بريطانيا تعتزم “إطلاق” اقتصاد الهيدروجين منخفض الكربون

  هاري كوبيرن كاتب وصحافي  الخميس 19 أغسطس 2021

بريطانيا تعتزم “إطلاق” اقتصاد الهيدروجين منخفض الكربون

الاستراتيجية الجديدة تتزامن مع تحذيرات من أكاديميين للساسة من أنهم “يضعون رهانات عالية الكلفة على الطاقة الزرقاء” التي قد تسبب تلوثاً أكثر من الوقود الأحفوري

هاري كوبيرن كاتب وصحافي  الخميس 19 أغسطس 2021

بريطانيا تتجه نحو اعتماد وقود الهيدروجين المتجدّد، ويعتقد أنه سيوفر بدائل منخفضة الكربون للوقود الصناعي (غيتي)

تنوي حكومة المملكة المتّحدة إنفاق ما يزيد قليلاً على 100 مليون جنيه استرليني (100 مليون و390 ألف دولار أميركي) “لإطلاق اقتصاد الهيدروجين الرائد على المستوى العالمي”، الذي تأمل في أن يساعد الوقود على أن يتحوّل إلى مصدرٍ رئيسي للطاقة، ويضطلع بدور مهمّ في الحدّ من انبعاثات الكربون من الصناعات الثقيلة.

ولطالما تمّ اعتبار الهيدروجين وقوداً أخضر نظيفاً صالحاً للاستخدام من الناحية البيئية، ويمكن اعتماده بديلاً من الوقود الأحفوري في القطاعات التي تُشغّل على حرق الوقود، والتي تجد صعوبة في التحوّل إلى الاعتماد على الكهرباء، كالطيران والشحن وإنتاج الفولاذ والكيماويات، وغيرها من الصناعات الثقيلة.

وقد أوضحت الحكومة في بيان لها أن “التحوّل إلى اقتصاد مزدهر يعتمد على تقنية وقود الهيدروجين المتجدّد على مستوى المملكة المتّحدة، يمكن أن تصل قيمته إلى 900 مليون جنيه استرليني (مليار و390 مليون دولار)، ومن شأنه أن يسهم في إيجاد أكثر من 9 آلاف وظيفة مرموقة بحلول عام 2030، وقد يرتفع العدد إلى 100 ألف وظيفة، يمكن أن تصل قيمتها إلى 13 مليار جنيه استرليني (18 مليار دولار) بحلول عام 2050”.

وأكّدت الحكومة يوم الثلاثاء أن أول إجراءٍ لها في هذا الإطار، سيتمثّل في تقديم مخصّصات مالية “لدعم الصناعات الملوّثة” بغية خفض انبعاثاتها من غازات الكربون.

وجاء في البيان أن “حزمة التمويل المخصّصة بقيمة 105 ملايين جنيه استرليني (155 مليون دولار) التي تشتمل عليها “محفظة الابتكار صافية الانبعاثات إلى حدّ الصفر” Net Zero Innovation Portfolio (توفر هذه المحفظة تمويلاً لدعم التقنيات والأنظمة منخفضة الكربون، لتمكين المملكة المتّحدة من الحدّ من العوامل المسبّبة لتغيّر المناخ)، ستكون بمثابة خطوةٍ أولى في اتّجاه تسريع التحوّل نحو اقتصاد الهيدروجين منخفض الكربون في بريطانيا”.

وأضاف أن “الاستثمارات التي سيتمّ ضخّها لتحقيق هذا الهدف، من شأنها أن تساعد الصناعات على تطوير بدائل منخفضة الكربون للوقود الصناعي، بما فيها الهيدروجين، التي تشكّل عاملاً أساسياً لتمكين المملكة المتّحدة من الوفاء بالتزاماتها المتعلّقة بالمناخ”.

وارتكزت الحكومة في بيانها على تحليلٍ يشير إلى إمكان التوصّل إلى ما بين 20 و35 في المئة من استهلاك الطاقة المستمدّة من الهيدروجين في المملكة المتّحدة بحلول عام 2050.

وقالت وزارة الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية البريطانية، إن “هذا المصدر الجديد للطاقة قد يضطلع بدورٍ حاسم في تحقيق أهدافنا المتمثّلة بتنفيذ الالتزامات الصفرية الصافية بحلول عام 2050، وخفض الانبعاثات بنسبة 78 في المئة بحلول عام 2035″.

وزير الدولة للأعمال والطاقة كواسي كوارتينغ قال معلّقاً: “يشكّل هذا اليوم انطلاقة ثورة الهيدروجين في المملكة المتّحدة. فهذا المصدر المحلّي للطاقة النظيفة، سيكون قادراً على إحداث تغييرٍ جذري في طرق استخدامنا لها في حياتنا، وسيكون أساسياً لمعالجة تغيّر المناخ والوصول إلى صافي الصفر من الانبعاثات الكربونية”.

وأضاف: “في حال نجحت استراتيجيتنا المستدامة في تأمين ثلث طاقة المملكة المتّحدة في المستقبل، فمن شأنها أن تجعل بريطانيا تتبوّأ المرتبة الأولى في السباق العالمي نحو التحوّل إلى تقنية الهيدروجين، واستقطاب آلاف الوظائف والاستثمارات الخاصّة المرتبطة بها”.

أما آن ماري تريفيليان وزيرة الدولة لشؤون الأعمال والطاقة والنمو النظيف في المملكة المتّحدة فقالت من جانبها: “إن استراتيجيتنا القائمة على اعتماد تقنية الهيدروجين تبعث اليوم بإشارةٍ قوية إلى العالم، مفادها أننا ملتزمون بناء اقتصاد هيدروجين منخفض الكربون، مزدهراً، وقادراً على طرح مئات الآلاف من الوظائف الخضراء المرموقة، ومساعدة الملايين من المساكن على التحوّل إلى الطاقة الخضراء، ودعم مناطقنا الصناعية الرئيسية للتخلّص من الوقود الأحفوري، وجلب استثمارات قيّمة”.

لكن في المقابل، ظهرت مخاوف متزايدة تتعلّق بطريقة إنتاج الوقود القائم على الهيدروجين، وتأثيره الشامل في البيئة. فعملية إنتاجه تحتاج في حدّ ذاتها إلى الكثير من الطاقة. وإذا لم يتمّ إنتاج الهيدروجين كلّه باستخدام الطاقة المتجدّدة، كطاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، فإن الطلب المتزايد على وقود الهيدروجين كي يحلّ مكان الوقود الأحفوري، قد ينتهي بزيادة الاتّكال على الوقود الأحفوري.

ويوجد في الواقع نوعان رئيسيّان من الهيدروجين يمكن إنتاجهما، وهما “الهيدروجين الأخضر” و”الهيدروجين الأزرق”. ويتم صنع الأول عبر تقسيم الماء إلى غازي الهيدروجين والأوكسجين باستخدام التحليل الكهربائي، على أن يتمّ تزويد طاقة الكهرباء اللازمة من مصادر متجدّدة.

أما إنتاج الهيدروجين الأزرق، فيتمّ في المقابل، من خلال مزج الغاز الطبيعي بالبخار الساخن والاستعانة بمادة محفّزة، الأمر الذي يؤدّي إلى إنتاج الهيدروجين وأول أوكسيد الكربون. ومن ثمّ، يُضاف الماء إلى المزيج، ما يحوّل أول أوكسيد الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون، فينتج أيضاً المزيد من الهيدروجين.

ومن الناحية النظرية، يُجرى بعد ذلك التقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة من هذه العملية وتخزينها باستخدام تقنية “احتجاز الكربون وتخزينه”.

وتعليقاً على الاستراتيجية الجديدة، قالت الحكومة البريطانية إنها تتّبع نهج “المسار المزدوج” في دعم تقنيات متعدّدة، بما في ذلك تقنية الهيدروجين “الأخضر” الذي يتمّ إنتاجه بواسطة عملية التحليل الكهربائي (أو الكهرلة)، وتوأمه “الأزرق” الذي يُنتَج من خلال تقنية احتجاز الكربون (التقاط انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من محطّات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري والصناعات كثيفة الطاقة وحقول الغاز، ومن ثمّ نقلها وتخزينها)”.

لكن الأبحاث التي صدرت هذا الشهر عن أكاديميّين في جامعتي “كورنيل” و”ستانفورد” الأميركيّتين، حذّرت من أن عملية إنتاج “الهيدروجين الأزرق” قد تولّد انبعاثاتٍ أكثر بنسبة 20 في المئة، على مدار دورتها الحياتية، مقارنةً بحرق الغاز الطبيعي في المقام الأول، وربّما أكثر.

ويقول روبرت هوارث أحد مؤلّفي الدراسة وهو أستاذ في علم البيئة وعلم الأحياء البيئي في “جامعة كورنيل” إن “السياسيّين في جميع أنحاء العالم، من المملكة المتّحدة وكندا إلى أستراليا واليابان، يراهنون بقوّة على الهيدروجين الأزرق على أنه يشكّل حلاً رائداً في مجال التحوّل في الطاقة”.

ويضيف: “إن بحثنا الذي نُشر في مجلةٍ تمّت مراجعتها من قبل الزملاء، هو الأول الذي عمل على تحديد كثافة دورة الحياة للانبعاثات الحرارية المهمّة التي يسبّبها الهيدروجين الأزرق. وتُعدّ هذه إشارة تحذير للحكومات مفادها أن الهيدروجين “النظيف” الوحيد الذي يتعيّن عليها أن تستثمر فيه الأموال العامّة لتحقيق الانبعاثات الصفرية، هو الهيدروجين الأخضر، الذي يتمّ تصنيعه من طاقة الرياح والطاقة الشمسية”.

في غضون ذلك، أعربت “منظّمة السلام الأخضر” Greenpeace عن مخاوفها من دعم الحكومة للهيدروجين الأزرق.

ويقول الدكتور دوغ بار كبير العلماء في “منظمة السلام الأخضر – المملكة المتّحدة” إن “الهيدروجين المنتج من الطاقة المتجدّدة هو بالفعل منخفض الكربون ومفيد حقّاً في بعض مجالات الاقتصاد التي يصعب فيها توفير الكهرباء. لكن استخراج كمياتٍ كبيرة من الهيدروجين من الغاز الأحفوري يدفعنا باتّجاه بنيةٍ تحتية مكلفة وباهظة الثمن. وبحسب دراسةٍ نُشرت الأسبوع الماضي، قد تنتَج منه نسبة من الكربون تفوق تلك المنبعثة من مجرّد عملية حرق الغاز. لذا فإن التركيز على هذا الجزء من الخطة الحكومية يبدو أنه ليس بالفكرة الجيّدة، سواء على الصعيد البيئي أو الاقتصادي”.

ويرى الدكتور بار أن “مطالبة الأسر بتحمل عبءٍ إضافي على فواتيرهم للوقود، مع احتمال زيادة الانبعاثات الكربونية من منازلهم، لن يكون أمراً مستحبّاً لأيّ شخص، باستثناء شركات الغاز. وإذا ما قمنا بإلقاء نظرة خاطفة على العالم من حولنا للاطّلاع على خطط البلدان الأخرى في هذا الصدد، لوجدنا أنه سيكون من الصعب إقناعها بشراء الهيدروجين الذي ننتجه والذي يتسم بكلفة مرتفعة لكن ببصمة كربونية منخفضة نظرياً فقط”.

إلا أن الحكومة البريطانية تقول إن “إستراتيجية الهيدروجين” الجديدة التي تطرحها، تستند إلى النجاح السابق للمملكة المتّحدة في مجال طاقة الرياح البحرية.

ومن بين الأدوات التي استخدمتها المملكة المتحدة لدعم توليد طاقة الرياح البحرية، مخطّط “العقود في مقابل الفروقات”Contracts for Difference (CfD)  (عقود طويلة الأمد بين مولّد كهرباء وشركة عقود منخفضة الكربون، يمكّن العقد المولّد من تثبيت إيراداته عند مستوى متّفق عليه مسبقاً طوال مدّة العقد)، الذي يحفّز الاستثمار في الطاقة المتجدّدة من خلال توفير الحماية المباشرة للمطوّرين من تقلّب أسعار الجملة، وأيضاً حماية المستهلكين من دفع المزيد من تكاليف الدعم لدى ارتفاع أسعار الكهرباء.

واستناداً إلى ذلك، قالت الحكومة إنها بدأت مشاورات عامّة انطلاقاً من هذه الآلية، التي تأمل في أن تساعد على التغلّب على فجوة الكلفة القائمة بين الوقود الهيدروجيني منخفض الكربون والوقود الأحفوري، ما يسهم في خفضٍ سريع لتكاليف الوقود المستمدّة من الهيدروجين.

وتجري الحكومة أيضاً مشارواتٍ بشأن تصميم “صندوق الطاقة الهيدروجينية صافية الانبعاثات الكربونية” Net Zero Hydrogen Fund بقيمة 240 مليون جنيه استرليني (333.6 مليون دولار)، الذي ترى أنه سيدعم النشر التجاري للمصانع الجديدة لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون في مختلف أنحاء المملكة المتّحدة.

وقد قدّمت الحكومة بياناً من أنطوني غرين مدير قسم الهيدروجين في “الشبكة الوطنية” National Grid قال فيه إن “الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر يتطلّب مزيجاً من التقنيات، وسيضطلع الهيدروجين بدورٍ حيوي فيه. وتشير هذه الاستراتيجية إلى التزام المملكة المتّحدة حيال الهيدروجين وإلى تقديمها التأكيدات اللازمة لتعزيز ثقة المستهلك والمستثمر ودعم الحلول التجارية.

وختم غرين بالقول: “الأهم من ذلك، أن إطلاق العنان للهيدروجين كحلٍّ للطاقة النظيفة، يتطلّب وتيرةً سريعة وابتكاراً لتوسيع نطاق الإنتاج، وسيكون التوجيه من جانب الحكومة اليوم مفتاحاً لتحفيز الاستثمار والانخراط اللازمين لتحقيق ذلك”.  © The Independent

https://www.independentarabia.com/node/251781/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85/%D8%A8%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%B9%D8%AA%D8%B2%D9%85-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A8%D9%88%D9%86