الدورات والأزمات الاقتصادية  العالمية

 الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الدورات والأزمات الاقتصادية  العالمية

مفهوم الدورة الإقتصادية – اعرف اكتر

مستلة من كتاب الأزمة المالية العالمية والتحديات الاقتصادية الراهنة في الدول العربية

تجتاز الرأسمالية حالياً مرحلة جديدة من مراحل تطورها. وإذا كان صحيحاً أن هذه الرأسمالية قد مرّت على التوالي بمراحل الرأسمالية التجارية، فالرأسمالية الصناعية، ثمّ الرأسمالية المالية، فإنها تمرُ الآن بمرحلة ما بعد الصناعة. ولا يعني ذلك أن الرأسمالية تخلت عن التجارة أو الصناعة أو المال، وإنما يعني أن الرأسمالية المعاصرة قد تجاوزت ذلك كله إلى مرحلة أرقى من تطوير قوى الإنتاج استناداً إلى العلم والتقانة. فيما صار يعرف باسم الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية التي وضعتها في خدمة مشروعاتها في التجارة والصناعة والمال.[1]

وتشغل الأزمة الدورية مركز الصدارة بين الأزمات الاقتصادية التي يتعرض لها الاقتصاد الرأسمالي. وتقوم الأزمة الدورية بوظيفة المسوّي ” للاختلالات الاقتصادية العامة بمعناها الواسع: عدم التناسب بين الإنتاج والاستهلاك، عدم التناسب بين فرعي الإنتاج الأول والثاني وعدم التناسب بين مختلف فروع الاقتصاد الوطني. وفي نهاية المطاف، فإن الأزمة تعطي دفعة لرفع إنتاجية العمل، وتخفيض نفقات الإنتاج فالمؤسسات وهي تسعى لإيجاد مخرج من الصعوبات الاقتصادية تعمل على تكثيف البحث عن أنواع جديدة من المنتجات وعن تقانة حديثة لاستخدامها في الإنتاج. ويخلق الحل المؤقت والعنيف للتناقضات أساساً لتجديد رأس المال الثابت، ورفع إنتاجية العمل وتوسيع الإنتاج. وفي هذا المعنى بالذات تعدُ الأزمة بمنزلة المرحلة التأسيسية للدورة، أي المرحلة التي تحدد بدرجة كبيرة مسار التطور اللاحق، والملامح الرئيسة للدورة التالية وطابع تجديد رأس المال الثابت. إلخ.[2]

لذلك لا بدَ من الحديث، في البداية عن طبيعة الدورة الاقتصادية الملازمة للاقتصاد الرأسمالي، وخصائصها والمراحل التي تمر بها ثم ننتقل للحديث عن الأزمة الاقتصادية بوصفها إحدى مراحل هذه الدورة.

1 – الدورة الاقتصادية:

(إن المد والجزر الذي يحدث من وقت إلى آخر في مجمل الدخل الوطني يطلق عليه اسم الدورة الاقتصادية التي هي من مميزات الاقتصاد الرأسمالي. فمنذ بداية توافر حفظ المعلومات نرى أن النشاط الاقتصادي يمرُ بأربع مراحل: فتور – كساد – انتعاش – ازدهار. فعندما ينخفض مستوى مجمل الدخل القومي ومستوى العمالة يقال عن الوضع الاقتصادي إنه يمرُ بمرحلة الفتور الذي إذا تعمق أكثر يتحول إلى كساد اقتصادي أو أزمة اقتصادية. وعندما يرتفع مستوى الإنتاج والعمالة يقال عن الوضع الاقتصادي إنه قد دخل مرحلة الانتعاش التي تتحول إلى ازدهار عندما تكون العمالة قريبة من الكمال وتعمل الصناعة بطاقتها القصوى). [3]

2 – تعريف الدورة الاقتصادية:

تلازم الحياة الاقتصادية تغيرات مستمرة، إذ يمرُ التطور الاقتصادي بمراحل من الازدهار ومراحل من الانكماش وهذا ما يسمى الدورة الاقتصادية. وتعد الدورات الاقتصادية ظاهرة ملازمة للنشاط الاقتصادي منذ القديم. حيث ورد في القرآن الكريم وقبله في الكتاب المقدس (سفر التكوين) قصة يوسف الصديق، التي تحدثنا عن مرور اقتصاد مصر في عهد فرعون بدورة تتمثل بسبع سنوات من الخصب تتبعها سبع سنوات (عجاف) من المجاعة. ولكن الدورات اتصفت بمظاهر أكثر تعقيداً منذ ظهور الثورة الصناعية في أوروبا وأصبحت ظاهرة تلازم النظام الرأسمالي بشكل عام.

وصف فريدريك انجلز بوضوح المسيرة التي تحكم تطور الاقتصاد الرأسمالي حسب مراحل الدورة، وهي المسيرة التي تقود هذا الاقتصاد، بقوة لا تقاوم، من أزمة إلى أزمة. وأوضح أن الجمود يخيم سنين طويلة وتدمر القوى المنتجة وتبدد كميات من الإنتاج كبيرة، بسبب الكساد وانخفاض الأسعار وعدم القدرة على التصريف. ثم تتسارع حركة الإنتاج والتبادل شيئاً فشيئاً، وتتحول الخطا إلى خبب وينتقل خبب الصناعة إلى ركض يتحول إلى جموح، إلى قفزات تشمل الصناعة، والتجارة، والتسليف والمضاربة، وبعد قفزات يائسة تنحدر الحركة إلى هاوية لا مقرَ لها. وهكذا تتكرر الأمور. [4]

الدورة في الاقتصاد الرأسمالي هي المدة الزمنية التي تبدأ مع بداية أزمة وتنتهي مع بداية أزمة أخرى. وتمر الدورة بمراحل أساسية أربع هي:

فتور                   كساد                   انتعاش                    ازدهار

الذي تعقبه، من جديد أزمة أخرى تبدأ بالفتور وبهذه الحركة الدورية يتسم طريق التطور الرأسمالي ومرحلة الدورة الرئيسة هي أزمة فيض الإنتاج فكل أزمة تكمل الدورة السابقة، دافعة التناقضات المتراكمة خلال مسيرة هذه الدورة للانفجار.

كما تعبد الأزمة الطريق لتوسيع جديد للإنتاج، لا بدَ له بفعل القوانين الأساسية للرأسمالية، من أن ينتهي إلى أزمة تالية. وعلى هذا فالأزمة تعدُ ذروة الدورة، لتبدأ دورة جديدة. وتسمى الأزمة بهذا الشكل أزمة فيض الإنتاج.

 

3 – مراحل الدورة الاقتصادية وخصائصها:

(ما زال الاقتصاد الرأسمالي يخضع لقانون التطور الدوري، وما زالت الدورة الاقتصادية هي الشكل العادي لوجوده، فهو ينتقل من الازدهار، إلى الفتور عبر الأزمة ثم يعود فينهض من الفتور إلى الازدهار). [5]

تبدأ الأزمة الدورية في الاقتصاد الرأسمالي عندما يظهر ذلك الشكل البسيط من التباعد بين فعل شراء السلعة وفعل بيعها. إن عملية التداول السلعي البسيط وانفصال عملية البيع عن عملية الشراء نتيجة لظهور النقود تضمنت إمكان حدوث هذا التباعد. كما أن سيطرة رأس المال، والطابع الاجتماعي للإنتاج، في ظل الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، يجعل إمكان حدوث التباعد بين فعل شراء السلعة وفعل بيعها حقيقة واقعة.

نتيجة للتباعد الجماعي بين فعلي البيع والشراء، يظهر فيض الإنتاج الذي يرافقه إفلاسات واسعة في المؤسسات الصناعية والتجارية، فالمؤسسة التي فقدت إمكان تحويل مخزونها من السلع إلى نقد، تتوقف عن دفع ديونها، ويصاب أصحاب المصارف والمضاربون بالذعر. ويبدأ سباق محموم وراء النقد ويطالب الدائنون مدينيهم بسداد ديونهم و/أو خدمتها. ويبدأ المودعون بسحب أموالهم من المصارف وصناديق الضمان وتتوقف بعض المصارف عن دفع الودائع، كما تحدث إفلاسات مصرفية كبيرة. ويتقلص كثيراً عرض رأس المال الإقراضي ويرتفع معدل الفائدة.

وبقدر ما يصبح فائض الإنتاج الخفي واضحاً، يحدث تقلص في الإنتاج. فالرأسماليون المفلسون يبدؤون بإغلاق مؤسساتهم، وتقلص باقي المؤسسات أعمالها وتخفض إنتاجها، وتلغى الوردية الإضافية، أو تقلص عدد أيام العمل الأسبوعية، وتنتقل إلى يوم العمل الناقص وتغلق ورشاتها، وتقلل أنواع المنتجات التي تنتجها. [6]

لا شكَ أن درجة تقلص الإنتاج متباينة في مختلف فروعه، ويحدث هبوط الإنتاج بدرجة كبيرة، عادة في الفروع المنتجة لوسائل الإنتاج. ومع تراجع الإنتاج وانخفاض كمياته، يقل عمل النقل وتتراجع الأعمال التجارية، وتنكمش التجارة الخارجية ويحدث انخفاض أسعار السلع يكون ذا نتائج تهديمية بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تبدو عاجزة أمام المؤسسات الكبيرة التي تملك شروطاً أفضل في مواجهة الأزمة. وتنتشر البطالة التامة والبطالة الجزئية انتشاراً واسعاً وسريعاً، يرافق ذلك هبوط في مستوى الأجور إلى ما دون قيمة قوة العمل. وبذلك يزداد بؤس الطبقة ومعاناتها العاملة إلى أقصى حد، في حين تتعرض كميات كبيرة من السلع والخيرات إلى التلف والإبادة.

وعندما يبدأ الانتقال من مرحلة الأزمة إلى المرحلة التي تليها، يتوقف الإنتاج عن التراجع والتقلص، ولكنه يتأرجح حول مستوى الأزمة المنخفض ويتسارع امتصاص الاحتياطات السلعية، ويتوقف هبوط الأسعار التي تستقر عند المستوى الذي بلغته في نهاية مرحلة الأزمة ولا تعود تحدث انهيارات جديدة ضخمة خاصة في الأسواق، ولكن تبقى التجارة ضعيفة، بطيئة الحركة. ويؤدي تقليص الإنتاج وتراجعه في أثناء مدة الأزمة إلى انخفاض مخزون السلع ومن ثمَ تتحسن حالة الأسواق وينشط تصريف السلع. وهذا من شأنه أن يحسن أوضاع المؤسسات المالية فيقل طلبها على القروض، وتتحسن درجة الثقة بالوضع الاقتصادي فيستأنف المدخرون إيداع أموالهم في المصارف مما يقود إلى انخفاض معدلات الفائدة في السوق. وهذا يعني أن مرحلة الانكماش هي مرحلة تكيف الاقتصاد الوطني مع ظروف الأزمة واستعداده للانتعاش الاقتصادي. [7]

بعد هذا يحدث الانتقال تدريجياً، من مرحلة الانحطاط والجمود إلى المرحلة التالية من الدورة وهي مرحلة الانتعاش –  في هذه المرحلة من الدورة يصبح سير الإنتاج والتجارة صاعداً ويقترب الإنتاج، من حيث الحجم وكمية السلع المنتجة، من المستوى الذي بلغه عشية الأزمة، ثم يتزايد أكثر فأكثر ويخلفه وراءه، وهذا يعني أن تجاوز الصناعة الرأسمالية حدود حجم الإنتاج ألأعظمي الحادث عشية الأزمة، يشير إلى الانتقال من مرحلة الانتعاش إلى المرحلة التالية من الدورة، مرحلة النهوض والازدهار، التي تتصف بسمات معاكسة تماماً لسمات مرحلة الأزمة وهذه الصفات هي:

  •  تزايد الإنتاج لمواجهة تزايد الطلب الفعال:
  •  ارتفاع أسعار السلع، ذلك أن تزايد الإنتاج يرافقه تزايد أكبر في الطلب على السلع.
  •  تزايد الطلب على قوة العمل وانخفاض عدد العاطلين عن العمل، كما يرافق ذلك ارتفاع في معدلات الأجور.

(تنبثق الأزمات عن عمليات عميقة، ولكن طابع وأشكال حركتها ترتبط كذلك بأسباب عرضية وثانوية: الهلع، أخطاء رجال الأعمال في تقويم أحوال السوق، العوامل النقدية، سياسات الحكومة وغير ذلك. وفي هذه المجالات يمكن أن تتغير الظروف ضمن حدود واسعة، الأمر الذي يساعد على إدخال تحويرات معينة على الدورة، وهو ما لاحظناه بعد الحرب العالمية الثانية. إن الاقتصاد الرأسمالي يكرر بشكل دوري ( إنتاج) الفجوة بين العرض والطلب الفعال، وكلما كانت هذه الفجوة أكبر، كانت الأزمة أشد. وهي تظهر، موضوعياً، بصورة مستقلة عن إرادة الأفراد ” منعزلين ” ولكن دراسة أحوال السوق تتيح، من خلال بوادر أو مؤشرات معينة، إمكان الاحتراز المسبق وإيقاف نمو الإنتاج في وقت مبكر، مما يقلص حجم الهبوط في الإنتاج أثناء الأزمة. ويصبح منحنى الدورة أكثر سلاسة، وبعبارة أخرى، فإن التحكم بهبوط الإنتاج أو جعله أقل عمقاً واستمرارية لا يتم بدون ثمن، ألا وهو تخفيض معدلات النمو في مرحلة الانتعاش). [8]

ترتبط كل مرحلة من مراحل الدورة الاقتصادية ارتباطاً عضوياً بالمراحل الأخرى وبعد الانتقال من الكساد والفتور إلى الانتعاش والازدهار حركة صاعدة ترتبط بتغير هيكل الإنتاج في الاقتصاد لمواجهة الأزمة من جهة، وبردود الفعل التي تبديها القوى الاقتصادية المختلفة من جهة ثانية. (ففي مرحلتي الأزمة والانكماش تنخفض أسعار السلع فيرتفع الطلب عليها، وينخفض الإنتاج فيقل العرض ويتكيف مع حجم الطلب وهكذا يتم امتصاص فائض السلع في السوق هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تنخفض أسعار عناصر رأس المال الأساسي وأجور العمل فيزداد الحافز لدى الرأسماليين على زيادة الاستثمارات. وهكذا بنتيجة الأزمة والانكماش يلتقي اتجاها التطور نحو الأعلى).

فيزداد الطلب على السلع وتميل الأسعار نحو الارتفاع هذا يعني تزايد المردود كما تنخفض أسعار عوامل الإنتاج من رأسمال وأجور مما يؤدي إلى انخفاض التكاليف. فيتجه الرأسماليون نحو زيادة نشاطهم وينتقل اتجاه الحركة الهابط نحو الصعود ويتم الانتقال من الأزمة والانكماش نحو الانتعاش والازدهار.

أمَا الانتقال من الانتعاش والازدهار نحو الأزمة والانكماش فيتم باتجاه معاكس تماماً. (ففي مرحلة الازدهار الاقتصادي يزداد الإنتاج، وبسبب فوضى الإنتاج الرأسمالي يزداد الإنتاج إلى أكثر من حاجة السوق بحيث يصبح العرض أعلى من الطلب على السلع والمنتجات. ومن ثمَ عند حدٍ معين تتجه الأسعار نحو الانخفاض فيقلُ عائد المؤسسات.

ونتيجة لزيادة الإنتاج يزداد الطلب على عوامل الإنتاج (رأس المال، قوة العمل) فترتفع أثمانها في السوق، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وانخفاض معدل الربح، الأمر الذي يدعو الرأسماليين إلى تقليص الإنتاج من جديد فينتقل الاقتصاد الوطني إلى مرحلة الانكماش والأزمة. وهكذا تتناوب مراحل الدورة الاقتصادية وتختلف مدة كل مرحلة من المراحل تبعاً لاختلاف الشروط من بلد لآخر أو من وقـت لآخر. ولكن هناك سمة عامة ملازمة لتطور الدورة وهي أن فترة الأزمة والانكماش تكون عادة أطول من فترة الانتعاش والازدهار). [9]

كانت مرحلة الانكماش الاقتصادي تطول أو تقصر بحسب الظروف إذا كان معدل البطالة لا يتجاوز 12 %، وكانت المدة لا تزيد على ثلاث سنوات، أمَا إذا ارتفع معدل البطالة إلى بين 12 و 13 % واستمرت مرحلة الانكماش أكثر من ثلاث سنوات عندئذٍ يقال: إن الاقتصاد يعاني من كساد أو أزمة وفي حال استمرار معدل البطالة عالياً ومدة الكساد تجاوزت ست سنوات فإن هذا سوف يتجاوز حدود الدول الواحدة ليشمل عدداً كبيراً من دول العالم، وهذا ما يسمى الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى. الانكماش الاقتصادي هو بطبيعته سيّئ ولكن الكساد يصبح كارثة والأزمة الاقتصادية الكبيرة هي بلاء جائح.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

[1] – د. فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، سلسلة عالم المعرفة العدد 147، الكويت -1990، ص15.

[2] – أ. إ. بلجوك، الأزمات الاقتصادية المعاصرة، تعريب القزويني، سطيف الجزائر، 1985 ص10.

[3] – رافي باترا، الانفجار الاقتصادي الكبير في التسعينات، ترجمة د. عدنان شومان، مؤسسة الصالحاني للطباعة والنشر، دمشق 1993، ص91.

[4] – انجلز، انتي دوهرينغ، ص259-260.

[5] – د. فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، مصدر سابق ص403.

[6] – الاقتصاد السياسي، نخبة من الأساتذة السوفييت، جـ2، دار الجماهير ص587.

[7] – د. مطانيوس حبيب، الاقتصاد السياسي، مصدر سابق ص263.

[8] – أ. إ. بلجوك الأزمات الاقتصادية المعاصرة، مصدر سابق ص40.

[9] – د. مطانيوس حبيب، المصدر السابق، ص265-266.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار