
بوصلة السوريين المالية… الذهب يتقدّم على الليرة
المدن، دمشق - رهام علي الأحد 2026/01/25
بوصلة السوريين المالية… الذهب يتقدّم على الليرة
دمشق – رهام علي الأحد 2026/01/25
منذ سقوط النظام السوري السابق، لم يعد بريق الذهب في الأسواق السورية مجرد زينة، بل تحول إلى “بوصلة” وحيدة في مشهد مالي تتقاذفه الأمواج. ومع غياب “منصة تمويل المستوردات” التي خنقت التجارة لسنوات، وتوجه الحكومة الجديدة نحو إعادة هيكلة شاملة للقطاع، وجد السوريون أنفسهم أمام “عقد ذهبي” جديد، فبين محاولات التنظيم الرسمية وتدفقات المعدن الخام، تبرز تساؤلات كبرى حول هوية هذا الذهب ومستقبل السيولة في البلاد.
تنظيم “البعثرة” القديمة
بدأت القصة مع قرارات وزير الاقتصاد نضال الشعار، التي لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل محاولة لـ”رسم ملامح سيادة” على قطاع كان يعيش في غابة من التهريب، وعليه جاء إحداث “ضابطة خاصة” بالصاغة والتلويح بسحب تراخيص كل من يتعامل بذهب مسروق أو مجهول المنشأ، ليكون بمثابة رسالة واضحة لإعادة “الرسمية” للذهب السوري.
وترافق ذلك مع طموح رسمي أعلنه مصعب الأسود، مدير الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، بفتح “مصافي وطنية” تمنح السبائك السورية دمغة معترف بها، تنهي حقبة “الدمغات المحلية” المرتجفة.
لغز الـ13 طناً
ومع تداول أرقام فلكية في بعض الوسائل الإعلامية وصلت إلى 130 طناً، يضع الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور مجدي الجاموس النقاط على الحروف في حديثه لـ”المدن”، مؤكداً أن الرقم الصحيح والمنطقي للكميات المستوردة منذ مطلع 2025 هو حوالي 13 طناً.
ويرى الجاموس أن هذا الرقم، رغم ضخامته (التي تُقدر بملياري دولار)، هو أمر مفهوم في سياق “عدم الثقة” بالعملة. فالسوريون الذين عانوا من تقلبات الصرف لـ15 عاماً، وجدوا في الذهب “الملاذ الأخير”، خاصة مع التوترات التي رافقت إعلان الحكومة تغيير العملة القديمة.
لكن المثير في تحليل الدكتور الجاموس هو إشارته إلى أن جزءاً من هذه الكميات قد لا يكون استيراداً جديداً بالمعنى الحرفي، بل هو “إعلان” عن مخزونات ضخمة كانت مكدسة ومخبأة “منذ أيام النظام البائد”، وجاء الوقت اليوم لتصحيح بياناتها ورسملتها ككميات مستوردة رسمياً.
ذهب “الحقائب” وضعف الدولار
في السياق، وبحسب الدكتور الجاموس، فإن “المشهد لا يقتصر على كبار التجار؛ فثمة “ذهب حقائب” تدفق مع المغتربين، ولا سيما القادمين من دول الخليج، الذين جلبوا كميات لم يُصرح عنها وباعوها في سوق متعطش للذهب الخام”.
هذا النهم السوري للذهب، يتقاطع مع مشهد عالمي يتسم بضعف الدولار أمام المعدن الأصفر نتيجة سياسات “ترامب” والتوترات الجيوسياسية، مما جعل المستثمر السوري يهرب من “السيولة الورقية” (سواء كانت ليرة أو دولار) نحو “السيولة المعدنية”.
المشغولات للفقراء.. والأونصات للمستقبل
وفيما يتعلق بالفجوة بين المستورد الخام وما يُصنّع فعلياً (حوالي 7 أطنان)، يوضح الدكتور جاموس لـ “المدن” أن الطلب السوري يتوزع بين “المشغولات” التي تمثل مخزوناً شعبياً لذوي الدخل المحدود، وبين تحويل الفائض إلى “أونصات” للادخار الثقيل. ومع أن الصناعة السورية لم تصل بعد لمرحلة التنافسية الإقليمية مع أسواق كدبي أو العراق، إلا أن شهية الصاغة والمستثمرين لعدم إبقاء أموالهم بالعملة المحلية دفعتهم لشراء الذهب “بكل ما لديهم”.
الضابطة ليست “بنكاً مركزياً”
وعن الجدل المثار حول قرارات “الضابطة” وهدفها في ضبط السيولة، يضع جاموس فاصلاً حاداً، فيقول: إن “تنظيم قطاع الذهب هو رافعة استثمارية وليس أداة لضبط التضخم”. ويرى أن مهمة “ضبط السيولة النقدية” تقع حصراً على عاتق البنك المركزي وأدواته، محذراً من أن الثغرات القانونية والتهرب لا يمكن حسمها بقرارات قطاعية، بل بسياسة نقدية واضحة واحتياطيات ذهبية متينة لدى المركزي.
في المحصلة، يبدو أن العام 2026 سيحمل معه استيراداً قد يتجاوز ضعفي ما سُجل في العام الحالي بحسب توقعات الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي، فـفي بلد يعيد صياغة هويته الاقتصادية، يظل الذهب هو “العملة” الوحيدة التي لا تحتاج لقرار اعتراف دولي لتثبت جدارتها في قلوب السوريين وخزائنهم.
https://www.almodon.com/economy/2026/01/25/%D8%A8%D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D8%A8-%D9%8A%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%B1%D8%A9