم أستطع تركه هناك.

الحوار.

ذلك الحوار الذي بدأ منذ كنت أدخل عليه، فأجده خلف مكتبه بين كتبه، وأقول شيئاً صغيراً، فيفتح لي منه العالم كله.

الآن لا مكتب.

لا نظارة.

لا يد تحمل السيجارة.

لا صوت.

ومع ذلك…

كان السؤال ما يزال مفتوحاً.

وقد فهمت، وأنا أبتعد عن المقبرة، أن الموت لم يمنحني آخر كلمة مع أبي.

بل أخذ منه فقط حق الإجابة.

أما الأسئلة…

فتركها كلها لي.

ولهذا لم أقل:

«وداعاً يا أبي.»

قلت:

«سنختلف لاحقاً.»

ومضيت.

لأنني عرفت أخيراً أن أبي، الرجل الذي قضى عمره يطارد المعنى بين اللغة والأسطورة والمعرفة والحكاية، ترك لي أصعب كتبه:

كتاباً لا يستطيع أن يكتبه إلا ابنه.

وصفحته الأولى…

كانت ذلك القبر.

أما الصفحة الثانية،

فكانت الطريق التي خرجتُ بها منه.

 

منقول من صفحة أمية قاسم المقداد

الأربعون يومًا التي لم تُنهِ شيئًا

لا أؤمن بالأربعين يومًا، ولا أعتقد أنّ الزمن يملك طقوسًا سرّية يعبر بها الموتى من حالٍ إلى حال، أو أنّ للأيام قدرةً على إتمام ما عجزت الحياة عن إتمامه. ومع ذلك، ها أنا أكتب في اليوم الأربعين لرحيل أبي؛ لا وفاءً لرقم، ولا انتظارًا لتحوّلٍ غامض، بل لأنّ أربعين يومًا تكفي أحيانًا كي نكتشف أنّ ما حدث أكبر من أن يُختصر في لحظة حدوثه.

 

أعرف ما حدث لجسدك يا أبي. أعرف ما تقوله الحقيقة حين تُغلق بابًا خلف إنسان، وتتركنا في الجهة الأخرى. لكنّ الحقيقة، على صراحتها، لا تقول كلّ شيء. فهي تخبرني أنّك رحلت، ولا تستطيع أن تشرح لي كيف يبقى إنسانٌ في حياتنا بعدما يغادرها، وكيف يمكن لعلاقةٍ أن تفقد إمكان اللقاء، من دون أن تفقد حقيقتها، أو أن تتحوّل إلى ماضٍ مكتمل.

 

خلال هذه الأيام الأربعين، لم تكن حيًّا بالمعنى الذي يسمح لي أن أراك، ولم تصبح ميتًا بالمعنى الذي يجعلني أضعك في خانة ما انتهى. لم أخلط بين الأمرين، ولم أحتج إلى إنكار أحدهما كي أحتمل الآخر. كنت أعرف أنّك رحلت، فيما ظلّ شيءٌ من علاقتنا خارج حدود هذه المعرفة؛ شيءٌ لا يعيدك إلى الحياة، لكنه لا يسمح للحياة التي عشناها معًا بأن تنغلق على نفسها. كأنّ الموت قد حسم مصير الجسد، وترك للمحبّة سؤالًا لم يكن من اختصاصه أن يجيب عنه.

 

أربعون يومًا، وأنت في مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه، فيما لا يزال لك في داخلي مكانٌ لا يحتاج إلى أن أصل إليه. لم يعد بإمكاني أن أطرق باب مكتبك، لكنّني لم أفقد الطريق الذي كنتُ أسلكه إليك. تغيّرت جهة اللقاء، ولم تتغيّر قيمة الإنسان الذي كنتُ ألقاه. وهذا، في ظنّي، ما يجعل الفقد أكبر من مجرّد غياب: أن يبقى فينا ما يستحقّ أن نذهب به إلى من رحل، بعدما صار الذهاب إليه مستحيلًا.

 

لم يحدث بيننا، خلال هذه الأيام، شيءٌ جديد. وهذه إحدى حقائق الفقد التي لا تُقال بما يكفي: أنّ الحياة التي كانت تتّسع كلّ يوم لاحتمال حديثٍ آخر معك، لسؤالٍ لم يخطر لي من قبل، أو لفكرةٍ تحتاج إلى أن تمرّ على عقلك كي أراها من جهةٍ لم أنتبه إليها، فقدت فجأةً قدرتها على إضافة شيءٍ إلى ما كان بيننا. لم ينقص حبّي لك، بل انقطع عنه ذلك المستقبل الذي كان يجدّد نفسه كلّما التقينا.

 

لم أكن أبحث فيك عن أبٍ يدلّني على الطريق. كنتُ قد كبرتُ بما يكفي لأعرف أنّ الطريق مسؤوليتي، وأنّ القرار الذي لا أصل إليه بنفسي لا يستحقّ أن أتّخذه. كنتُ أبحث عنك لأنني أحببتُ عقلك، ولأنني أحببتُ الإنسان الذي كان يسكنه، ولأنّ الحديث معك لم يكن يمنحني أجوبةً جاهزة بقدر ما كان يعيد إليّ أسئلتي وقد صارت أقلّ ارتباكًا. كنتَ تعرف كيف تبدأ من النقطة التي انتهيتُ إليها، وكيف تترك للصمت وقتَه، وكيف تنظر إليّ أحيانًا بتلك الابتسامة التي تقول إنني جعلتُ الأمر أعقد ممّا ينبغي.

 

لم تكن تحتاج إلى أن تنتصر في حديث، ولا إلى أن تضع أفكارك في رأسي. كنتَ تتركني أصل، ثم تتراجع قليلًا، كأنّ متعة الفكرة لا تكتمل إلا إذا ظنّ صاحبها أنّه اكتشفها وحده. ولم أفهم، إلا بعد رحيلك، كم كان في تلك المسافة الصغيرة بين ما تقوله وما تتركه لي من حرية شيءٌ يشبه الحبّ في أنقى أشكاله: ألّا تستولي على حياة من تحبّ، حتى وأنت تساعده على فهمها.

 

لهذا أعرف ما الذي أفتقده حين تتراكم الأسئلة في رأسي. أفتقد أن أجلس قبالتك، وأن أضع أمامك ما يشغلني، لا كي تتولّى عنّي التفكير، بل كي أرى كيف يمكن لعقلٍ آخر أن يضيء ما اعتدتُ النظر إليه من جهة واحدة. أفتقد قدرتك على تفكيك ما يبدو مستحيل الفهم، وعلى ردّ الأشياء إلى أحجامها من دون أن تُنكر تعقيدها. وأفتقد، أكثر من ذلك، أن يكون ثمة إنسان أستطيع أن أراجع أمامه ما أظنّني فهمته، ثم أخرج من الحديث أكثر قربًا من نفسي، لا أكثر شبهًا به.

 

لم أكن أحتاج إليك كي أعيش، لكنّني كنتُ أريد أن أعيش ذلك الجزء من الحياة معك. والفرق بين الأمرين هو كلّ ما لا تستطيع الكلمات العادية أن تقوله عن فقد الأب حين يكون، إلى جانب أبوّته، إنسانًا اختار ابنه أن يصادقه، وأن يصغي إليه، وأن يظلّ فضوليًّا تجاه عالمه ما دام في العمر متّسعٌ لاكتشاف المزيد منه.

 

لم أكن أعرف أنّ المستقبل الذي نحبه مع إنسانٍ ما يتكوّن، في جزءٍ كبير منه، من أشياء لم نفعلها بعد: حديثٍ لم نبدأه، سؤالٍ لم نسأله، خبرٍ لم نروِه، وضحكةٍ لم نعرف بعد ما الذي سيُطلقها. وحين يموت ذلك الإنسان، لا يموت الماضي وحده ولا المستقبل وحده؛ يبقى الماضي كاملًا، ويظلّ المستقبل ممكنًا من جهتنا، لكنه يفقد فجأةً أحد الذين كان ينبغي أن نمرّ بهم في طريقه.

 

أحيانًا أتذكّر مكتبك، وأشعر أنّ الأشياء تستطيع أن تُبقي شكل الحياة قائمًا، لكنها لا تستطيع أن تعيد إليها طريقتها الخاصة في الحدوث. قد يبقى الكرسيّ في مكانه، والنافذة مفتوحةً على الضوء، والكتب التي لم تنتهِ منها في انتظار قراءةٍ أخرى، وقد يبدو كلّ شيء قابلًا لأن يُستأنف من النقطة التي توقّف عندها. لكنّ الحياة ليست الأشياء التي تركناها وراءنا؛ الحياة هي ما كان يحدث بينها حين كنتَ هناك.

 

لم أكن أريد نسخةً أصغر منك، ولا جسدًا معافىً يعود من المستشفى، ولا أبًا جديدًا يُمنح لي كي أتعزّى عن أبي. كنتُ أريدك أنت، بصورتك الأخيرة كما عرفتها: رجلًا يضيق بالمبالغة في الاهتمام، ويظنّ أنّ العودة إلى مكتبه ربما لا تحتاج إلى كلّ ذلك الاستنفار، ويترك في كلامه ما يكفي من الأمل كي يواصل يومه كأنّ الغد ما زال أمرًا عاديًّا. كنتُ أريد تلك النسخة منك التي لم تكن تعرف أنها الأخيرة؛ لا لأنها الأجمل، بل لأنها لم تكن قد تحوّلت، في أعيننا، إلى وداع.

 

ما زلتُ أراك في تلك التفاصيل التي لم تكن، في وقتها، تستحقّ أن نتوقّف عندها طويلًا: في هدوء صوتك، وفي ابتسامتك حين أدخل، وفي يدك التي كانت تشير إلى الأفق كأنّك لا تريد أن تريني ما تراه، بل أن تمنحني موقعًا أستطيع منه أن أراه بنفسي. أراك في اختصارك، وفي تلك الحكمة التي لم تكن تحتاج إلى أن تعلن عن نفسها، وفي قدرتك على أن تقول جملةً واحدة تترك للآخر مسؤولية حياته كاملة.

 

لم تكن حكيمًا لأنك امتلكت جوابًا لكلّ شيء، بل لأنك عرفت ما الذي يستحقّ أن يشغلنا، وما الذي ينبغي ألّا نمنحه أكثر ممّا يستحقّ. لم تكن كاملًا، ولم أحتج يومًا إلى أن تكون كذلك كي أحبّك. كنتَ إنسانًا بحدودك وتعبك وتناقضاتك، وكنتَ أبي قبل أن تكون أيّ شيءٍ آخر. أحببتُ فيك ما فهمتُه، وما لم أفهمه، وما عرفته عنك، وما ظللتُ أريد أن أعرفه. وكلّما ظننتُ أنني اقتربتُ من معرفة عالمك الداخلي، اكتشفتُ أنّ وراءه بابًا آخر لم أطرقه بعد.

 

الآن، انتهت قدرتي على اكتشافك من خلالك، ولم تنتهِ رغبتي في معرفتك. وهذه ليست حيرةً أبحث لها عن حلّ، بل حقيقةٌ أستطيع أن أعيش معها من دون أن أزوّرها. لا أحتاج إلى أن أخترع لك حياةً أخرى كي أحتفظ بك، ولا إلى أن أحوّلك إلى حكمةٍ معلّقة فوق رأسي. يكفيني أن أعرف أنّ ما عشته معك لم يكن مجرّد فصلٍ انقضى؛ لقد صار جزءًا من تكويني، من الطريقة التي أفكّر بها، ومن قدرتي على النظر إلى الأمور من أكثر من جهة، ومن فهمي للحبّ الذي لا يصنع نسخةً من المحبوب، بل يترك له حريته حتى النهاية.

 

أربعون يومًا لا أؤمن بقدرتها على تغيير مصير الموتى، لكنها كشفت لي شيئًا عن الأحياء: أنّنا قد نواصل أعمالنا، ونعود إلى بيوتنا، ونتحدّث ونضحك ونفكّر في الغد، فيما يظلّ جزءٌ من علاقتنا بإنسانٍ رحل مفتوحًا على حياةٍ لم يعد قادرًا على مشاركتنا إياها. لا هو حيٌّ بالمعنى الذي يسمح لنا أن نعود إليه، ولا هو مجرّد ذكرى بالمعنى الذي يجعلنا نكتفي باستعادته. إنّه في تلك المسافة التي لا تقيم فيها الأجساد، ولا تستطيع المشاعر أن تجد لها عنوانًا؛ مسافةٌ لا تعيد الراحل، لكنها تكشف مقدار ما تركه فينا.

 

ولستُ أريد من هذه المسافة أن تكون معجزةً أو عزاءً. لا أطلب من الموت أن يتراجع، ولا من الزمن أن يعيد ما أخذه. أقبل الحقيقة كما هي، لا لأنّها أقلّ قسوةً ممّا ينبغي، بل لأنّني تعلّمت منك أنّ فهم الحقيقة لا يتطلّب أن نحبّها، وأنّ مواجهة ما حدث لا تعني أن نمنحه الحقّ في تحديد كلّ ما سيأتي بعده.

 

أربعون يومًا يا أبي، وما زلتُ كلّما مضيتُ في حياتي أشعر أنّني أمضي بها إليك أيضًا؛ لا لأنني أنتظر عودتك، بل لأنّ الإنسان الذي أحببته صار جزءًا من الجهة التي أمضي نحوها. كأنّ في الزمن بابًا أُغلق على أحد طرفيه، بينما ظلّ الطرف الآخر مفتوحًا في داخلي، لا يفضي إلى مكان، بل إلى كلّ ما لم نقله بعد.

 

ربما لا يموت الذين نحبّهم مرّةً واحدة؛ تموت إمكاناتهم في العالم، وتبقى آثارهم فينا تعمل بصمت، لا بوصفها بديلًا عنهم، بل بوصفها ما صنعوه فينا حين كانوا أحياء. أنت لم تعد هناك، حيث اعتدتُ أن أجدك، لكنّني لم أضعك في الماضي؛ فالماضي هو ما انتهى، أمّا ما صار جزءًا من تكويننا فلا ينتهي بالطريقة نفسها. لقد انتهت لقاءاتنا، ولم ينتهِ أثرها؛ انتهت قدرتي على أن أسمعك، ولم ينتهِ ما علّمتني إيّاه عن الإصغاء؛ وانتهى زمن الأسئلة التي كنتُ أطرحها عليك، لكنّ العقل الذي أحببتُ أن أحاوره سيظلّ، في ذاكرتي، أحد المقاييس التي أختبر بها وضوح أفكاري.

 

منذ رحيلك، لم أعد أتعامل مع كلمتي «كنتَ» و«أنتَ» كما كنتُ أفعل. الأولى تقول الحقيقة، والثانية تقول شيئًا آخر لا يناقضها: تقول إنّ علاقتي بك لا تُختصر في زمنٍ انتهى. لم تعد اللغة قادرةً على جمع الأمرين في جملةٍ واحدة، لكنّ حياتي تستطيع أن تحملهما معًا؛ أن تعرف أنك رحلت، وأن تعرف أيضًا أنّ حبّي لك لم يصبح فعلًا ماضيًا.

 

لهذا لن أقول إنّ أربعين يومًا مضت، ولا إنّ أربعين يومًا ستبقى. الأرقام تعرف كيف تحصي ما يعبر، لكنها لا تعرف ماذا يفعل العابر فينا. سأترك لهذا اليوم أن يكون شاهدًا على ما تغيّر، لا حكمًا على ما انتهى. لقد مضت أربعون يومًا من دون أن أراك، لكنها لم تمحُ يومًا واحدًا من الأيام التي عشتها معك، ولم تجعلني أقلّ معرفةً بقيمتك، بل جعلتني أرى بوضوحٍ أشدّ أنّ الإنسان قد يغيب عن الحياة المشتركة، من دون أن يفقد مكانه في حياة من أحبّوه.

 

أمّا أنت يا أبي، فأعرف ما كنتَ ستفعله لو قرأتَ كلّ هذا. كنتَ ستبتسم، وربما أغمضتَ عينيك قليلًا، ثم قلتَ إنّ النص طويل. كنتَ ستختصر كلّ هذا الكلام في جملةٍ واحدة، وتتركني أكتشف وحدي ما الذي يجعلها كافية. ولن أجادلك هذه المرّة. سأقبل ملاحظتك، وأحتفظ بما لم تستطع الجملة القصيرة أن تحمله: أنّني أحببتك أكثر ممّا كنتُ أقول، وأنّني لم أفرغ من معرفتك، وأنّ أكثر ما يؤلمني ليس فقط أنّني لن أراك، بل أنّ العمر لن يمنحني فرصةً أخرى لأكتشف فيك ما لم أكتشفه بعد.

 

أربعون يومًا يا أبي. لا أكتبها لأتعلّم كيف أعيش من دونك؛ فقد علّمتني، من دون أن تقصد، كيف أمضي في حياتي من غير أن أتنازل عن عقلي، ولا عن حريتي، ولا عن مسؤوليتي تجاه ما أختار. أكتبها لأنّ المضيّ لا يعني أن نترك وراءنا كلّ ما أحببناه، ولأنّ الوفاء لا يكون بأن نتوقّف عند الراحلين، بل بأن نحمل ما منحونا إيّاه إلى الحياة التي لم تنتهِ بعد.

 

سأمضي، يا أبي. لا لأنّ الفقد صار أخفّ، ولا لأنّ أربعين يومًا أدّت طقسها المفترض، بل لأنّ الحياة التي أحببتها فيك تستحقّ أن أواصلها بوعيٍ يليق بها. سأفكّر، وأختار، وأخطئ، وأراجع نفسي، وأضحك حين يكون للضحك مكان، وأحزن عليك من دون أن أعتذر عن حزني. وسأظلّ أريد أن أخبرك بما يحدث، لا لأنني عاجزٌ عن مواجهته وحدي، بل لأنّ بعض الأخبار لا تكتمل فرحتها، وبعض الأسئلة لا تكتمل متعتها، إلا حين نتخيّل كيف كان سيتلقّاها إنسانٌ أحببناه.

 

أربعون يومًا يا أبي، وما زلتُ أريد أن أخبرك بشيء. وهذه المرّة أعرف تمامًا ما الذي أريده: لا أريد أن أستعيدك من الموت، ولا أن أحوّلك إلى ذكرى أستطيع احتمالها؛ أريد أن أظلّ ابنك، وأن تبقى أبي، حتى بعد أن انتهى الشكل الذي كانت تحدث فيه هذه العلاقة.

 

كنتَ تعرف أنّ الحياة لا تنتظر اكتمال فهمنا لها، وأنّ علينا أن نمضي حتى حين لا تكتمل الصورة. وقد مضيتَ أنت إلى حيث لا أستطيع اللحاق بك، وبقيتُ أنا في الجهة الأخرى، أحمل ما تعلّمته منك، وأعرف أنّ عليّ أن أواصل الطريق بنفسي. ليس لأنني لم أعد أحتاج إلى حديثنا، بل لأنني أعرف ما الذي كنتَ ستريده لي: ألّا أُسلّم حياتي لما لا أستطيع تغييره، وألّا أخلط بين الحزن والعجز، وألّا أجعل من غيابك نهايةً لما كنتَ تساعدني على بنائه في نفسي.

 

أربعون يومًا، يا أبي. رحلتَ عن حياتي، لكنّك لم تصبح خارجها. ولن أضعك في ماضٍ مغلق كي أتمكّن من المضيّ، ولن أقف عند غيابك كي أثبت أنّني أحببتك. سأمضي، وأنت جزءٌ من الطريقة التي أمضي بها؛ وسأحمل اسمك في داخلي لا كعبءٍ على ظهري، بل كشيءٍ استقرّ في تكويني وصار منّي.

 

وحين يأتي يومٌ أبلغ فيه أفقًا كنتَ تشير إليه بيدك، أو أفهم مسألةً كنتَ تتركني أصل إليها وحدي، سأعرف أنّني لم أصل بدلًا منك، ولا نيابةً عنك؛ سأكون قد وصلتُ بفضل ما تركته فيّ، وبفضل تلك المحبّة التي لم تكن تحتاج إلى إعلانٍ كي تغيّر الإنسان.

 

وهذا ما أريد أن أقوله لك في اليوم الأربعين، يا أبي: لن أبحث عنك في ما انتهى، لأنني أعرف أين أجد أثرك في ما سيأتي. لن أطلب من الزمن أن يعيدك، ولن أطلب من الذاكرة أن تحلّ مكانك. سأعيش حياتي كاملةً، وأحبّك فيها حبًّا كاملًا؛ لا أنقص منه كي أحتمل رحيلك، ولا أزيد على حقيقتك كي أحتمل غيابك.

 

أربعون يومًا لم تُعدك، ولم تُنهِك فيّ. أمّا أنا، ابنك، فسأمضي كما علّمتني أن أمضي: بعينين مفتوحتين على الحقيقة، وعقلٍ لا يتنازل عن حريته، وقلبٍ يعرف أنّ بعض الخسارات لا نتجاوزها، بل نتّسع لها.

 

لقد رحلتَ يا أبي، وهذه هي الحقيقة. لكنّ الحقيقة الأخرى، التي لا تقلّ رسوخًا، هي أنّني عشتُ معك ما يكفي كي لا يكون رحيلك آخر ما ستفعله في حياتي.

 

 

لروحه السلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار