إشكالية تقييم نشاط البحث العلمي

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

البحث العلمي كعملية إبداعية وابتكار تتناول شتى أنواع المعرفة لا يمكن أن يستقيم وينمو دون توفر شروطه الأساسية المتمثلة في البيئة الحرة والمناخ الديمقراطي والتراكم المعرفي، والمقومات المادية والمعنويات العالية. وعلى هذا الأساس تبادر غالبية المجتمعات والدول، خاصة المتقدمة منها، إلى النظر باستمرار في أمر تطوير أنظمتها التعليمية ومراكز بحوثها وإعادة صياغتها، إن ممارسة الحضارة المعاصرة وتملكها والإبداع فيها والمشاركة في صنعها والارتقاء بها، تعني ممارسة العلم. ولا يتم أي عمل تنموي خارج منظمة العلم والتقانة، ويقاس مدى تقدم الأمم والمجتمعات في سلم الحضارة بمقدار تملكها للعلوم والتقانة، وهذا ما يميز الدول المتقدمة عن النامية.

تعد إشكالية تقييم نشاط البحث العلمي في ضوء الإطار العلمي الحالي المتميز بتعاظم عدد وحدات البحث وكذلك عدد العلماء وضخامة إنتاجهم الفكري من أهم الإشكاليات التي يواجهها البحث العلمي في الوطن العربي. وأصبح متخذو القرار والممولون نتيجة ذلك يسعون لتحقيق معادلة تكلفة – فاعلية الأنشطة البحثية. وقد طور علم المعلومات التوثيقية منهجية لتقييم أداء نظام البحث العلمي بقياس الإنتاج الفكري للباحثين ودراسة سلوكياتهم إزاء المعلومات، وهي الببليومتريا. وتستخدم هذه المنهجية أيضاً في دراسة تداول المعلومات لتحسين نظم المكتبات وتفسير الظواهر التي تتحكم في الانفجار الوثائقي. وهذه المنهجية الببلومتريا هي: الأساليب الرياضية والإحصائية التي تطبق على الكتب ووسائل الاتصال الأخرى. إن الببليومتريا ما هي إلا امتداد للإحصائيات الببلوغرافية التي ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي، ولكن من الضروري تبرير استخدام الإحصاء في علم المعلومات التوثيقية على مستوى كافة العلوم. لقد سمحت الطرق الكمية لهذا العلم بقياس موضوع دراسته ووفرت الأدوات العلمية المناسبة لنموه وتطوره. إلا أن الإحصاء له حدود ويبقى اللجوء إلى الطرق الكيفية دائماً ضرورياً. يتمثل قياس الوثائق في جمع البيانات الببلوغرافية مع نقد مصادرها، واستخدام المؤشرات ومعالجة تفسير الأرقام واختيار القوانين الأمبيريقية.‏

وتعد مشاغل الباحثين وهمومهم والآليات البحثية المعتمدة أو المنعدمة وبخاصة منها الطبيعة والمشاكل والعوائق الإدارية والنفسية من أهم عوائق البحث العلمي في الوطن العربي، والتي مازالت تعيق، حركية وإشعاع وحسن مردودية الباحثين العرب، إذ بعد أربعين سنة من الاستقلال السياسي للبلاد العربية، لم تتبلور بعد سياسة للبحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولم يعط تنظيم الندوات ولا المؤتمرات لدراسة وتقويم النتاج البحثي في العلوم الإنسانية والاجتماعية على مستوى الوطن العربي في معظم الاختصاصات الاهتمام الكافي إلا نادراً وبشكل جزئي وظرفي، مع توفر الآلاف من الباحثين. بل ولم تبرز أية دراسة جامعية متأنية فاحصة هذا الإنتاج البحثي والمعرفي.‏

بدأ اهتمام الباحثين العرب ينصب في العقدين الأخيرين على قضايا الجسد والمتخيل والمقدس بعد أن ظل هذا الميدان حكراً على الاستشراف والأنثروبولوجيا الغربية. والهدف دائماً هو تحليل مدى الاستقلال الفكري والمنهجي الذي تحقق في هذا الميدان، ومدى خصوصية النتائج التي توصل إليها الباحثون العرب. إن التباس هذه الموضوعات من جهة، وبطء التطور الذي تعرفه سوسيولوجيا القيم والأنثربولوجيا الثقافية والتحليل النفسي من جهة ثانية يجعل الكثير من البحوث في هذا المضمار إما ذات طابع أيديولوجي وإما ترديداً لمعطيات معرفية ومنهجية متداولة في المرجعيات الغربية، بيد أن حداثة البحث في هذه الموضوعات تبرر بعضاً من تلك الخصائص.‏

يجب اعتبار البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية في الوطن العربي ضرورة قومية ملحة لتعميق المعرفة بمجتمعاتنا العربية ومشكلاتها واقتراح الحلول المناسبة ووضع سياسات للبحث العلمي في كل دولة عربية من أجل تحقيق هذه الغاية.‏

  • توفير الدعم المالي الطويل الأمد لمراكز البحث العلمي في الجامعات والمعاهد العربية القائمة وإنشاء معاهد ومراكز جديدة حيث تدعو الحاجة إلى ذلك. وبخاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.‏
  • دعوة مؤسسات البحث العلمي الخاصة والعامة ذات التوجهات المستقبلية القومية السليمة لتطوير نشاطها وزيادة فعاليتها في العلوم الإنسانية والاجتماعية.‏
  • تعزيز التعاون بين مراكز البحث العلمي والباحثون العرب في العلوم الإنسانية والاجتماعية وتقديم التسهيلات اللازمة لهم وتبادل المعلومات والمصادر والخبرات دون أية عوائق.‏
  • التنبيه إلى مخاطر الهجرة الدائمة للباحثين العرب والنتائج السلبية التي تترتب عليها.‏
  • توثيق وتطوير التعاون العلمي القائم بين مراكز البحث العلمي في البلاد العربية والدول الأوربية على أسس من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.‏

إن تطور أي منظومة بحثية في الوطن العربي لا يبدأ من فراغ، وإنما تكون له مقدماته الأولية التي تصله بمنظومة البحث العلمي العالمية وبخاصة الغربية المجاورة له، مما يشكل قدرة على الاستمرار في تطوير البحث العلمي وتأثيره الإيجابي على التحولات الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي. كما أن للبحث العلمي مقدماته وأصوله وجذوره، فالتاريخ الإنساني لم يعرف قط تطويراً جديداً تماماً لا يمت بصلة بما سبقه، وحتى التحولات الكبرى والثورات نراها قد عكست البيئات الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت حينها ولو في حدود معينة.‏

الأمل في قيام نهضة جديدة للعرب ليس بالأمر غير المشروع، ولا هو يدخل في إطار الرجم بالغيب بل على العكس من ذلك فإن عناصر ومقومات هذا النهوض متوفرة وكثيرة، لكن الأمر يستدعي الإيمان بوحدة هذه الأمة ودورها ورسالتها الحضارية.

يرتكز تطور العلوم والمعارف الإنسانية وتقدمها على العقل، فلا علم بلا عقل يختبر بالاستناد إلى الحواس والأدوات الفنية المساعدة لها، ولا علم بلا عقل يرجع إلى قوانين المحاكمة والمنطق. وهكذا اتجه المفكرون إلى العقل يصقلونه ويتسلحون به، والى الطبيعة يدرسونها ويتعلمون منها، واستخدموا ذلك في البحث العلمي، وفتحوا الأنظار على النقص الهائل في هذا المجال. واشتقوا طرقاً للإصلاح والتطوير في مجال السياسة والاقتصاد ونظام الدولة والنظام الاجتماعي وتحسين مستوى رفاه الإنسان وتقدمه.

لم يعد البحث العلمي ترفاً تمارسه بعض الأمم المتقدمة، وتحتكره بين المجتمعات الناهضة ولكنه، في واقع الأمر، ضرورة ملحة تحتاجها البلدان النامية والبلدان المتقدمة على حد سواء. لقد تبين أنه إن لم تعن الدول العربية ومؤسساتها العلمية وبخاصة الجامعات بالبحث العلمي فإنها لن تجد حلولاً صحيحة لمشكلاتها العديدة والتحديات الكبرى التي تواجهها. وتكتسب العلوم عن طريق البحث العلمي والعودة إلى التراث والأصالة العلمية، إضافة إلى الاقتباس والنقل عن طريق التعاون البحثي وهذا ضروري لتقدم البحث العلمي في الوطن العربي وتطوره ليسهم في عملية التنمية لمواجهة التحديات الكبيرة التي نواجهها.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × 2 =

آخر الأخبار