الفجوة الغذائية وتحدي الأمن الغذائي في الدول العربية
الدكتور مصطفى محمد العبد الله الكفري
الفجوة الغذائية وتحدي الأمن الغذائي في الدول العربية
بحث مقدم
للمؤتمر العلمي الثالث عشر لاتحاد الاقتصاديين العرب
الجديدة –المغرب 27 – 30 آذار / مارس 2000
اتحاد الاقتصاديين العرب جمعية العلوم الاقتصادية – سورية
الفجوة الغذائية وتحدي الأمن الغذائي في الدول العربية
المقدمة:
أولاً – الفجوة الغذائية في الدول العربية:
1 – العلاقة بين تزايد عدد سكان وتزايد احتياجاتهم من الغذاء في الدول العربية.
2 – رصد الوضع الغذائي للسكان في الدول العربية.
3 – المشكلة الغذائية ومؤشرات أزمة الغذاء في الدول العربية.
4 – تزايد العجز الغذائي في الدول العربية
ثانياً – الأمن الغذائي وتطلعات السكان في الدول العربية:
1 – الجميع يطالبون بغذاء أوفر وصحة أفضل.
2 – مشكلة زيادة إنتاج الغذاء والتطلعات.
3 – التصادم بين التطلعات والواقع.
ثالثاً – العمل العربي المشترك في مجال الأمن الغذائي
الخاتمة.
الفجوة الغذائية وتحدي الأمن الغذائي في الدول العربية
ملخص البحث
تحدث الفجوة الغذائية والعجز في الميزان الغذائي لدولة ما، عندما يكون معدل تزايد السكان أعلى من معدل تزايد إنتاج الغذاء. وهذا يعني تخلف نمو إنتاج الغذاء عن النمو السكاني في هذا البلد. أو عندما يكون معدل تزايد إنتاج الغذاء أقل من معدل تزايد السكان. وهنا لا بد من الاعتماد أكثر على الغذاء المستورد، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد حاجة البلد إلى القطع الأجنبي لتسديد فاتورة الغذاء المستورد.
الذي حصل هو تزايد نسبة استهلاك المواد الغذائية في الدول العربية أكثر فأكثر، وتزايد العجز في الميزان الغذائي، مما أدى إلى تزايد اعتماد أقطار الدول العربية على الاستيراد الأمر الذي أوقعنا في تبعية من نوع جديد لمراكز بيع الغذاء العالمي وهي غالباً الدول المتقدمة. والجدول التالي يوضح لنا حجم العجز في الميزان التجاري للسلع الغذائية في الدول العربية.
إن حل المشكلة الأمن الغذائي في الدول العربية والقضاء على الفجوة الغذائية لا يمكن أن يتحقق في ظل السياسات القطرية الحالية التي تتبعها معظم الدول العربية، بل يتطلب عملاً قومياً في مجال التنمية الزراعية وفي ظل سياسة قومية تنفذ على مستوى الدول العربية. ويعتبر العمل العربي المشترك في مجال الأمن الغذائي سواء بالنسبة لزيادة إنتاج الغذاء أو توفير مستلزمات إنتاجه يعتبر ضرورة حتمية لا بد منها لضمان توفير وتبادل الاحتياجات الغذائية، وتحقيق مخزون استراتيجي عربي، وهذا لا يتم إلا بوضع سياسة قومية لإنتاج الغذاء متناسقة ومترابطة مع السياسات القطرية العربية.
حاول البحث رصد الوضع الغذائي للسكان في الدول العربية من خلال تحديد العلاقة بين تزايد عدد السكان وتزايد احتياجاتهم للغذاء، ومؤشرات وأبعاد المشكلة الغذائية في الدول العربية، ورسم حدود العجز والفجوة الغذائية في الدول العربية. كما ناقش موضوع الأمن الغذائي وتطلعات السكان، حيث يطالب الجميع بغذاء أوفر وصحة أفضل، وأوضح التضاد بين التطلعات من جهة والواقع والإنجازات في مجال الأمن الغذائي من جهة أخرى. وتبين أن حل مشكلة الأمن الغذائي العربي مرتبط بالعمل العربي المشترك في مجال الأمن الغذائي، وبرامج الأمن الغذائي، والتكامل الاقتصادي العربي.
الدكتور مصطفى محمد العبد الله الكفري
الفجوة الغذائية وتحدي الأمن الغذائي في الدول العربية
يذكر السيد ادغار بيزاني وزير الزراعة الفرنسي الأسبق خمسة طرق يمكن بواسطتها السيطرة على العالم وهي: 1 – الأسلحة. 2- العلم والتكنولوجيا. 3 – الطاقة. 4 – المواد الأولية المعدنية. 5 – المواد الغذائية. ويضيف السيد ايرل بوتز وزير الزراعة الأمريكي الأسبق (إن الغذاء سلاح وهو الآن من أهم أدوات مجموعتنا في المفاوضات).
وتجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في حالة توازن أو شبه توازن مع دول أخرى، مع الاتحاد السوفيتي بالنسبة للأسلحة، مع اليابان وأوروبا بالنسبة للعلم والتكنولوجيا، مع الشرق الأوسط وتسطير الولايات المتحدة على السوق العالمية بالنسبة للمواد الغذائية الأساسية (الحبوب، السكر، الزيوت والبروتينات). ومن المتوقع أن تتزايد هذه السيطرة باطراد.. ويصبح عدم التوازن في العالم أكثر تفاقماً بصورة خطيرة.
تطرح المتغيرات الدولية الجديدة تحديات هامة أمام تطوير قطاع الزراعة وإنتاج الغذاء في الدول العربية بهدف زيادة كمية الإنتاج الزراعي وتطوير ورفع الكفاءة التسويقية وتحسين مستوى الأمن الغذائي. وهذا يستوجب انتهاج أنماط جديدة في السياسات الزراعية والاستثمار والأساليب التكنولوجية المستخدمة، وتنسجم مع الاحتياجات وتستفيد من القرص الجديدة في مجال تحرير التجارة وفي مجال العلوم البيولوجية وتكنولوجيا الاتصالات. [1]
أولاً – الفجوة الغذائية في الدول العربية:
يحدث العجز في الميزان الغذائي لدولة ما، ويصبح الغذاء أقل، عندما يكون معدل تزايد السكان أعلى من معدل تزايد إنتاج الغذاء. وهذا يعني تخلف نمو إنتاج الغذاء عن النمو السكاني في بلد ما. أو عندما يكون معدل تزايد إنتاج الغذاء أقل من معدل تزايد السكان. وهنا لا بد من الاعتماد أكثر على الغذاء المستورد، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد حاجة البلد إلى القطع الأجنبي لتسديد فاتورة الغذاء المستورد.
“ما معنى أن يتخلف نمو الإنتاج الغذائي عن النمو السكاني لبلد ما؟ إن وضعاً كهذا يعني أن البلد يصبح أكثر اعتماداً على الغذاء المستورد أو أنه يصبح لديه كميات أقل من الغذاء قابلة للتصدير. وكلاهما يؤثر بشكل أو بآخر على تطور البلد نظراً لتأثير مخزون البلد من العملة الأجنبية والمخصصة لبناء قطاعات منتجة أخرى. حيث تصرف العملية الأجنبية بصورة متزايدة على الاستهلاك من أجل تعزيز مستوى استهلاك الغذاء للفرد. مثل هذا البلد قد ينتقل إلى وضع يصعب فيه تمويل التطور الاقتصادي والاجتماعي فيه. “(2)
من الملاحظ أن اتساع الفجوة الغذائية وتدهور العملية الإنتاجية الزراعية في الدول العربية قد توافقتا زمنياً مع تصاعد الفوائض النفطية العربية مما أدى إلى تكريس مظاهر التخلف والتبعية والتجزئة في الدول العربية ويمكننا توضيح ذلك من خلال المنطلقات والمؤشرات التالية:
ـ تطور الزراعة العربية وتزايد الفجوة الغذائية، حيث يلاحظ الاختلال القطاعي وسوء التوزيع مع تزايد العجز ا لتجاري في ميزان تجارة المواد الزراعية وتراجع الصادرات الزراعية العربية وتزايد الواردات. كما نلاحظ تزايد فجوة الاستهلاك (نسبة تغطية الإنتاج إلى الاستهلاك).
ـ تدهور أوضاع القطاعات الإنتاجية السلعية، وبخاصة في الزراعة والصناعة التحويلية بالمقارنة مع ازدهار الإنتاج الاستخراجية (النفط).
ـ طبيعة تطور العلاقات التجارية العربية وبخاصة ما يتعلق بالتوزيع الجغرافي للتجارة العربية ـ الدولية والتجارة العربية البينية والهيكل السلعي للتجارة الخارجية لكافة الدولة العربية.[2]
في بداية الستينات كانت الدول العربية تحسب في عداد الدول المصدرة للمواد الغذائية والزراعية ولكنها أصبحت حالياً من الدول المستوردة لها. وتزداد حدة مشكلة الأمن الغذائي وتأمين ما تحتاجه الدول العربية من المواد الغذائية الزراعية والحبوب باستمرار والسبب في ذلك هو:
- ـ عدم إعطاء قطاع الزراعة الأهمية الضرورية وإهمال عملية تطوير الزراعة إلى أن برزت مشكلة العجز في تأمين المواد الغذائية.
- ـ ازدياد الطلب على المنتجات الغذائية الزراعية نتيجة لازدياد السكان وازدياد الدخول التي يحصل عليها المواطن.
- ـ الاهتمام بالتقدم الصناعي على حساب قطاع الزراعة الأمر الذي جعل جميع الدول النامية تضع عملية بناء صناعة متطورة في رأس الأولويات بهدف تسريع عملية التنمية الاقتصادية إلا أنها وصلت إلى وضع لا تحسد عليه في مجال الزراعة ولم تحقق الصناعات التي بنتها الطموحات التي كانت تسعى إليها.
إن السبب الرئيسي لعدم التوازن وتزايد العجز الغذائي في الدول العربية يعود للنمو السريع في الطلب على الغذاء (4.6%)، والنمو البطيء لإنتاج الغذاء (2%) سنوياً خلال الفترة /1970ـ1979/. لذلك انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي من الغذاء في الدول العربية.(1)
انخفضت قيمة الفجوة الغذائية العربية من مبلغ 13.5 مليار دولار في عام 1996 إلى نحو 12.4 مليار دولار أي بنسبة 8.2 في المائة. وقد بلغت قيمة الفجوة في الحبوب حوالي 6.4 مليار دولار أي حوالي 51 في المائة من قيمة الفجوة الغذائية العربية. ويحتل القمح المرتبة الأولى في مجموعة الحبوب، حيث تمثل الفجوة فيه حوالي 43 في المائة من قيمة العجز في مجموعة الحبوب. وتمثل الفجوة في الألبان ومنجاتها حوالي 17 في المائة من قيمة الفجوة الغذائية العربية، ثم اللحوم بنسبة 9.5 في المائة، والزيوت النباتية 8.6 في المائة.
وقد بلغت قيمة الفجوة الغذائية التراكمية العربية للفترة 1990 ـ 1997 حوالي 90.7 مليار دولار وهذا يوضح لنا حجم فاتورة الغذاء التي يدفعها الدول العربية لتأمين الاحتياجات الغذائية الرئيسة للسكان.
1 – العلاقة بين تزايد عدد سكان وتزايد احتياجاتهم من الغذاء في الدول العربية:
تبدو العلاقة بين تزايد عدد السكان وبين تزايد احتياجاتهم من المواد الغذائية، شديدة الوضوح. كما أن هناك علاقة بين تحسن مستوى دخل الفرد وتزايد احتياجاته من المواد الغذائية من حيث النوع والكمية. ويمكننا تحديد علاقة تزايد السكان بتزايد الحاجة للمواد الغذائية من خلال:
– زيادة عدد السكان، وبالتالي زيادة عد الأفواه التي تحتاج إلى الغذاء.
– زيادة استهلاك المواد الغذائية، الناجم عن تحسين مستوى الدخل لدى الأفراد.
لقد وضع خبراء السكان في الأمم المتحدة فرضيات في تقدير عدد السكان ثم حددوا معادلة عالمية يتم استخدامها في تقدير زيادة عدد السكان في القرون الماضية لكل شعوب العالم. وتم من خلال هذه المعادلة تحديد المدة التي تضاعف خلالها إعداد سكان العالم بصورة عامة. واستناداً إلى هذه المعادلة فإن عدد سكان البلدان العربية في عام 8000 سنة قبل الميلاد لم يتجاوز المليون نسمة، وفي العام الأول للميلاد بلغ عددهم 8 مليون نسمة ثم وصل في عام 1650 إلى 17 مليون وتضاعف في عام 1850 فأصبح 32 مليون ثم تضاعف مرة ثانية في عام 1930 ووصل إلى 64 مليون، وكان إحصاء عام 1975 الفعلي يشير إلى أن عدد سكان الدول العربية قد بلغ 138 مليون. وتدل هذه الأرقام على أن الدول العربية تعيش في الوقت الحاضر مرحلة انفجار سكاني لم يسبق له مثيل. مما سيكون له أكبر الأثر على مشكلة الغذاء والعجز الغذائي المتزايد في الدول العربية. وقد يصل في عام 2000 إلى 300 مليون نسمة. [3]
إن ارتفاع المعدل العام للزيادة السكانية السنوية في الدول العربية، يؤدي إلى تفاقم مشكلة الغذاء التي تعاني منها معظم الدول العربية، ومع بداية الثمانينات كان استهلاك السكان في الدول العربية حوالي 20 مليون طن من القمح سنوياً. ويتم عن طريق الاستيراد من الخارج تأمين حوالي 55% من استهلاك الدول العربية من القمح. وتزايد استهلاك القمح خلال الفترة 1968-1978 بمعدل 7% سنوياً، يقابلها زيادة في الإنتاج بمعدل 2% سنوياً. وهذا يعني تزايد كميات القمح المستورد لتأمين حاجة السكان، إضافة لتزايد قيمة فاتورة القمح المستورد بسبب ارتفاع أسعاره في السوق العالمية. [4] وفي عام 1995 بلغت قيمة الفجوة الغذائية العربية 9608.73 مليون دولار.
ليس هذا فحسب بل أن تزايد استهلاك الغذاء في البلدان العربية يشمل إلى جانب القمح كافة المواد الأخرى. وهو دائماً يفوق نسبة تزايد السكان في الدول العربية. ففي حين كان معدل تزايد السكان السنوي في الدول العربية 2.8% نلاحظ أن نسبة زيادة الاستهلاك السنوي لبعض المواد الغذائية خلال الفترة 1968-1978 كما يلي: 7% للقمح، 18% للسكر، 8% للذرة الصفراء، 5% للبقوليات، 38% للحليب المجفف، 27% للحوم الدواجن، 7% للبيض، 7% للخضراوات. ويضيف الدكتور صبحي القاسم (… إنه إذا بقي الوضع على حاله في الوقت الحاضر فإن الزيادة الحالية المتوقعة للاستهلاك في المستقبل ستكون نسبة كبيرة منها من المواد المستوردة وليس من المواد التي يجري إنتاجها من موارد البلدان العربية)[5].
والذي حصل هو تزايد نسبة استهلاك المواد الغذائية في الدول العربية أكثر فأكثر، وتزايد العجز في الميزان الغذائي، مما أدى إلى تزايد اعتماد الدول العربية على الاستيراد الأمر الذي أوقعنا في تبعية من نوع جديد لمراكز بيع الغذاء العالمي وهي غالباً الدول المتقدمة.
يتأثر نمو الطلب الإجمالي على السلع الغذائية في الدول العربية بعاملين رئيسيين:
(1) – تزايد السكان.
(2) – دخل الفرد.
وهذا يعني أن معدل تزايد الطلب الإجمالي على السلع الغذائية يساوي معدل تزايد السكان مضافاً إليه معدل تزايد الدخل للفرد (أو ما يسمى بالمرونة الدخلية للفرد)، ويمكننا توضيح ذلك من خلال المعادلة التالية:
مع ط = مع س + (مع د. س)
حيث أن:
مع ط = معدل نمو الطلب
مع د = معدل نمو الدخل للفرد
س = عدد السكان
وتجدر الإشارة إلى انقسام المستهلكين إلى فئات المعيشة من حيث الدخل، ولا بد من التمييز بين الريف والمدينة، إضافة إلى التباين في دخل الفرد بين قطر وآخر من أقطار الدول العربية. وبشكل عام أن المرونة الدخلية بالنسبة للغذاء هي أقل.
منذ أوائل السبعينات أصبحت مشكلة الغذاء على رأس قائمة الموضوعات والمشاكل التي تعاني منها الدول النامية بصورة عامة، والدول العربية بصورة خاصة، كما أخذت هذه المسألة تحتل مكاناً بارزاً في السياسات الاقتصادية للدول المتقدمة والدول النامية على حد سواء. وتوجه الهيئات الدولية والإقليمية جزءاً كبيراً من جهودها لبحث تلك المشكلة وتقديم المقترحات والحلول بشأنها. ورغم هذا الاهتمام الكبير فإن الإنجازات الحقيقية في هذا الشأن على الصعيد الدولي تعد متواضعة إلى حد كبير خاصة إذا ما قيست بحجم المشكلة وأبعادها المستقبلية.(1) أنه لمن المفيد إنذار الدول النامية والدول العربية وتحديد حجم المخاطر التي تواجهها في مجال الأمن الغذائي.
تتجلى أزمة الغذاء في الدول العربية في النقص العام في المنتجات الغذائية الأمر الذي يؤدي إلى جوع الملايين من الناس، وانتشار ظاهرة سوء التغذية والمرض.
(إن معدل ما يستهلكه الفرد الواحد من الأغذية في أكثر البلدان النامية هو أقل من الحد الأدنى الضروري لكل فرد والذي يعادل ـ حسب تقديرات خبراء منظمة الأغذية والزراعة التابعة لهيئة الأمم المتحدة (فاو) حوالي 2250 ـ 2400 سعره حرارية باليوم.)(2) ويعاني 60% من سكان البلدان النامية من الجوع الواضح وغير الواضح. ويموت نسبياً بسبب الجوع وسوء التغذية ملايين الأشخاص وبخاصة الأطفال. (ويتحدد اكتمال القيمة الغذائية للأطعمة بالمستوى الذي يؤمن أحسن صورة لقيام أعضاء الجسم بوظائفها ويسمح لها باستعادة نشاطها وقدراتها على العمل دون ما أضرار بالصحة.)(3)
2 – رصد الوضع الغذائي للسكان في الدول العربية:[6]
” إن تتبع أوضاع الأمن الغذائي العربي خلال عام 1997 تظهر أن الصورة العامة هي غير مرضية بسبب تفاقم مشكلة سوء التغذية في بعض المناطق وبروز ثغرات جديدة وتوسع فجوات أخرى موجودة أصلاً، مع استمرار التراخي في معالجة الأزمات وفي وضع البرامج الضرورية لتجاوز العقبات وتحسين الأمن الغذائي العربي. وما يزال هناك تفاوت كبير في مستوى الأمن الغذائي بين البلدان العربية، كما يسود نقص في فهم طبيعة الأمن الغذائي وفي وعي الترابط الشديد في المصير وبالتالي أهمية التكامل والتعاون والتكامل. وتوفر الإمكانيات المالية حاليا في بعض المناطق يتيح تأمين مستوى غذائي لائق للسكان في الوقت الحاضر. لكن تأمين الاستمرارية المطلوبة للمستقبل تستدعي النظر بواقعية إلى الموارد المتاحة والى ندرتها وأهمية المحافظة عليها وعلى استمراريتها للأجيال المقبلة. كما تتطلب اهتماما جديا بالاستثمار في تسخير العلوم الحديثة في سبيل ذلك، وأهم من كل هذه الأمور، فإنها توجب البحث عن بدائل مضمونة هي في الواقع أقرب كثيرا مما يمكن تصوره. هذه البدائل هي الأراضي الزراعية المهملة في مناطق أخرى من العالم العربي، خصوصا في القارة الأفريقية، حيث ما يزال ينام الحلم العربي بوجود سلة غنية وفيرة بالغذاء لا تكاد تنقص ولو استمرت بالعطاء. لكن الإهمال أدى إلى الفقر والى الاستعطاء في بلاد تتوفر فيها الموارد والمقومات الزراعية، فيما يقف التعاون العربي عند حدود تقديم العون والمساعدات، هذا في أحسن الأحوال، بينما إن المسألة ليست مسألة مساعدات، لكنها في توفير أسباب العيش الكريم بتوفير إمكانيات الإنتاج والتطوير في المناطق الزراعية المحرومة، وفي التأسيس لبناء الأرزاق الزراعية المستديمة التي تغني البلاد العربية جميعها عن الحاجة، وتدرء عنها مخاطر أمنها الغذائي.” [7]
انخفضت واردات الدول العربية من السلع الغذائية الرئيسة في عام 1997 بنسبة 5.3 في المائة مقارنة بعام 1996 من حيث القيمة بينما سجلت زيادة بنسبة 5 في المائة من حيث الكمية وتحتل مجموعة الحبوب المركز الأول في قائمة واردات السلع الغذائية المستوردة في عام 1997 من حيث الكمية وهي تمثل حوالي 45 من المائة من إجمالي قيمة واردات الدول العربية من السلع الغذائية الرئيسة. وتمثل واردات السعودية ومصر والجزائر حوالي 51 في المائة من إجمالي قيمة الواردات العربية من الحبوب. كما تمثل القمح السلفة الرئيسة في قائمة الحبوب حيث وصلت نسبة الواردات منه في عام 1997 حوالي 51 في المائة من قيمة واردات الدول العربية من الحبوب. [8]
وتحتل مجموعة الألبان ومشتقاتها الألبان ومشتقاتها المرتبة الثانية (19 في المائة) من حيث الأهمية النسبية للواردات الغذائية في الكمية والقيمة، وتأتي واردات الدول العربية من السكر في المرتبة الثالثة (حوالي 11 في المائة) في قائمة الواردات الغذائية العربية. وسجلت واردات اللحوم المركز الرابع (10 في المائة) في قائمة الواردات الغذائية العربية. وتمثل واردات السعودية والإمارات ومصر مجتمعه نحو ثلثي قيمة الواردات العربية من اللحوم. [9]
“وتكمن نقطة الضعف في تركز مستوردات البلاد العربية من سلع الغذاء الرئيسية في عدد لا يتجاوز أصابع اليد من البلدان الرئيسية المصدرة. إذ تظهر المعلومات المتوفرة عن عام 1994 /95 أن مستوردات القمح في مصر كانت بنسبة 82% من الولايات المتحدة و 10% من الاتحاد الأوروبي، وفي الجزائر بنسبة 45% من الاتحاد الأوروبي و 40% من كندا و11% من الولايات المتحدة، وفي اليمن بنسبة 55% من الولايات المتحدة 32% من الاتحاد الأوروبي، وفي تونس 52% من الاتحاد الأوروبي و32% من الولايات المتحدة و 12% من كندا وفي المغرب بنسبة 84% من الاتحاد الأوروبي و 15% من الولايات المتحدة وفي الأردن بنسبة 64% من الولايات المتحدة و28% من الأرجنتين و 7% من الاتحاد الأوروبي، وفي سوريا بنسبة 81% من الاتحاد الأوروبي و 17% من كندا.”[10]
وكذلك الأمر بالنسبة للواردات من الحبوب الخشنة التي تم استيرادها عام 1994 / 95 من الولايات المتحدة بنسبة 89% لمصر و80% بالنسبة للجزائر و 74% بالنسبة لليمن و 52% بالنسبة لتونس و77% بالنسبة للمغرب و65% بالنسبة لكل من الأردن وسوريا و 22% بالنسبة للسعودية التي استوردت أيضا بنسبة 61% من الاتحاد الأوروبي.
هل يتناول السكان في الدول العربية ما يكفيهم من المواد الغذائية من حيث الكم والنوع؟
هل المستوى الحالي لاستهلاك المواد الغذائية هو المستوى المقبول أم أن هناك نقصاً وعدم توازن؟ لابد لنا أولاً من تحديد ملامح الوضع الغذائي القائم حالياً في الدول العربية.
لقد حاولت بعض الدراسات رصد الوضع الغذائي في الدول العربية وتحديد أهم سماته وفقاً لما يلي:(5)
– اعتماد السكان على المصادر النباتية بشكل أساسي لتأمين حاجتهم من البروتينات والسعرات الحرارية. وتوفر المصادر الغذائية النباتية حوالي (87%) من الغذاء للسكان، وخاصة من الحبوب والسكر. (أما في حالة البروتينات فإن السكان يحصلون على (80%) من تلك المواد من مصادر حيوانية). وتختلف الدول العربية بعضها عن البعض الآخر في مصادر حصول سكان كل قطر على حاجته من المواد الغذائية.
(ونستخلص من المعلومات المتوفرة وجود خلل في الوضع الغذائي في البلدان العربية خصوصاً بالنسبة لنقص المواد الغذائية من مصادر حيوانية. وإذا اتجهنا إلى تصحيح هذا الخلل فهذا يتطلب توافر كميات أكبر من المواد الغذائية من مصادر مكلفة مثل المصادر الحيوانية. ولا بد من أخذ هذا الوجه من المشكلة بعين الاعتبار عند التخطيط لإيجاد وضع متكامل من الغذاء في البلدان العربية)(1) لا أرى مبرراً لإصلاح مثل هذا الخلل طالما أنه ذو تكاليف عالية ويحملنا أعباء جديدة، وما هو العيب في الحصول على الغذاء من المصادر النباتية.
– يبلغ المعدل العام لنصيب الفرد من الطاقة الغذائية والبروتينات في الدول العربية 2441 كليو كالوري يومياً و/69/ من البروتينات. وهو أعلى من المعدل العالمي الموصى به لحاجة الفرد من الطاقة الغذائية. ولا بد من الإشارة إلى وجود تفاوت كبير بين معدل نصيب الفرد من قطر لآخر. (ففي ليبيا يصل معدل نصيب الفرد إلى 2947 كيلو كالوري يومياً، بينما يصل معدل نصيب الفرد في موريتانيا إلى حوالي 2101 كيلو كالوري في اليوم). ولا بد من التأكيد هنا على تحقيق التوزيع العادل للمواد الغذائية بين مختلف طبقات وفئات المجتمع وخاصة فيما يتعلق بنصيب ذوي الدخل المحدود ومعدل تناولهم للمواد الغذائية.
– تراجع الإنتاج الإجمالي للوطن العربي من المواد الغذائية الرئيسية، مما أدى إلى تزايد اعتماد الدول العربية على استيراد ما ينقصها من هذه المواد عاماً بعد عام. وتتفاوت الدول العربية فيما بينها في درجة الاعتماد على الاستيراد لسد العجز الحاصل في تأمين المواد الغذائية للسكان.
– تزايد استهلاك الدول العربية للمواد الغذائية بنسبة أعلى من تزايد الإنتاج، وتتفاوت هذه النسبة من قطر لآخر وبين مادة وأخرى. وأهم أسباب زيادة الاستهلاك:
1) ارتفاع معدل تزايد السكان.
2) ارتفاع متوسط دخل الفرد وخاصة في الدول العربية المصدرة للنفط.
3) تبني الحكومات لبرامج دعم أسعار المواد الغذائية مما أدى إلى تحسين المستوى الغذائي للمواطن والسعي لتأمين عدالة التوزيع.
(… إن استمرار الوضع الحالي الذي يتصف بنقص في الإنتاج القومي لسد احتياجات السكان ينذر بتطور المشكلة إلى وضع أسوأ في المستقبل، وبالتالي فإن الوضع باختصار سيضع البلدان العربية أمام اختيار أحد البديلين: أما الاستمرار في الاعتماد على الاستيراد لتأمين احتياجات السكان من المواد الغذائية بدرجات متزايدة أو اللجوء إلى خطة شاملة ومتكاملة في استثمار واستعمال موارد إنتاج الغذاء داخل البلدان العربية بصورة أفضل للتخفيف من حدة الاعتماد على الاستيراد أولا ثم الوصول إلى وضع مقبول من الأمن الغذائي ثانياً.)(1)
3 – مؤشرات أزمة الغذاء وأبعاد المشكلة الغذائية في الدول العربية:
تبدو أزمة الغذاء واضحة في الدول العربية من خلال المؤشرات التالية:
ـ انخفاض ما يخص الفرد من سعرات حرارية في معظم الدول العربية دون المستوى العالمي. وتجدر الإشارة إلى تفاوت كمية السعرات التي يحصل عليها السكان من قطر لآخر.
ـ اتساع الهوة بين واردات وصادرات الدول العربية من السلع والمنتجات الغذائية وتزايد اعتماد الدول العربية على الاستيراد لتأمين ما تحتاج إليه (انظر الجدول).
ـ تدني نسبة الاكتفاء الذاتي ومستوياته، نتيجة لتزايد الواردات الغذائية من خارج الدول العربية. وتختلف نسبة الاكتفاء الذاتي بين قطر وآخر.
إن وفرة السلع والمنتجات الغذائية في معظم الأسواق العربية، وإقبال الناس على شرائها أو عدم قدرتهم على الشراء، لا ينفي وجود الأزمة الغذائية، والتي تكمن في الاعتماد على الاستيراد لتوفير البضائع والمنتجات. أن خطورة الأزمة الغذائية في الدول العربية تكمن في الاعتماد المتزايد على الاستيراد لتأمين حاجة السكان من المواد الغذائية. حيث لا يستطيع المستورد التحكم في أسعار المواد المستوردة، (وقد يصعب توفيرها في جميع الأوقات، وربما تستخدم كوسيلة أو أداة للضغط على البلاد لحملها على اتخاذ موقف معين.)(1)
أما فيما يتعلق بالميزان التجاري للسلع الغذائية في الدول العربية، نلاحظ تزايد فاتورة الغذاء المستورد في الدول العربية عاماً بعد عام، لقد كان المعدل السنوي للفاتورة خلال الفترة 1974 ـ 1978 حوالي 5.3 مليار دولار. بينما ارتفع في عام 1988 إلى حوالي 60 مليار دولار. ونجد أن المتوسط السنوي لمستوردات الدول العربية خلال الفترة 1980 ـ 1985 قد بلغت 23233.5 مليون دولار.. أما الصادرات فقد بلغ المتوسط السنوي خلال نفس الفترة 3650.9 مليون دولار، وهذا يعني أن الدول العربية تدفع لقاء تأمين ما تحتاج إليه من السلع والمنتجات الغذائية من الخارج بمعدل متوسط سنوي 20334.5 مليون دولار خلال الفترة المذكورة. في حين من المفروض، ونظراً لما تملكه الأمة العربية من إمكانيات، أن تصدر الدول العربية الغذاء إلى دول العالم وتحصل لقاء ذلك على أضعاف هذا الرقم. ليس هذا فحسب بل أن العجز في الميزان التجاري للسلع الغذائية يتزايد باستمرار. وقد بلغت واردات الدول العربية من السلع الغذائية الرئيسية في عام 1996 ما قيمته 15074.00 مليون دولار، ولم تتجاوز الصادرات قيمة 4024.00 مليون دولار.
ويعطينا مؤشر تزايد كلفة استيراد المواد الغذائية للفرد الواحد في الدول العربية خير دليل على الأعباء التي تتحملها اقتصاديات الدول العربية لتأمين الغذاء اللازم إلى مواطنيها. ففي عام 1976 بلغت كلفة استيراد المواد الغذائية للفرد الواحد 35 دولار وارتفعت في عام 1982 إلى 115 دولار، وبلغت أعلى مستوياتها في الدول العربية المصدرة للنفط (السعودية، دول الخليج العربي، ليبيا والعراق) لتصل إلى حوالي 558 دولار للفرد الواحد. مقابل عدم زيادة هذا المؤشر (تكلفة استيراد المواد الغذائية) في أوروبا الغربية عن 68 دولار، و16 دولار في قارة آسيا، و10 دولارات في القارة الأفريقية.(2)
كما نلاحظ من خلال دارسة التركيب السلعي للواردات العربية وجود خلل هيكلي للقطاع الإنتاجي في الدول العربية، والاعتماد المتزايد على السوق الخارجية في تأمين مستلزمات الغذاء والحاجات التي تستوردها الدول العربية. وهي في تزايد مستمر مما يؤكد أن الأمن الغذائي في خطر متزايد 10 فلقد زاد استيراد الدول العربية من السلع الغذائية إلى مثليه خلال الفترة (1975 ـ 1980) نتيجة لانخفاض إنتاج كثير من السلع الغذائية الأساسية، كالحبوب والزيوت والدهون النباتية واللحوم ومنتجات الألبان، فازدادت واردات السلع الغذائية من 8 مليار دولار في عام 1975 إلى 16.7 مليار دولار في سنة 1980، وإلى حوالي 23 مليار دولار في سنة 1982، أي أن الاستيراد يتزايد بنسبة تصل إلى 16.3 بالمائة سنوياً.)(1)
– وتتو ضح أبعاد المشكلة الغذائية في الدول العربية من خلال الملاحظات التالية:
ـ اعتماد الدول العربية المتزايدة على واردات الغذاء من الدول الرأسمالية المتقدمة.
ـ اتساع الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.
ـ سرعة تقلبات العرض والطلب وصعوبة التوقعات.
ـ تمركز المجاعات في مناطق محددة.
ـ انتشار سوء التغذية في معظم هذه الدول.
وبذلك فإن مشكلة الغذاء ليست ظاهرة طبيعية، بل هي مشكلة ترتبط بطبيعة الأنظمة القائمة من جهة وبالأوضاع الدولية وطبيعة التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل من جهة أخرى.
ثانياً – الأمن الغذائي في الدول العربية:
يعد الأمن الغذائي العربي أحد المكونات الرئيسية للأمن الاستراتيجي العربي. (إذ تتلخص مشكلة الأمن الغذائي العربي في عدم الاطمئنان إلى استمرار توافر مواد وعناصر الاستهلاك الغذائي العربي، أو زيادتها بالكميات والمعدلات المطلوبة، وذلك بصرف النظر عن افتقار مستوى التغذية الحالي إلى بعض أنواع وكميات الغذاء الضرورية، كالبروتينات الحيوانية وغيرها من الأغذية الوافية.)(1)
وتكمن خطورة الوضع الغذائي في الدول العربية، حين نرى أن الدول العربية لا تستورد مواد غذائية يمكن الاستغناء عنها بسهولة مثل الفواكه والخضراوات، وإنما تستورد مواد غذائية أساسية تدخل في صلب الأمن الغذائي لسكانها. وتشمل المواد التي تستوردها: القمح، اللحوم، الحليب ومشتقاته، وهي تشكل المواد الأساسية في نمو الإنسان، إضافة إلى استيراد السكر والزيوت والمواد الأخرى.
1 – الأمن الغذائي وتطلعات السكان في الدول العربية:
حتى الآن لم تتمكن الحكومات العربية من توفير الكفاية من الطعام الضروري لسلامة وصحة جميع شعوبها. ولا يمكن تبرير ذلك العجز بالجهل ولا بقسوة الطبيعية. وإنما يلزم لتحقيق ذلك أن يتضاعف إنتاج الغذاء كثيراً، خصوصاً وأن الدول العربية يملك الوسائل التي تضاعف ذلك الإنتاج. ويمكن بشيء من التفكير والإدارة الراسخة والإدارة العلمية، أن تستخدم كل حكومة هذه المعرفة من أجل توفير الغذاء لمواطنيها. مع التأكيد أن العمل لتحقيق هذا الهدف على مستوى الدول العربية ككل سوف يكون أكثر فائدة وتكاليف أقل مما لو عملت من أجل كل دولة على حده.
لقد أصبح المواطن في جميع البلاد العربية يتطلع إلى التقدم الاقتصادي، لنفسه ولأسرته ولعشيرته، ولأمته ـ بل ويتوقع أن يتحقق التقدم والتنمية الشاملة فعلاً ـ لا أن يتطلع إليه فقط بل يعمل لأجل ذلك. فالبقال في اليمن ولبنان والموظف في تونس والكويت والفلاح في مصر والسودان والأردن، وعامل المصنع في سوريه والجزائر، وطالب الجامعة في المغرب وليبيا، ورجل الأعمال في السعودية والعراق والإمارات وقطر ـ كل هؤلاء يتطلعون إلى تحسين الحالة المعاشية لهم ولأسرهم في السنوات التالية مباشرة، أما تحديد هذه التطلعات بالدقة فيختلف من دولة إلى دولة ـ ولكن توقع التحسن الملموس في مستوى المعيشة ظاهرة عامة في كل الدول العربية، بل في كل أنحاء العالم.
1 – الجميع يطالبون بغذاء أوفر وصحة أفضل:
الجميع يطالبون بأن يحصلوا في هذا العالم ـ وليس في العام القادم ـ على غذاء أوفر وأفيد للصحة، وخدمات طبيه أفضل، ووسيلة نقل أجود، وراديو ترانزيستور، إضافة إلى تأمين المدارس لأبنائهم، وبعض السلع الكمالية. لقد تعرفوا على هذه الطلبات، واعتقدوا بأنهم يستطيعون الحصول عليها، فادخلوها في حساباتهم كطلبات ملحه ومستمرة، وذلك خلال فترة لا تتجاوز عقدين من الزمن (1950-1970) وكان هذا كله يمثل (ثورة التطلعات) التي اكتسحت كل الدول العربية.
لقد كانت ثورة التطلعات أكثر حده في المناطق الحضرية، وذلك بسبب قوة العوامل الدافعة لها. بينما كانت في المناطق الريفية أقل حده، وذلك بسبب ضعف العوامل الدافعة أو انعدامها في الريف. كذلك فإن ثورة التطلعات أقوى ما تكون بين الشباب، أضعف ما تكون بين الكهول. ولهذا نجد أن تطلعات فئات المستهلكين المختلفة في الدول العربية ليست كلها في مستوى واحد. حيث نرى أن تطلعات الشباب في المناطق الحضرية في الدول العربية تصل إلى أعلى درجات الحماسة في الحصول على ثمار التقدم المادي.
فهذه المجموعة من الجماهير تتطلع إلى أن تجني لنفسها مكاسب مادية ملموسة في سنوات المستقبل القريب المباشر. لقد سمع الشباب بوسائل شتى أن من حقهم أن يأخذوا نصيبهم مما يوفره الإنتاج العلمي الحديث، كما أنهم يعلمون أن الخدمات والسلع الجديدة متوافرة وسريعة الانتشار في مختلف أنحاء العالم، وأن لهم أن يتوقعوا توافر تلك الخدمات والسلع في بلدانهم والحصول عليها خلال حياتهم.
2 – مشكلة زيادة إنتاج الغذاء والتطلعات:
تختلف مشكلة زيادة إنتاج الغذاء عن مشكلات زيادة الإنتاج الكلي العام أو الإنتاج غير الغذائي. فزيادة الإنتاج الكلي للغذاء بمعدل 2.5% سنوياً لا تعتبر زيادة قليلة في أي دولة من الدول. ومن المؤكد أن زيادة إنتاج الغذاء بنسبة 5% تعد إنجازا كبيراً على مستوى الدول العربية، لأن معنى هذا زيادة نصيب الفرد من المنتجات الغذائية بنسبة 2% في العام إذا أخذت في الاعتبار زيادة السكان بمعدل 3% سنوياً. ولو حدث مثل هذا المعدل في زيادة نصيب الفرد من الغذاء، لأمكن اقتلاع جذور النقص الغذائي في الطاقة السعر يه والبروتينات بالنسبة لغالبية سكان الدول العربية خلال فترة لا تتجاوز العقدين من الزمنý. وهذا ممكن وصحيح نظراً لأن المواطن العادي لا يرتفع في استهلاكه للطعام من الصغر إلى الاستهلاك الكامل، كما هي الحال بالنسبة للمنتجات الكمالية الجديدة كالراديو الترانزيستور أو الدراجة النارية. فقد تكون نسبة النقص الغذائي تتراوح بين 20-30% ومثل هذا النقص في المتوسط يمكن استدراكه وتعويضه خلال فترة تتراوح بين 10-15 سنه، عن طريق معدل زيادة سنوي في نصيب الفرد في إنتاج الطعام بنسبة 2%. وهكذا نلاحظ أن الزيادة الكلية في إنتاج الغذاء لا يجب أن تكون كبيرة، ولا بد أن تستمر فترة طويلة كما هو مطلوب بالنسبة للإنتاج غير الغذائي أو الإنتاج الكلي لكي نتمكن من تحقق تطلعات المستهلكين في الدول العربية.
لقد تراكمت تطلعات المواطنين في الدولة العربية، نتيجة لتفاعل قوى عديدة، إلى نقطة جعلتهم يتوقعون تحسين مستوى المعيشة المادي بشكل كبير خلال السنوات القليلة القادمة والواقع أن اقتصاديات أكثر الدول العربية تتقدم بدرجة جيدة، ولكنها بدأ من مستوى للإنتاج يبلغ من الضآلة حداً لا يمكنها من إنتاج كافة السلع التي يتطلع إليها سكانها خلال الحقبة التالية أو حتى خلال فترة طويلة نسبياً. حيث نلاحظ وجود هوة واسعة بين ما يتطلع إليه المواطن العادي في المدنية، وبين ما يستطيع اقتصاد دولته أن ينتج خلال فترة زمنية محددة. وقد نتجت هذه الهوة (الفجوة) عن الثورة التي حدثت في تطلعات الجماهير في الدول العربية.
3 – التصادم بين التطلعات والواقع:
تبقى الهوة بين التطلعات والإنجازات في مجال الغذاء أضيق منه بالنسبة للمستوى الكلي للمعيشة. كما أن الوقت اللازم للقضاء على الجوع وسوء التغذية في معظم مناطق الدول العربية أقل كثيراً منه بالنسبة للمستوى الكلي للمعيشة. ولكن مشكلة الغذاء أكثر حده وأكثر إلحاحا من أية مشكلة أخرى، وهي تتطلب الحل السريع فالجوع وسوء التغذية لا يمكنهما الانتظار، لأن آثارهما المعرقلة لعملية التنمية آثار مباشرة وفورية. وعلى هذا فإن المواطن العادي يحتاج إلى طعام أفضل ويتطلع إليه، ويطلب أن يتحرر من أنياب الجوع وسوء التغذية، ولكن إمكانيات الإنتاج الحالية في كل دولة عربية على حده لا تسمح بتزايد الإنتاج الغذائي السريع الذي يلبي التطلعات.
لقد تحققت مكاسب هامة بالنسبة للمتاح للفرد من الموارد الغذائية خلال فترة العقود الثلاثة الماضية (1960-1990) ومن المتوقع أن تحقق الدول العربية لمواطنيها مكاسب أكبر خلال العقد القادم. ولكن الموارد الغذائية لن تصل في كثير من الدولة العربية إلى الحد الأدنى لتطلعات غالبية المواطنين واحتياجاتهم.
إن المواطن العادي في الدولة العربية غير مستعد للانتظار 50 أو 100 سنه لكي يجني ثمار التنمية، بعد أن رأى كيف يعيش قرينه في البلدان المتقدمة، وقد قال له زعماؤه في بلاده والمنظمات السياسية الدولية والقومية والعالمية أنه يجب ألا يقبل الفقر على أنه قدر مرسوم له. لذلك فإنه يصر ويتوقع أن يفلت من أغلال الفقر خلال فترة قصيرة نسبياً. وهو يطمح أن يبدأ حياة مثل حياة الفلاح أو عامل المصنع أو الموظف في أوروبا أو اليابان، أو الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن معدلات النمو الاقتصادي في الدول العربية لا تستطيع أن تحقق مثل هذه الوثبة في مستوى الحالية خلال الفترة الزمنية المحددة. وهكذا فإن تطلعات المواطن العادي تصطدم حالياً بالواقع الاقتصادي، ومن المتوقع أن تكون الصدمة أكبر في مرحلة التسعينات، مع اختلاف درجة الصدمة من بلد إلى آخر نتيجة للظروف الخاصة بكل بلد، ولكن من المتوقع أن تتضمن الفترة القادمة خيبة الأمل، وهبوط الروح المعنوية، والاتصالات السياسية في الدول الصدمة، بسبب قيام نظام اقتصادي عالمي جديد، يضع في أولى أولوياته الاهتمام بدول أوروبا الشرقية.
إن الإخفاق في تطلعات المواطنين بالنسبة لتحسين الغذاء وأساليب التغذية في الأمد القريب سيكون له أكبر الأثر في الروح المعنوية وأكثر تأثيراً في الإخفاق في تطلعات الأفراد لتلبيه الاستهلاك غير الغذائي. وذلك لأن سوء التغذية والجوع مؤلم، والأشد إيلاما أن ترى أطفالك يعانون من الجوع أو نقص الغذاء، كما أن سوء التغذية والجوع يزيدان من استعداد الإنسان للإصابة بالأمراض المعدية، وبالتالي يؤديا إلى زيادة الإصابة بالأمراض والوفاة، إضافة إلى أن زيادة الإنتاج الغذائي بسرعة أمر صعب جداً، ذلك لأنه يلزمنا الكثير من الوقت للربط بين عناصر الإنتاج الغذائي في الزراعة بحيث تؤدي إلى زيادة كبيرة في إنتاج الغذاء.
إن زيادة الإنتاج الغذائي عملية معقدة وتتم ببطيء، لذلك فإن قطاع الزراعة والغذاء يمثل في الدول العربية مشكلة عنيدة قابله للانفجار في أي وقت، فالجوع وسوء التغذية منتشران في معظم البلاد الصدمة إلى حد لا يمكن معه الشك في خطورة الموقف في هذه البلدان ومن ناحية أخرى فإن الحاجة إلى أطعمه أفضل والتطلع إليها أصبح على درجة من الشمول والقوة بحيث أدى ذلك إلى زيادة المشكلة الغذائية حده وقابلية للانفجار.
تبقى مشكلة تطلعات المواطنين هي التي تصبغ وتؤثر في كل قرار سياسي واقتصادي في الدول العربية. وهي التي تجعل التنمية الشاملة السريعة التزامات وطنيه وقومية، ولكنها أيضاً تؤدي أحياناً إلى اليأس والتشاؤم بالنسبة للمختصين بعملية التنمية. وما هي قيمة القرارات السياسية والاقتصادية المتعلقة بعملية التنمية، حينما يعترف الجميع بأنه لا يمكن تحقيق أي شيء يطابق تطلعات المواطن العادي، للمعيشة لا يمكن أن تكون بمستوى التطلعات؟ وكيف يمكن الاقتناع بنجاح عملية التنمية إذا ظلت نتائج هذه التنمية عاجزة عن تحقيق وتلبية تطلعات المواطن العادي في الدول العربية؟
سادساً – العمل العربي المشترك في مجال الأمن الغذائي:
الدول العربية إقليم اقتصادي واحد لا يمكن تطوير أي قطر عربي بدون خطة عربية متكاملة قومية شاملة وفي الوقت الذي تعاني فيه الدول العربية من عجز غذائي كبير، يتصاعد سنة بعد أخرى، والذي ينشأ معظمه من عجز في الإنتاج الزراعي بصفة عامة فإن هذه الدول في مجملها لا تفتقر على الإطلاق إلى الوارد الطبيعية الكافية لإحداث دفعات قوية في الإنتاج، وهذا يشمل طبعاً كافة الموارد الطبيعية من حيث الأراضي الصالحة للزراعة، أو الموارد المائية المتاحة، أو الثروة الحيوانية أو مساحة الجرف القاري للوطن العربي. كما يمتلك الدول العربية ثروات بشرية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، لا بل قادرة على تحقيق فائض في المنتجات الغذائية الدول العربية وموارد مالية كبيرة تمكنها من تنفيذ البرامج الإنمائية الطموحة في مجال الإنتاج الزراعي.
إن حل المشكلة الغذائية في الدول العربية والقضاء على الفجوة الغذائية لا يمكن أن يتحقق في ظل السياسات القطرية الحالية التي تتبعها معظم الدول العربية، بل يتطلب عملاً قومياً في مجال التنمية الزراعية وفي ظل سياسة قومية تنفذ على مستوى الدول العربية. ويعتبر العمل العربي المشترك في مجال الأمن الغذائي سواء بالنسبة لزيادة إنتاج الغذاء أو توفير مستلزمات إنتاجه يعتبر ضرورة حتمية لا بد منها لضمان توفير وتبادل الاحتياجات الغذائية، وتحقيق مخزون استراتيجي عربي، وهذا لا يتم إلا بوضع سياسة قومية لإنتاج الغذاء متناسقة ومترابطة مع السياسات القطرية العربية.(1)
(إن قضية الأمن الغذائي العربي ليست هي قضية تطوير الإنتاج الزراعي فحسب لتحقيق الأمن الغذائي على المستوى الكلي “القومي/القطري” بل أيضاً وبالضرورة تحقيق الأمن الغذائي للمواطن العربي العادي على المستوى الفردي. وهذا يقتضي بدوره طرح قضايا ترشيد أنماط الاستهلاك وتحسين نمط توزيع الدخول في المنطقة العربية، حيث يمرض البعض نتيجة سوء التغذية، بينما يعتل البعض الآخر نتيجة التخمة الناجمة عن نمط الاستهلاك الغذائي المفرط. فالطرح الشامل والناجز لاستراتيجية الأمن الغذائي العربي لا بد أن يشمل البعدين معا: البعد الإنتاجي، والبعد التوزيعي للمشكلة.)(2)
تعتمد زيادة الإنتاج الزراعي المتوقعة في الدول العربية على زيادة موارد المياه الشحيحة ـ سواء من الري أو الأمطار ـ واستخدامها بشكل فعال أكثر مع إقحام مستلزمات الإنتاج أخرى كالأسمدة إضافة إلى التكثيف المحصولي. لذا فإن زيادة كفاءة استخدام المياه في الأراضي الزراعية في الدول العربية تمثل نقطة التركيز الأساسية للبحوث والدراسات العلمية.
يتم حالياً إنتاج الثروة الحيوانية في معظم أقطار الدول العربية بصورة متوسعة جداً ويعتمد الإنتاج على الرعي في المناطق الأكثر جفافاً، في خلوات واسعة تعرف بمناطق الرعي المشاع. لذلك لا يمكن أن تتحقق زيادات في الإنتاج الحيواني دون إجراء تغييرات جذرية في طريقة إدارة الإنتاج والتقنيات المستخدمة وخاصة ما يتعلق منها باتخاذ إجراءات وقائية واسعة ضد التأثيرات البيئية غير المواتية التي تتعرض لها قطعان الماشية.
من المتوقع أن يستمر العجز في معظم السلع الغذائية في الدول العربية، حتى البقوليات يكون فائض الدول العربية منها وهمياً، لأن قسماً كبيراً منها ينتج في بعض الدول العربية، في حين تقع الدول المتبقية في حال عجز. وفي العديد من السلع الغذائية، حتى مع ثبات نسب الاكتفاء الذاتي أو تحسينها، سيزداد الحجم المطلق للعجز، ومن المتوقع حدوث عجز رئيسي في الحبوب، وخاصة القمح والسكر والزيوت النباتية ومنتجات الثروة الحيوانية.
يتم تحديد درجة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية في أية دولة عادة، من خلال تحديد كمية الطلب على هذه السلع، ثم تحديد كمية الإنتاج وكمية الواردات، وفقاً لما يلي:
ك ط – ص و
ن إ ذ = ————- 100
ك ط
ن ا ذ = نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية.
ك ط = كمية الطلب على السلع الغذائية.
ص و = صافي الواردات من السلع الغذائية.
ويجري حساب نسبة الاكتفاء الذاتي لعدة سنوات، بهدف التخلص من الانحرافات التي قد تحصل زيادة أو نقصاناً بكميات الإنتاج بسبب ظروف طارئة. على سبيل المثال يمكن حساب نسبة الاكتفاء الذاتي خلال الفترة 1990 – 1994 ويتم هنا حساب متوسط الإنتاج، متوسط صافي الواردات، متوسط كمية الطلب.
كما يمكن حساب نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية عن طريق نسبة متوسط كمية الإنتاج منها إلى كمية الطلب عليها، وفقاً لما يلي:
كمية الإنتاج
نسبة الاكتفاء الذاتي = —————- 100
كمية الطلب
ك إ
ن ا ذ = —— 100
ك ط
حيث :
ن ا ذ = نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية.
ك إ = كمية الطلب على السلع الغذائية.
ك ط = صافي الواردات من السلع الغذائية.
إن الاكتفاء الذاتي في الغذاء محدد كهدف في سياسة كافة الدول العربية، وسيكون هذا الهدف صعب المنال وربما مهمة متعذرة التنفيذ خلال السنوات الباقية من هذا القرن. لذا فإن اعتماد الدول العربية على استيراد الغذاء لمواطنيها سيستمر. بيد أن ذلك يمكن أن يكون قضية نسبية. إن الاستثمار الكبير في الزراعة سيكون ضرورياً، لتحقيق الاكتفاء الذاتي في أقطار الدول العربية التي تواجه تحديات هامة في تنظيم القطاع الزراعي تنظيماً يعني بمتطلبات الاقتصاد المتنامي، وسيكون الحل المناسب هو تحسين البنية التقنية والأحوال الاقتصادية للقطاع الزراعي، والصناعات الغذائية.
تعتمد استراتيجيات برامج الأمن الغذائي المقترحة على عدة اعتبارات منبثقة من الإستراتيجية العامة والتي تتحدد في شمولية المشكلة لذلك أن الأمن الغذائي قضية عربية لا تتجزأ وتتطلب انسياب السلع وعناصر الإنتاج بين الدول العربية وقيام صناعة عربية لمستلزمات الإنتاج والتصنيع الزراعي والتنمية الريفية المتكاملة ودفع كل ذلك بتيار من الاستثمارات عن طريق العمل العربي المشترك.(1)
وجميع هذه المشاريع والمقترحات تهدف إلى:
– تحقيق الاكتفاء الذاتي.
– تخفيف حدة العجز الغذائي.
– زيادة الفائض في بعض المنتجات الغذائية لتصديرها.
– تحسن الأوضاع الغذائية للمواطن في الدول العربية.
هل تستطيع الأمة العربية بأقطارها المختلفة وبعدد سكانها الذي سوف يصبح أكثر من 300 مليون نسمة في عام 2000 وبزيادة قدراتهم المالية ومستوياتهم الثقافية والتي تنعكس على أنماطهم الغذائية أن يصلوا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي كلياً في إنتاج السلع الزراعية الرئيسية؟ والجواب هو: (نعم لكي تستطيع الأمة العربية من الاكتفاء الذاتي الكامل من الحبوب والزيوت والسكر والإنتاج الحيواني والدواجني في عام 2000 يلزم استثمارات قدرها حوالي 47.6 بليون دولار مقابل حوالي 33.2 ـ بليون دولار في ظل برامج الأمن الغذائي المقترحة وذلك أخذا في الاعتبار النتائج التي اتضحت من دراسة الإمكانيات الحالية والمستقبلية من المواليد الأرضية والمائية التي يمكن أن تستغل على امتداد الدول العربية.(1)
وتتكون برامج الأمن الغذائي العربي من ستة برامج رئيسية وهي:
1) برنامج الحبوب.
2) برنامج محاصيل البذور الزيتية.
3) برنامج إنتاج السكر.
4) برنامج الإنتاج الحيواني والداجن.
5) برنامج الإنتاج السمكي.
6) برنامج المخزون الإستراتيجي القومي.
وتقسم هذه البرامج إلى مشروعات لها صفة التخصيص وتضم 145 مشروعاً موزعة على ثلاثة عشرة دولة عربية. ويتم تنفيذ مثل هذه المشاريع في مختلف الدول العربية. ومشروعات لها صفة التعميم التي يتم تنفيذها في أكثر من قطر عربي. ويشمل نشاطها عدداً من الدول. ويبلغ عدد هذه المشاريع (المشروعات المشتركة بين الدول العربية) ثماني مشروعات منها أربعة مشاريع للإنتاج السمكي وثلاثة مشروعات للإنتاج الحيواني ومشروع للمخزون الغذائي الاستراتيجي القومي.
ويجب أن تركز برامج الأمن الغذائي والبرامج الزراعية في الدول العربية على النواحي التالية:
ـ قيام الحكومات بدور يتناسب مع الأهمية الحيوية لقطاع الزراعة وتوفير البنى التحتية والمرافق ووضع وتنفيذ السياسات الزراعية المناسبة.
ـ إنشاء هيئة عربية لتتبع التحية الزراعية وأوضاع أسواق الغذاء العالمية.
ـ ترشيد استخدام المياه في الزراعة العربية.
ـ توفير المعلومات عن أوضاع الزراعة والغذاء في الدول العربية وبخاصة من خلال شبكة المعلومات وشبكة الانترنيت.
ـ إبلاء التدريب والتأهيل والتعليم الزراعي الاهتمام اللازم وبخاصة في مجال الإنتاج الزراعي والتسويق
ـ الترويج للمشاريع الزراعية العربية المشتركة
ـ تفعيل دور القطاع الخاص في التنمية الزراعية وتأمين الغذاء في الدول العربية.
ـ تطوير وتفعيل دور مراكز البحث العلمي العربية في مجال الزراعة وتعزيز التعاون فيما بينها.
ـ زيادة التعاون والتنسيق والتواصل فيما بين المؤسسات الزراعية العربية فيما بينها والتواصل مع المراكز والمؤسسات الإقليمية والدولية.
يجب الاستفادة في هذا المجال من المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية والإقليمية وبخاصة مجالات الدعم المسموحة في نطاق منظمة التجارة العالمية التي تسمى (الصندوق الأخضر) ومنها: [11]
“1 ـ الخدمات العامة، بما فيها البحوث، وخدمات معالجة الأمراض الحيوانية وإبادة الآفات الزراعية، والتدريب، والإرشاد والرقابة المخبرية بالإضافة إلى خدمات التسويق والترويج وخدمات البنية التحتية والخدمات العامة.
2 ـ دعم اقتناء التكنولوجيات المناسبة لخصائص الزراعة في البلاد العربية، كاعتمادها على الأمطار وتدني إنتاجيتها لاسيما تكنولوجيات الري بالرش والري بالتنقيط وزراعة المحاصيل المقاومة للجفاف والوفيرة الغلة.
3 ـ المدفوعات المباشرة للمنتجين، بما فيها دعم الدخل الفردي.
4 ـ توفير التأمين الاجتماعي والصحي للمزارعين.
5 ـ التعويضات ضد الأوبئة والعوامل الطبيعية.
6 ـ البرامج البيئية
7 ـ المساعدات العامة من اجل الأمن الغذائي ”
تعد عملية التكامل الاقتصادي العربي، من وجهة نظر التنمية الشاملة العربية، عملية حضارية (سياسية واقتصادية واجتماعية)، مستمرة، تهدف للقضاء على عوامل اختلال الهيكلية الإنتاجية وتقليص وإنهاء التبعية التي تعاني منها كافة الدول العربية، بدرجات متفاوتة، وكذلك إلغاء الاستغلال وسوء التوزيع السائد في الدول العربية.
“من هنا يفترض أن تنطلق هذه المهمة من القدرة الذاتية العربية باتجاه الاستغلال المشترك للإمكانات والموارد المتاحة في إطار استراتيجية ملزمة تقوم على مبادئ الحرية والعدل والمساواة، وتعبر في أهدافها عن طموحات الأغلبية من أبناء الدول العربية لتحقيق استقلالها الاقتصادي وإنجاز استقلالها السياسي، وتوفير مجموعة من الشروط والمتطلبات الأساسية بما يؤدي إلى خلق الإرادة السياسية الموحدة، وتهيئ سبل المشاركة الجماهيرية باتجاه إحداث تغييرات جوهرية في البنى المؤسسية من سياسية واقتصادية واجتماعية وفق برامج زمنية متتابعة ومترابطة لبلوغ هذه الأهداف على نحو تدريجي مستمر ومتصاعد” [12] إن تنامي القدرة الذاتية العربية باتجاه الاستغلال المشترك للإمكانات والموارد المتاحة في الدول العربية سوف تؤدي إلى تراجع الفجوة الغذائية وتحسين أوضاع الغذاء للمواطن العربي وهذا يعني تحقيق تنمية ريفية متكاملة على مستوى الدول العربية.
لقد نال موضوع التنسيق والتكامل الزراعي العربي اهتماما بارزا نظرا للأهمية الاستراتيجية للقطاع الذي يتوقف عليه تحقيق مستوى مقبول من الأمن الغذائي، بالإضافة إلى كونه النشاط الأكثر توظيفا لليد العاملة في غالبية البلاد العربية، وتركز الاهتمام في سبيل تنسيق وتكامل الجهود الزراعية العربية في مجالات متعددة كانت تراعي الظروف المتغيرة وتركز على الاحتياجات الأساسية والمستجدة أو الطارئة، كما تستبق التوقعات للتحذير من المخاطر والعمل على درئها. وتتبع أوضاع الاستثمار الزراعي العربي، والجهود الدراسية والبحثية وتحقيق اللقاءات والندوات والمؤتمرات الفنية، وتم التركيز كذلك على تحقيق التواصل بين الشركات الزراعية العربية والتكنولوجيات الزراعية الحديثة. وما يختص بتحديث القطاع والقضايا التي تستحق المعالجة والاهتمام والمتعلقة بخصائص وطبيعة الزراعة في البلاد العربية.
” أما مستقبل الاستثمار الزراعي والغذائي في البلاد العربية، فانه يعتمد على مدى النجاح في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية واحتواء نتائجها السلبية من خلال البرامج الاجتماعية، ومدى القدرة على التعامل مع المتغيرات الناجمة عن تزايد العولمة وتدويل النشاط الاقتصادي من خلال الالتزام بتنفيذ منطقة التجارة العربية الحرة التزاما جديا وصولا إلى السوق العربية المشتركة. كما انه يعتمد على مدى القدرة على تحريك آليات التمويل العربية من صناديق ومؤسسات مالية ومصرفية لتوسيع نشاطها ليشمل القطاع الخاص، نظرا للدور الكبير الذي يضطلع به حاليا في التنمية الاقتصادية العربية، وكذلك دور الحكومات في استكمال وسائل الربط التجاري والاتصالات والمواصلات في المنطقة العربية تيسيرا لانتقال السلع والأفراد ولتبادل المعلومات، فضلا عن أهمية جذب التقنيات الأجنبية من خلال المشاريع المشتركة.
الخاتمة: هل الدول العربية قادر على تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان؟
هل تمتلك الدول العربية مصادر كبيرة لإنتاج الغذاء، قادرة على تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان؟
إن إنتاج المصادر وإمكانياتها تعتمد على المياه المتوافرة لري المحاصيل وكمية هطول الأمطار وخصوبة التربة واعتدال المناخ وصلاحيته للمحاصيل، وكذلك طريقة تعامل الإنسان مع الأرض الزراعية للحصول على أعلى إنتاجية عن طريق استعمال مستلزمات الإنتاج الحديثة، والطرق التكنولوجية المتطورة، بالإضافة إلى كثافة الاستعمال السنوي لتلك الأراضي.)(1)
يتوافر للأقطار العربية مساحات كبيرة من الأراضي القابلة للزارعة. أما المساحات المخصصة للمراعي فهي كبيرة جداً ولكن إنتاجيتها منخفضة (وإذا نظرنا إلى إنتاجية تلك الأراضي من اللحوم الحمراء فإنها لا ليست قليلة فحسب بل فإن إنتاجيتها تكاد لا تذكر بالمقارنة مع إنتاجية المراعي في بلدان أخرى.)(2)
وتمتلك الدول العربية قطعان من الماشية (الغنم، الماعز، الأبقار الجمال والجاموس) تصل إلى حوالي 190.57 مليون غراس وتشكل قطعان الماشية المصدر المتجدد الذي يزود السكان بالحليب واللحوم الحمراء. وفي عام 1995 وصل إنتاج الدول العربية من اللحوم الحمراء كمية 3192.79 ألف طن ومن لحوم الدواجن 1621.99، ومن الألبان 16785.80 ألف طن ومن البيض 850.56 ألف طن ومن الأسماك 2312.72 ألف طن.
ولكن لا بد للدول العربية من إعادة النظر في خططها التنموية وإبلاء القطاع الزراعي الأهمية الضرورية ومضاعفة الاستثمارات في هذا القطاع لكي تضمن أمنها الغذائي وتحقق الاكتفاء الذاتي في تأمين المواد الزراعية والغذائية وخير وسيلة لتحقيق الأمن الغذائي للوطن العربي وهي:(3)
1) ـ توجيه رأس المال العربي للاستثمار في مشاريع التنمية الزراعية وتحسين أنظمة الري والصرف ومكننة الزراعة واستخدام التكنولوجيا والأساليب العليمة الحديثة مما يحقق فوائد للدول العربية صاحبة رأس المال ويؤمن تمويل المشاريع الزراعية للبلدان العربية الفقيرة ويمتن التنسيق الاقتصادي والتكامل بين أقطار الدول العربية بالإضافة إلى أن هذه المشاريع تحقق الربحية التجارية لكافة الأطراف.
2) الاهتمام بإنتاج المواد الغذائية والحبوب وتطوير الثروة الحيوانية ووضع برامج علمية للاستفادة من مصادر المياه وتنميتها أو استخدام المكننة في الزراعة والأسمدة ووسائل المكافحة التي تزيد من الإنتاجية وتعطي محاصيل وفيرة.
3) رداً على التهديدات المستمرة من قبل الاحتكارات والكارتلات العالمية التي تتحكم في أسواق المنتجات الزراعية وخاصة بما يتعلق بالأسعار لا بد للدول العربية من التكتل والتنسيق فيما بينها لتأمين السلع الغذائية الأساسية وخاصة الحبوب والقمح. وتجدر الإشارة إلى ضرورة تأمين مخزون استراتيجي من هذه السلع تحقيقاً لسياسة الأمن الغذائي في الدول العربية.
4) تطوير العمل العربي المشترك والمشاريع العربية المشتركة في قطاع الزراعية والتبادل التجاري للمواد الزراعية بين أقطار الدول العربية وتقديم كافة التسهيلات والدراسات بينها للاستفادة القصوى في مجال تنمية المشاريع الزراعية العربية، ويطالب اتحاد الغرف العربية بإعطاء الأولوية للقطاع الزراعي، حيث ورد في المذكرة التي قدمها لمؤتمر القمة العربية:
“يرى الاتحاد أن أول ما تحتاجه الدول العربية في الميدان الزراعي هو برنامج متكامل يوفر لها الأمن الغذائي، انطلاقاً من أن هناك بقايا يمكن أن تنمى زراعياً بحيث تكفي كافة الدول العربية حالياً ولفترة طويلة في المستقبل. وهذا يطلب تأمين بنية أساسية متكاملة للقطاع الزراعي، بدءا من تحسين أنظمة الري والمصرف وإقامة المنشآت في المزارع وتصميم شبكات الطرق البرية وسكك الحديد بين المناطق الزراعية والموانئ، وتحسين النقل البحري، والنقل الجوي فيما يخص نقل اللحوم الطازجة أو المبردة وتوفير جميع مدخلات الإنتاج الزراعي، وتوفير وسائل التخزين للمنتجات الزراعية خاصة صوامع الغازل، التي بدونها لا يمكن تأمين حد أدنى من الاحتياطي للمواد الغذائية، وتوزيع هذه على مراكز في أنحاء مختلفة من الدول العربية. ولا بد من رد فعل هذه الجهود بإقامة سلسلة من الصناعات الغذائية لحفظ الإنتاج الغذائي وتحويله”.
ولا بد من تكثيف العمل المشترك في مجال الأمن الغذائي. ويتم تحقيق ذلك عن طريق زيادة الإنتاجية وتوسيع طاقات إنتاج المواد الغذائية لتحقيق الاستقلالية في إشباع الحاجات الغذائية الأساسية للمواطن. كما لا بد من القضاء على الهدر والتبذير في مختلف مراحل الإنتاج والتخزين والتوزيع إضافة إلى ضرورة تحسين شروط التبادل التجاري للمواد الغذائية بين الدول العربية وبينها وبين العالم الخارجي على النحو الذي يحمي المستهلك ضد التضخم المتزايد في أسعار المستوردات وعدم الانتظام في حجمها.(1)
الجانب الأكثر خطورة، من وجهة النظر المستقبلية، هو انعكاسات قصور “الفائض الغذائي” على عملية التنمية الاقتصادية الاجتماعية في الدول العربية. إذ أنه من المسلم به، في أدبيات التنمية الشاملة، أن الزيادة المطردة والمستمرة في حجم الفائض الزراعي وبالتالي “الفائض الغذائي” تشكل شرطاً أساسيا لاستمرار عملية التنمية الاقتصادية والتطور الحضري، وأنه دون هذه الزيادة، تتعثر عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
يرتبط الإنتاج الغذائي في البلدان الغنية (أوروبا، أمريكان اليابان)، بالطلب الفعال وليس بحاجات البشر. ولكن ما هو اشد خطورة، هو أن الإنسان في العالم الثالث والدول العربية محروم من الطعام ليس بسبب إنسان آخر من بلد غني بل وأيضاً بسبب كلب أو قطعة هذا الإنسان الغني. أن استهلاك الحيوانات الأليفة في البلدان الغنية مؤمن قبل استهلاك الإنسان في الدول النامية. (إن حيوانات الدول المتقدمة تأكل ربع إنتاج العالم من الحبوب). (2) وهو حاجة الاستهلاك البشري لحوالي مليار و3000 مليون نسمة من السكان.
لا تتعلق مسألة الأمن الغذائي العربي بموضوع تطوير الإنتاج الزراعي فحسب ليتم تحقيق الأمن الغذائي على مستوى الدول العربية، بل هي أيضاً تتعلق بتحقيق الأمن الغذائي للمواطن العربي العادي على المستوى الفردي. وهذا يقتضي تحسين نما توزيع الدخول في المنطقة العربية، بحيث لا يمرض البعض نتيجة سوء التغذية، بينما يعتل البعض الآخر نتيجة التخمة الناجمة عن نمط الاستهلاك الغذائي المفرط.
من المبادئ التي تتكرر مبدأ إشباع الحاجات الأساسية نلاحظ أنه لم يعد مقتصراً على الحاجات المادية ولكنه يتسع ليشمل بإصرار الحاجات غير المادية ليلتقي مع المبدأ السابق فالمواطن ليس مطالباً بالتضحية أو ا لاختيار بين الخبز والحرية، وهذا وضع خاطئ سائد خلال العقدين السابقين للتنمية عند عدد من أنظمة الحكم التي أخذت على عاتقها المسؤولية التاريخية في الخروج بالدول العربية من التخلف والتجزئة والاستعمار. ولكن بسبب علاقات الوصاية الأبوية حرمت الشعوب من حاجاتها الأساسية غير المادية وكأنها، أي الشعوب، قاصرة عن ممارسة هذا الحق وكانت النتيجة ضآلة إشباع الحاجات المادية والضياع الكامل للحاجات غير المادة من ديمقراطية وحرية فكر وتفتح الشخصية الفردية…الخ.”(1)
تمتلك الدول العربية من المصادر ما يمكنها من إنتاج ما يكفيها من المواد الغذائية، سيما إذا ما قامت هذه الدول بتنمية ما تملكه من مصادر أفقياً وراسياً في المستقبل، وهي قادرة على ذلك. بل يمكنها إنتاج فائض من المواد الغذائية للتصدير. إن تنمية عناصر الإنتاج للمواد الغذائية والتنسيق والتعاون بين أقطار الدول العربية في هذا المجال يجب أن يكون ضمن الأولويات الملحقة لقادة وسياسيين الدول العربية.
الدكتور مصطفى محمد العبد الله