العلاقة بين السكان والتنمية

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

العلاقة بين السكان والتنمية

قراءة في كتاب قضايا حول السكان والتنمية في الوطن العربي – المستشار الاقتصادي

هناك علاقة قوية بين السكان والتنمية ( أي بين السكان وخصائصهم وواقعهم الديمغرافي ونوعية حياتهم من جهة والبرامج والخطط التنموية التي تهدف إلى تحقيق التقدم الاقتصادي والتطور الاجتماعي من جهة أخرى ) . ذلك لأن المتغيرات السكانية ترتبط بصورة عضوية بعناصر التنمية الشاملة باعتبارها تمثل التغير الهيكلي في مكونات النسق الاجتماعي – الاقتصادي في أي مجتمع . وهذا يعني أن مفهوم التنمية قد تعدى مجرد ” النمو الاقتصادي ” الذي كان دائماً محور الاهتمام ليشمل تحولات أساسية أخرى على الصعيد الاجتماعي والثقافي إلى جانب النمو الاقتصادي .

وقد رافق هذا التغير في مفهوم التنمية الشاملة تغير جذري في نوعية الخطط والبرامج التنموية حيث كان تركيز هذه الخطط على النواحي الكمية الاقتصادية بالدرجة الأولى واهتمت بزيادة الإنتاج والاستهلاك والتراكم والاستثمار ، ومع المفهوم الجديد أضحت الخطط أكثر شمولاً لتضفي جوانب اجتماعية وثقافية  وسياسية ، حيث أصبحت تركز أيضاً على النواحي الكيفية في تحسين ورفع مكانة المرأة والاهتمام بصحة الأم والطفل، ورعاية الشباب وقضايا الديمقراطية ، والبرامج الترفيهية ، وغيرها من المجالات التي ترتبط بتحسين نوعية الحياة لمجموع السكان .

ولم يعد تقويم نتائج الخطط والبرامج التنموية وتأثيراتها مقتصراً على المؤشرات الاقتصادية فقط، وإنما امتد ليشمل مؤشرات اجتماعية وثقافية وسياسية تعكس مدى التغير في نوعية الحياة والمجتمع . إن وضع السياسة السكانية في إطار خطة التنمية الشاملة يهدف إلى القضاء على سوء التغذية والمجاعات وتوفير فرص عمل وخدمات صحية وتعليمية أجود ، وتأمين المأوى المناسب، والإقلال من عدم المساواة في توزيع الدخل والخيرات المادية ، وتمكين المرأة وزيادة مساهمتها في النشاط الاقتصادي .

لم يعد النمو الاقتصادي وحده يعني التنمية ، إنما التنمية يجب أن تكون شاملة لشتى جوانب الحـياة، سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية أم سياسية أم غير ذلك . وهذا يعني أن ثمة فرقاً بين التنمية والنمو. فالتنمية في معناها الشامل تعني بناء ” مشروع حضاري متكامل ، يتوافر فيه التوازن بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ومن غير الجائز اليوم تجاهل المحتوى الاجتماعي والتاريخي والثقافي لكل من التنمية والتخلف “. [1]

وأكثر ما يهم في هذا المجال هو العلاقة الجذرية بين التنمية الشاملة والسكان وبخاصة الموارد البشرية ، بل بين تنمية الأشياء وتنمية الإنسان . ولا سبيل لتحقيق التنمية الشاملة واستمرارها إلا من خلال الاهتمام بالموارد البشرية وتنميتها وتفتيح إمكاناتها المختلفة ، بالإضافة إلى الموارد الأخرى ، من أجل تحقيق تنمية ذاتية والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية عن طريق إعداد إنسان جديد وفاعل .

دلت تجربة الإنسان التاريخية ، وتدل دوماً على أن في وسع الموارد البشرية حين تنمو وتزدهر أن تتغلب على نقص الموارد المادية الأخرى اللازمة لعملية الإنتاج بفضل العلم والتقنية بوجه خاص. وعلى سبيل المثال ، ما تكاد تنفذ طاقة حتى يحل الابتكار البشري محلها طاقة جديدة . والواضح أن أفضل استثمار هو الاستثمار في العقل البشري . ومن هنا نظر بعض الباحثين إلى الهوة بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة على أنها هوة في تنظيم العقل البشري وتوظيفه التوظيف الأمثل. [2]

لقد أصبح المواطن يتطلع إلى التقدم الاقتصادي، لنفسه ولأسرته ولعشيرته، ولأمته ـ بل ويتوقع أن يتحقق التقدم والتنمية الشاملة فعلاً ـ لا أن يتطلع إليه فقط بل يعمل لأجل ذلك. فالبقال والموظف في والفلاح في ، وعامل المصنع ، وطالب الجامعة ، ورجل الأعمال ، كل هؤلاء يتطلعون إلى تحسين الحالة المعاشيه لهم ولأسرهم في السنوات التالية مباشرة، أما تحديد هذه التطلعات بالدقة فيختلف من دولة إلى دولة ـ ولكن توقع التحسن الملموس في مستوى المعيشة ظاهرة عامة في الجمهورية العربية السورية والوطن العربي.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

[1]  – سياسات تنمية الموارد البشرية في البلدان العربية ( السكان – القوى العاملة – الاستخدام – التعليم ) تحريــر د . نبيل خوري منشورات جامعة دمشق بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ، دمشق 1992، ص 107 .

[2]  – المصدر السابق .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة × 1 =

آخر الأخبار