محمد كرد علي وخطط الشام

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

محمد كرد علي وخطط الشام

كيف يسمح الكاتب والمفكر لنفسه عبر قلمه ورواياته التاريخية الممتعة، بالدخول إلى حجرة قارئه، فيخترق خصوصيته ويمنعه من دراسة تخصصه كالاقتصاد ويملي عليه أفكاراً وطريق حياة أحياناً، فيوصيه اذهب، عش، سافر، اعشق، افعل ما تريد، لا تكن خروفاً ولا تكن ذئباً.

أعترف أني عشقت وأحببت بالأمس وأني أحب اليوم، وأني عاشق دائم للكتب والكلمات. (لم أعرف حقاً كيف يمكن تجنب التحول إلى خروف أو إلى ذئب في عالمنا القاسي. وربما بقيت كأغلب البشر مزيجاً من الاثنين، كائنات وسطية تبحث عن الأمان والاطمئنان فتفاجأ باستحالة الطيبة المطلقة والشر المطلق، فتتوه ثم يحصل لها أن تلتقي بجملة عابرة في كتاب عابر، فينفتح أمامها أفق ينادي ظل الإنسان داخلها، فتذهب أبعد في بحثها عما هو مشرق ومختبئّ فيها).

تسلل أدب وفكر محمد كرد علي إلي هكذا مع خطط الشام، حيث جاءتني هدية من زوجتي وأبنائي سلام ونور وزينة ومحمد بمناسبة عيد ولادتي كتابه الموسوعي في التاريخ (خطط الشام) المكون من مجلدين كل مجلد يحوي ثلاثة أجزاء، في التسعينات من القرن الماضي. وكنت قد بدأت أهتم بتاريخ بلاد الشام، الذي تحول إلى طريق حنين لم ينتهي بعد. كنت أقاوم كي أترك الخطط من يدي وأعود إلى أبحاثي في الاقتصاد وأعمالي في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، ولم أكن أدرك بوضوح أن الفكر والأدب والتاريخ رديف للاقتصاد، محفز له.

في مذكراته رفض محمد كرد علي الاستبداد وفضح الاستعمار وأساليبه في البلاد العربية وحض على العلم والتعليم لتحقيق النهضة ونادى بمكافحة العادات والمعتقدات السلبية، وكشف أساليب استغلال النفوذ وغير ذلك من القضايا التي عاشها كرد علي أو التي كانت تعيشها المجتمعات التي زارها.

يعرفنا محمد كرد علي بدِمَشْق فيقول: (دِمَشْق بكسر الدال وفتح الميم وإسكان الشين، اسم هذه المدينة الجميلة مدينة السحر والشعر. قالوا إن أصلها لفظة آرامية مماتة “مشق” تتقدمها دال النسبة. وقد وردت في اللغة الهيروغليفية على هذا النحو تقريباً، ومعناها الأرض المزهرة أو الحديقة الغناء. وأطلق الآراميون عليها اسم “درمسق”، والسريان “درمسوق”، وأهل لغة التلمود “درمسقين”، وقالوا إن إرم ذات العماد التي وردت في القرآن الكريم هي دمشق بعينها، وبعض المفسرين يذهبون إلى ذلك، الآية الكريمة. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.

من أبرز ما عُرِف به «كرد علي»، دفاعه عن العرب والعروبة والحضارة العربية، (إذ كان عُروبياً مؤمناً بالعربية وأهلها، لا يرى العروبة تنفصل عن الإسلام في شيء، واقفاً بالمرصاد للشعوبيين، يردّ طعونهم على العرب والإسلام، ويفنّد حججهم بحجج وبراهين راسخة. وقد حفل كتابه “الإسلام والحضارة الغربية” (1934م) بالكثير من النقولات عن الأعلام الأجانب المنصِفين، وتتبّع المقالات المسيئة للشعوبيين والمستشرقين وناقشها وفنّدها. وله في هذا السياق مؤّلفاتٌ أخرى مثل: غرائب الغرب (1922م)، الإدارة في عزّ العرب (1934م)، أقوالنا وأفعالنا (1946م)، كنوز الأجداد (1950م)، وترجم أيضاً كتاب “تاريخ الحضارة” لـ شارل سنيوبوس).[1]

ومن أبرز أقوال محمد كرد علي في هذا السياق:

– (إن ما نقله العرب عن غيرهم من تراتيب الممالك معروف ومعترف به، والإنصاف يقضي أن يًسجّل لهم قسطهم من الأعمال المنبعثة مباشرة من قرائحهم المزيّنة بأخلاق عالية، ما عهد، فيما نظن، مثلها كثيراً في الأمم السابقة ولا الخالفة). [2]

– (كانت للعرب عادات حسنة اقتبست بعضها الأمم الغربية، ولما جاءنا الغربيون بهذه الحضارة الحديثة، أصبح من اللازم اللازب أن نأخذ عنهم بعض ما ينفعنا من عاداتهم المستحبة، سنّة طبيعية في الخليقة أن يأخذ المتأخّر عن المتقدّم، والجاهل عن العالِم). [3]

لم يكن لعالمي الداخلي أن يكون على ما هو عليه دون الكتب والروايات والتاريخ وبخاصة في عالمنا الذي أصبح حقاً بلا خرائط ولا جغرافيا. إنه دور الفكر والأدب في حياة كل قارئ. انه يجعلنا أقل عرضة للبؤس والخداع لأنه يربطنا بشرطنا الإنساني المعقد والبسيط بآن. لم يقل محمد كرد علي، صاحب المشروع التاريخي الكبير، شيئاً آخر في زمننا الذي يدفعنا بؤسه الى الأسفل، فنناضل ونحاول الصعود من بئر الرعب والقنوط متأملين أن يلد اليباب شيئاً. طوبى محمد كرد علي الذي حاول وآمن بناسه وأحبهم وأورثهم كلمات توغل بعيداً في الوجدان.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

[1] – محمد السيد أبو ريان، محمد كرد علي: الكردي الذي عاش للعروبة،

https://www.ida2at.com/muhammad-kurd-ali-kurdish-who-lived-to-arabism/

[2] –  محمد كرد علي، الإدارة في عز العرب – ص6.

[3] – محمد كرد علي، أقوالنا وأفعالنا – ص43.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة عشر − 5 =

آخر الأخبار