مليونا برميل يوميا إلى المتوسط.. ماذا تكسب سوريا من خط النفط العراقي إذا نُفذ؟

  تلفزيون سوريا - دمشق ، طارق صبح، 2026.08.19 

مليونا برميل يوميا إلى المتوسط.. ماذا تكسب سوريا من خط النفط العراقي إذا نُفذ؟

نفط العراق

 تلفزيون سوريا – دمشق ، طارق صبح، 2026.08.19

العراق ينتج النفط وأميركا وأوروبا والأسواق المتوسطية تستهلكه وسوريا تبيع المسافة الأقصر لعبوره بين الطرفين

ماذا لو افترضنا أن عقارب الساعة تقدمت أربع سنوات، وأننا أصبحنا في عام 2030، واكتملت شبكة جديدة من خطوط النفط تبدأ من حقول جنوبي العراق وشماله، وتتجمع في حديثة غربي البلاد، قبل أن تعبر الحدود مع سوريا وتمتد عبر البادية وحمص حتى تصل إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط.

وماذا لو بدأ تشغيل خط الأنابيب تدريجياً بمليون برميل يومياً، ثم ارتفع إلى مليون ونصف المليون، وصولاً إلى مليوني برميل في اليوم.

في ذلك الوقت، سيكون السؤال الأبرز بالنسبة إلى سوريا هو ماذا تحصل البلاد فعلياً مقابل تحول أراضيها إلى طريق لنقل مئات ملايين البراميل العراقية كل عام إلى الأسواق العالمية؟

هذا السيناريو لم يعد بعيداً تماماً، فالمشروع الذي يجري تداوله اليوم على الصعيد السياسي والإعلامي لا يقوم، وفق أحدث المعلومات، على ترميم خط كركوك – بانياس القديم فحسب، وإنما إنشاء منظومة نفطية جديدة تربط حقول العراق الجنوبية والشمالية بمركز في حديثة ومنها إلى ميناء بانياس على الساحل السوري، في مشروع تقول مصادر مطلعة إنه يحتاج إلى نحو أربع سنوات وكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار.

وسبق أن وقعت سوريا والعراق مذكرتي تفاهم منفصلتين مع ائتلاف يضم شركات “شيفرون” الأميركية و”TI Capital” و”UCC Holding” القطرية لإجراء الدراسات الفنية والمالية، في حين تدعم الولايات المتحدة المشروع بوصفه أحد الطرق التي يمكن أن تخفف اعتماد العراق على التصدير عبر مضيق هرمز.

حتى الآن، لم يتم الإعلان عن نتائج الدراسات الفنية والمالية للمشروع، كما لم يُعلن عن شكل نموذج التمويل أو الملكية أو تعرفة العبور التي قد تحصل عليها سوريا، وهي تفاصيل تقرر ما إذا كان المشروع مجرد أنبوب نفط يمر في الأراضي السورية مقابل رسوم، أم مشروعاً يمكن أن يتحول إلى واخحداً من أكبر الأصول الاقتصادية والاستراتيجية السورية خلال العقد المقبل.

من يدفع الـ15 مليار دولار؟

في جميع البيانات والتصريحات المتعلقة بالمشروع حتى الآن، لا توجد صيغة مالية معلنة، وما هو معلن لا يتجاوز مذكرات التفاهم والدراسات الأولية، ما يجعل عدة نماذج بشأن من يدفع كلفة المشروع ومن يملكه.

قد يكون المشروع عراقياً بالدرجة الأولى، باعتبار أن الغاية الأساسية منه تصدير النفط العراقي، فتتكفل بغداد بإنشاء القسم العراقي من الشبكة وتمويل جزء من المسار السوري، مقابل اتفاق عبور طويل الأمد مع سوريا.

وبالنسبة للعراق، فإن خطاً لنقل النفط بطاقة تصل إلى مليوني برميل يمنحه منفذاً غربياً ضخماً إلى المتوسط ويقلل اعتماده على طريق واحد، وهذه هي المصلحة العراقية التي يمكن أن تبرر الاستثمار الهائل.

وقد يُنشأ عبر شركة مشروع مشتركة يدخل فيها العراق ومستثمرون أميركيون وخليجيون، بحيث تتحمل الشركات قسماً من التمويل مقابل حقوق تشغيل وعوائد نقل تمتد لعقود.

أما الاحتمال الثالث فهو نموذج قريب من مشاريع البناء والتشغيل والتحويل المشتركة بين القطاعين العام والخاص “BOT”، إذ يمول تحالف استثماري البنية الأساسية ويتولى تشغيلها واسترداد استثماره من رسوم النقل والخدمات، قبل انتقال الملكية لاحقاً إلى الحكومات أو الشركات الوطنية.

وتشير طبيعة خطوط الأنابيب العابرة للحدود عموماً إلى أن التعرفة لا تعكس رسوم المرور وحدها، بل يمكن أن تستخدم أيضاً لاسترداد تكاليف الإنشاء والتمويل والتشغيل وتحقيق عائد للمستثمر، وهو ما يجعل تفاصيل العقد أكثر أهمية بالنسبة إلى سوريا من الرقم الإجمالي البالغ 15 مليار دولار.

فإذا كانت سوريا مجرد دولة عبور تحصل على بدل استخدام الأرض ورسم محدد لكل برميل، سيكون نصيبها محدوداً قياساً بحجم المشروع، أما إذا دخلت شركة سورية عامة أو الدولة نفسها شريكاً في البنية الواقعة داخل الأراضي السورية، أو حصلت على حصة من عمليات التخزين والتحميل والتصدير، فإن العائد يمكن أن يصبح أكبر بكثير.

ماذا تحصل سوريا من رسوم العبور؟

بالنسبة إلى سوريا، تبدأ الحسبة من الرقم الأبسط: رسم عبور النفط.

حتى الآن، لا توجد معلومات أو بيانات بشأن رسوم العبور المفترضة للخط الجديد، ولذلك لا يمكن بناء تقدير موثوق لإيرادات سوريا على رسم محدد، لكن حجم التدفقات يسمح بفهم قيمة كل دولار تحصل عليه سوريا عن البرميل الواحد.

عند نقل مليون برميل يومياً، يمر عبر سوريا نحو 365 مليون برميل سنوياً، وبالتالي يولد كل دولار واحد من الإيراد السوري عن البرميل نحو 365 مليون دولار سنوياً.

وعند 1.5 مليون برميل يومياً يرتفع الرقم إلى نحو 547.5 مليون دولار سنوياً لكل دولار على البرميل.

أما عند بلوغ مليوني برميل يومياً، فإن كل دولار تحصل عليه سوريا عن البرميل يعني نحو 730 مليون دولار سنوياً.

وللمقارنة النظرية، أشارت تقارير حديثة إلى رسم يبلغ نحو 1.62 دولار للبرميل المنقول عبر خط العراق – تركيا، فلو طُبقت تعرفة مماثلة نظرياً على كامل النفط العراقي المار في سوريا، فإن الإيراد الإجمالي المرتبط بالنقل سيصل إلى قرابة 591 مليون دولار سنوياً عند مليون برميل يومياً، و887 مليوناً عند 1.5 مليون، و1.18 مليار دولار عند مليوني برميل.

ولا تعني هذه الأرقام أن الخزينة السورية ستحصل عليها كاملة، فذلك يتوقف على هوية مالك الخط والمشغل والممول، وعلى كيفية تقاسم رسوم النقل بين استرداد تكاليف الاستثمار والتشغيل وربح المستثمر والدولة المضيفة، وفق العقود الموقعة بين أطراف المشروع.

وفي جانب آخر، يوفر وجود البنية الأساسية للمشروع تخفيض كلفة توريد الخام العراقي إلى المصافي السورية مقارنة بالاعتماد الكامل على الشحن البحري أو البري.

كما يمكن أن يسمح المشروع، وفق اتفاق بين الطرفين، باتفاقات طويلة الأجل تضمن كميات مخصصة للسوق السورية أو شروط دفع وتسعير أفضل.

ثلاثة سيناريوهات في عام 2030

بناء على الأرقام السبقة، تصور ثلاث مراحل اقتصادية للمشروع، مع اعتبار أن الولايات المتحدة هي التي تحدثت عن قدرة تصل إلى مليوني برميل يومياً، في حين لم تقدم شركة “شيفرون” حتى الآن تقديراً نهائياً للقدرة، وأشارت الشركة إلى أن خطوط الأنابيب لا تعمل عادة بكامل طاقتها منذ اليوم الأول.

في السيناريو الأول، يعمل الخط بمعدل مليون برميل يومياً، أي 365 مليون برميل سنوياً، في هذه المرحلة يمكن أن تكون القيمة الأساسية لسوريا في رسوم العبور وتشغيل منشآت الضخ والتخزين وميناء بانياس، مع بدء ظهور خدمات مساندة حول المسار.

في السيناريو الثاني، عند 1.5 مليون برميل يومياً، يصل الحجم السنوي إلى نحو 547.5 مليون برميل، وعندها تصبح عمليات التخزين والمناولة البحرية والصيانة والتعاقدات المحلية أكبر، ويصبح من المجدي اقتصادياً توسيع البنية المرافقة للخط.

وفي حال وصل التدفق إلى مليوني برميل يومياً، فإن بانياس ستتعامل نظرياً مع نحو 730 مليون برميل في السنة، وهو حجم يتجاوز كثيراً فكرة الترانزيت المحدودة، ويضع الساحل السوري أمام نشاط نفطي إقليمي واسع يحتاج إلى مرافق تحميل وتخزين وخدمات بحرية وأمنية وفنية تتناسب معه.

مكاسب خارج رسوم العبور

ويمكن القول إن اختزال مصلحة سوريا برسوم العبور يقلل من القيمة الاقتصادية المحتملة للمشروع، فالنفط الذي يصل إلى بانياس يحتاج إلى خزانات، ومحطات قياس، ومرافق تحميل، وأرصفة بحرية، وقاطرات وخدمات سفن، وصيانة وأنظمة حماية واتصالات وطاقة لتشغيل محطات الضخ، فضلاً عن وظائف مباشرة وغير مباشرة في الإنشاء والتشغيل والصيانة والخدمات من الحدود إلى بانياس.

وكلما ارتفع حجم النفط، ازدادت الجدوى من إنشاء شركات خدمات نفطية ومستودعات ومقاولين محليين ومراكز صيانة وتشغيل وتدريب على طول المسار.

وهنا يظهر فارق واضح بين أن تكون سوريا مجرد ممر للنفط وأن تتحول على منصة لخدمات النفط، فالأول يوّلد رسوماً للعبور عن كل برميل، بينما الثاني يحصل على جزء من سلسلة القيمة المحيطة به.

وبدأ ميناء بانياس بالفعل بأداء هذا الدور على نطاق أصغر، حيث يستخدم العراق الميناء لتصدير الفيول، ويتحرك نحو توسيع التصدير ليشمل النفط الخام والنافثا، في حين بدأت شركة النفط العراقية الوطنية “سومو” بتأسيس وجود لها في بانياس.

ووفق البيانات المتاحة، وصلت شحنات خرجت من بانياس بالفعل إلى السوق الأميركية، بينها نحو 288.5 ألف برميل على متن ناقلة “Nissos Christina” ونحو 414.4 ألف برميل على متن “Green Warrior”، الأمر الذي يؤكد أن ممر النفط عبر سوريا لم يعد تصوراً جغرافياً فقط، بل دخل في شبكة التجارة النفطية الدولية.

من الحدود العراقية إلى بانياس

ويظهر آثر آخر للمشورع على الخريطة الجغرافية السورية نفسها، فالمسار المقترح سيصل العراق بوسط سوريا وساحلها، ما يخلق محوراً يمتد من الحدود العراقية عبر البادية باتجاه حمص ثم بانياس.

وفي حال بقي خط الأنابيب منشأة منفردة، سيكون أثره المكاني محدوداً نسبياً، لكن إذا تزامن مع تطوير الطرق والسكك والمناطق الصناعية والمخازن ومشاريع الكهرباء والطاقة والموانئ، فقد يتحول المسار إلى ممر اقتصادي بين شرقي سوريا وغربها، وليس مجرد خط أنابيب مدفون تحت الأرض.

ويتفق هذا الاحتمال مع مشاريع سورية أخرى تستهدف إعادة ربط البلاد بشبكات النقل والتجارة الإقليمية، حيث وقعت سوريا اتفاقاً بقيمة 800 مليون دولار مع شركة “DP World” لتطوير ميناء طرطوس والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والتجارية المرتبطة به.

كما يجري تسويق سوريا بصورة أوسع بوصفها عقدة يمكن أن تربط الخليج والعراق بالمتوسط، ضمن مشاريع لا تقتصر على النفط، وإنما تشمل الغاز والموانئ والطرق والسكك والاتصالات.

وفي هذا الأثر يصبح الموقع الجغرافي نفسه مورداً اقتصادياً: فالعراق ينتج النفط، والأسواق العالمية تبحث عن منافذ آمنة إليه، في حين تستطيع سوريا بيع الموقع والخدمات اللازمة لنقله إلى المتوسط.

المعركة على سلسلة القيمة

بعد أربع سنوات من اليوم، إذا نُفذ المشروع فعلاً، ستمر عبر سوريا كميات من النفط قد تصل قيمتها لعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، لكن قيمة النفط ليست هي قيمة ما تحصل عليه البلاد، فالمعيار الحقيقي سيكون مقدار الجزء الذي استطاعت سوريا الاحتفاظ به من سلسلة القيمة، ورسوم العبور هي الحلقة الأولى فقط.

بعد ذلك تأتي ملكية وتشغيل القسم السوري من الأنبوب، ثم التخزين والمناولة في بانياس، والخدمات البحرية، والصيانة، والمشتريات المحلية، والوظائف، والضرائب، وتأمين احتياجات السوق السورية، وعلى المدى الأطول إمكانية جذب صناعات ومشاريع لوجستية جديدة حول الممر.

وكلما انتقل موقع سوريا من بيع المرور في أراضيها إلى بيع هذه الخدمات مجتمعة، ارتفع العائد الاقتصادي للمشروع، أما إذا تولى المستثمرون تمويل وتشغيل معظم البنية الأساسية، واقتصر نصيب الدولة على رسم عبور محدود، فقد يمر مليونا برميل كل يوم عبر الأراضي السورية من دون أن ينعكس الحجم الهائل نفسه على الاقتصاد السوري.

وفي هذه المعادلة: يريد العراق منفذاً آمناً إلى المتوسط، وتسعى الشركات والمستثمرون إلى تحقيق عائد على مشروع قد تتجاوز كلفته 15 مليار دولار، فيما ترى الولايات المتحدة فيه جزءاً من بنية طاقة أقل اعتماداً على مضيق هرمز.

أما خلاصة المصلحة السورية في ذلك، فتُحدد بقدرتها على تحويل حاجة هؤلاء جميعاً إلى أكبر عائد اقتصادي – جيوسياسي ممكن من الموقع الجغرافي، وفي ذلك الوقت يمكن قياس ما إذا كان خط العراق – بانياس سيبقى أنبوباً ينقل النفط العراقي إلى البحر، أم يعيد رسم جزء من الخريطة الاقتصادية لسوريا.

https://www.syria.tv/%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%B1%D9%85%D9%8A%D9%84-%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D9%83%D8%B3%D8%A8-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D9%86%D9%8F%D9%81%D8%B0%D8%9F

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار