نظريات الأزمة الاقتصادية وأسبابها

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

نظريات الأزمة الاقتصادية وأسبابها

مفهوم الأزمة الاقتصادية - مدونة منصة أعد

لم يتمكن آدم سميث وديفيد ريكاردو من اكتشاف تناقضات الاقتصاد الرأسمالي العميقة وفهم تلك التناقضات التي تظهر في أوضح صورها بالأزمة الاقتصادية الدورية العامة. وقد أكد ” ريكاردو ” أن الإنتاج الرأسمالي يتمتع بالمقدرة على التوسع الذي لا حدَّ له، ما دامت زيادة الإنتاج تؤدي آلياً، إلى اتساع الاستهلاك، ولهذا فلا مكان لفيض الإنتاج العام. وبموجب هذه النظرية لا يحدث سوى توقف عفوي في تصريف بعض السلع، ناشئ عن عدم تناسق جزئي في توزيع العمل الاجتماعي بين فروع الإنتاج، ورغم ذلك فالقضاء على عدم التناسق هذا حتمي بفعل ميكانيكية المزاحمة. ثم جاء فيما بعد سيسموندي الذي استطاع أحياناً كشف بعض التناقضات التي يتعرض لها الاقتصاد الرأسمالي، ولكنه لم يتمكن من فهم هذه التناقضات ولا تقويم طبيعتها تقويماً دقيقاً.

– سيسموندي ” نظرية حل الأزمة الاقتصادية:

وضع ” سيسموندي ” نظرية حل الأزمة الاقتصادية التي أضحت فيما بعد الأساس لمجموعة من النظريات، ترجع الأزمة إلى الاستهلاك الضعيف، أو إلى عدم إشباعه. وقد استند “سيسموندي” إلى بعض أفكار ” آدم سميث ” الأساسية الخاطئة، وبذلك استنتج، أن على الإنتاج أن يتوافق مع الاستهلاك، وأن الإنتاج يتحدد بالدخل. إن “سيسموندي”، إذ يفترض أن على الإنتاج أن يتناسب كمياً مع الدخل، فقد نظر إلى الأزمة على أنها نتيجة لاختلال هذا التناسب، أي كنتيجة للإفراط في الإنتاج الذي يسبق الاستهلاك.

وهو يرى أن أساس الأزمة يكمن خارج الإنتاج، ولا سيما عندما تتوضح الأزمة في التناقض بين الإنتاج والاستهلاك. أوضح سيسموندي أن الإنتاج يتحدد بالدخل، وأن الاستهلاك هو الهدف الوحيد للتراكم، لذلك يجب على الإنتاج أن يتلاءم والاستهلاك. كما أكد أن تطور الرأسمالية يؤدي إلى إفلاس المنتج الصغير، كما يؤدي إلى تفاقم أوضاع العمال المأجورين، وقد أكد أيضاً أن توسيع الإنتاج، يصطدم بحدود لا يستطيع التغلب عليها، لأن تضاؤل استهلاك الجماهير، سيقلل من إمكانات تصريف الإنتاج، ويقلل من إمكانات تحقيق الأرباح للرأسماليين.

ويبدو أن هذه النظرية قد حاولت أن تعطي تفسيراً ظاهرياً صحيحاً للأزمة، ولكنها لم تبحث في أسباب تدني الأجور ولا في أسباب سوء توزيع الدخل الذي يقود إلى نقص الاستهلاك الذي يؤدي بدوره إلى حدوث الأزمة.

– ” كينز ” يفسر الأزمة الاقتصادية بعدم كفاية الطلب:

يفسر ” كينز ” الأزمة الاقتصادية بعدم كفاية الطلب، ويؤكد أن سبب الأزمة يكمن في نوع القوانين النفسية الخالدة التي لا تتبدل ومنها القانون النفسي (قانون ميل الناس إلى التوفير). وبذلك نلاحظ أن ” كينز ” يجعل السبب الرئيس للأزمة يرتبط بخصائص طبيعة الإنسان التي لا تتبدل، وفوضى الروح الإنسانية بدلاً من ربطها بخصائص الاقتصاد الرأسمالي النوعية.

يوضح كينز أن مجموع استهلاك المجتمع يتأخر دائماً عن نمو مجموع الدخل الحقيقي، نتيجة خصائص الأفراد النفسية، ويطالب الدولة بالتدخل لحل قضية تأمين استخدام أكبر عدد ممكن من الناس (نظرية الاستخدام الكامل). وهو يعتقد أن معالجة الأزمة الاقتصادية لا يتم إلا بتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية تدخلاً فعالاً، وذلك بتنظيم مقدار الاستهلاك العام والتوظيفات، باستعمال عدد من الأدوات من بينها السياسة الضريبية ورفع معدل الحسم… وغير ذلك.

– النظرية الماركسية في تفسير الأزمة:

ظهرت النظرية الماركسية في تفسير الأزمة التي تمكنت من اكتشاف التناقضات الرئيسة في الاقتصاد الرأسمالي التي تحدث بسبب الأزمة الدورية العامة. وأكدت هذه النظرية أن السبب الرئيس في حدوث الأزمة هو التناقض الأساسي في الإنتاج الرأسمالي، التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج وبين الملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج.

لم تنفِ النظرية الماركسية وجود تناقض بين الإنتاج والاستهلاك في الاقتصاد الرأسمالي، بل حاولت أن تضع هذا التناقض في موقعه المناسب في تفسير الأزمة الدورية وعدت أن هذا التناقض ينتج عن التناقض الأساسي للرأسمالية. وترى النظرية الماركسية (أن تحليل التناقضات العميقة الملازمة لجوهر أسلوب الإنتاج الرأسمالي يظهر كيف يتم الانتقال الدياليكتيكي من إمكانات الأزمة إلى واقعها، إلى حتمية الأزمة في ظل الرأسمالية).

وصف فريدريك انجلز الأزمة الاقتصادية وصفاً كلاسيكياً. إذ قال: “تتوقف التجارة، وتزدحم الأسواق، وتتراكم البضائع بكميات هائلة لا طريق لبيعها، ويختفي النقد السائل (السيولة النقدية)، كما يختفي التسليف، ثم تتوقف المصانع، وتفقد جماهير العمال وسائل عيشها، لمجرد أنها كانت قد أنتجت الكثير من هذه الوسائل، بعد هذا تتالى التفليسات إثر التفليسات، كما تتالى عمليات البيع القسري. ويستمر هذا الانسداد القاسي سنوات طويلة، حيث تتدمر القوى المنتجة والمنتجات بشكل إجمالي، حتى الوقت الذي تمتص فيه السوق فائض البضائع المتراكمة، أي حتى الوقت الذي يستعيد فيه الإنتاج والتبادل مسيرتها وبالتدريج”. [1]

تأتي الأزمة بعد عدة أعوام من الازدهار والصفقات الجيدة، وتعلن الأزمة عن نفسها عندما تبدأ الهمسات هنا وهناك : في الصحف والبورصة، وتسري الإشاعات حول إفلاس بعض المؤسسات، وترتفع نسبة الحسم، وهذا يجعل التسليف أمراً أكثر صعوبة وتتوضح الأزمة عندما تزداد أخبار الإفلاس، ويبدأ البحث والنقاش لمعرفة من هو المسؤول عن حدوث الأزمة، هل هي المصارف أم رجال الأعمال، أم رجال البورصة، أم أصحاب المصانع، ويحاول العاملون في البورصة أن يحملوا المسؤولية للصناعيين وهؤلاء بدورهم يرجعون السبب إلى شح النقد المتداول في البلد.. وهكذا.

– الأسباب المباشرة لأزمات فيض الإنتاج (التناقض الرئيس في الرأسمالية):

يبدو إن الأسباب المباشرة لأزمات فيض الإنتاج هي التناقضات الرئيسة التي تلازم النظام الرأسمالي أهمها:

  • التناقض بين زيادة الإنتاج والتراجع النسبي للطلب الفعال.
  • فوضى الإنتاج واختلال التوازنات وعدم التناسق.
  • التناقض بين الإنتاج والاستهلاك.
  • التناقض بين شروط إنتاج القيمة الزائدة وشروط تحقيقها.

تعود أسباب الأزمة الاقتصادية في الرأسمالية بخلاف الكساد وفوضى الإنتاج إلى التمركز الكبير في الثروة بوصفه إحدى الأزمة الاقتصادية وهو موضوع حساس جداً.

(جميع هذه التناقضات إنما هي ناشئة عن تناقض الرأسمالية الأساسي الحاسم، التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج وشكل الحيازة الرأسمالي الخاص. في تلك التناقضات يبدو واضحاً التناقض الملازم للرأسمالية، التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج. هذا التناقض المرافق للرأسمالية من المهد إلى اللحد هو أساس الأزمة وهو الذي يجعلها حتمية وغير مقضي عليها). [2]

الخلاصة:

تتصف الرأسمالية بالإنتاج البضاعي في أعلى مرحلة من مراحل تطوره، عندما تتحول منتجات العمل كلها إلى بضائع، بل أكثر من ذلك تتحول أيضاً قوة العمل ذاتها إلى سلعة تتحدد قيمتها من خلال العرض والطلب. وتقوم الرأسمالية على العمل المأجور، ويعني تمركز وسائل الإنتاج في أيدي الرأسماليين وتحول هذه الوسائل إلى وسائل استثمار العمال المأجورين. ويحدث انفصال بين وسائل الإنتاج المتمركز في أيدي عدد قليل من الرأسماليين وبين المنتجين المباشرين المحرومين من كل شيء ما عدا قوة عملهم التي يضطرون لبيعها إلى مالكي وسائل الإنتاج.

نتيجة لما تقدم يصبح إنتاج عمل المجتمع كله في حوزة عدد قليل من الرأسماليين الذين يقومون بجمع عناصر الإنتاج وتنظيمها، وهدفهم الوحيد هو تحقيق الربح. وينشأ عن الركض وراء الربح تعاظم وزيادة استغلال العمال المنتجين، وهذا يؤدي بدوره إلى خفض الطلب الفعلي، وتقلص تصريف السلع والمنتجات ولهذا، فما دامت الرأسمالية قائمة، لا بدَّ من حدوث أزمات فيض الإنتاج، إن تناقض الرأسمالية الأساسي، التناقض القائم بين الطابع الاجتماعي للإنتاج وبين شكل الملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج، هو أساس الأزمة ومصدر تشكلها. وتثبت الأزمة، بما لا يتطرق إليه الشك، أن شكل الإنتاج يدخل في تناقض لا حل له مع شكل الملكية.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

[1] – روزا لوكسمبورغ، ما هو الاقتصاد السياسي، مصدر سابق ص83-84.

[2] – الاقتصاد السياسي، تأليف نخبة من الأساتذة السوفييت، ترجمة بدر الدين السباعي، دار الجماهير – حمص ص582.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار